بسم الله الرحمن الرحيم

طول الأمل والغرور الكاذب

اللهم هيىء لنا الخير،واعزم لنا على الرشد،وآتنا من لدنكَ رحمة،واكتب لنا السلامة في الرأي،وجنِّبنا فتنةَ الشيطان أن يقوى بها فنضعف،أو نضعفَ لها فيقوى،ولا تدعنا من كوكب هداية منك في كل ظلمة شك منا،واعصمنا أن تكون آراؤنا في الحق البين مكان الليل من نهاره،أو ننزل ظنوننا من اليقين النيّر منزلة الدخان من ناره،نسألك بوجهك،ونتوسل إليك بحمدك وندعوك بأفئدة عرفتك حين كذَّب غيرها فاقرّت،وآمنت بك فزُلزل غيرها واستقرت(مقدمة تحت راية القرآن للكاتب العظيم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله)

أما بعد:

وردت لفظة الأمل في القرآن الكريم بلام التعريف في موضع واحد وهو الآية الثالثة من سورة الحجر:{ذَرهُم يأكُلوا ويَتمَتَّعُوا ويُلهِهِمُ الأملُ فسوفَ يعلمونَ}[الحجر3]،أي دع يا محمد المشركين والكافرين يعيشوا هذه الحياة الدنيا،يأكلوا ويتمتعوا،وتلهيهم الآمال الكاذبة المعسولة فسوف تصدمهم الحقيقة السافرة يوماً من الأيام فيعلمون أن آمالهم باطلة وأن معبوداتهم زيف وافتراء وضلال.

والأمل في اللغة(دائرة  سفيرـ المعارف الإسلامية ـ):

الرجاء،وأكثر استعماله فيما يستبعد حصوله.وقد ورد في الآية الثالثة من سورة الحجر،وكذلك ورد في السنة النبوية،فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:”خطَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم خطَّاً مربَّعاً،وخطَّ خطّاً في الوسط خارجاً منه،وخطَّ خُططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط،فقال:”هذا الإنسان،وهذا أجله محيط به ـ أو قد أحاطَ به ـ وهذا الذي هو خارجٌ أملَهُ،وهذه الخطط الصغار الأعراض.فإن أخطأه هذا نهشه هذا،وإن أخطأه هذا نهشه هذا“[رواه البخاري].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الآية الثالثة من سورة الحجر:

“ذرهم فيما هم فيه من حياة حيوانية محضة للأكل والمتاع.لا تأمل فيها ولاتدبر ولا استطلاع.ذرهم في تلك الدوامة:الأمل يلهي والمطامع تغر،والعمر يمضي والفرصة تضيع.ذرهم فلا تشغل نفسك بهؤلاء الهالكين،الذين ضلوا في متاهة الأمل المغرور،يلوح لهم ويشغلهم بالأطماع،ويملي لهم فيحسبون أن أجلهم ممدود،وأنهم محصلون ما يطمعون لا يردهم عنه راد،ولا يمنعهم منه مانع.وأن ليس وراءهم حسيب،وأنهم ناجون في النهاية بما ينالون مما يطمعون!

وصورة الأمل الملهي صورة إنسانية حية.فالأمل البراق مايزال يخايل لهذا الإنسان،وهو يجري وراءه ،وينشغل به،ويستغرق فيه ،حتى يجاوز المنطقة المأمونة،وحتى يغفل عنه الله وعن القدر،وعن الأجل ،وحتى ينسى أن هناك واجباً،وأن هنالك محظوراً،بل حتى لينسى أن هنالك إلهاً،وأن هنالك موتاً،وأن هناك نشورا.

وهذا هو الأمل القاتل الذي يؤمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعهم له…”فسوف يعلمون”.حيث لا ينفع العلم بعد فوات الأوان…وهو أمر فيه تهديد لهم،وفيه كذلك لمسة عنيفة لعلهم يصحون من الأمل الخادع الذي يلهيهم عن المصير المحتوم”.

ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(موقع القرضاوي ـ في رحاب سورة الحجر)معلقاً على الآية الثالثة من سورة الحجر :

فالأمل مطلوب،ولكن طول الأمل هو المذموم،وهو المقصود بقوله تعالى:{يُلههم الأمل}،الأمل المُلهي هو الأمل الطويل،الذي يجعل صاحبه وكأنه مخلَّدٌ في الدنيا،كأنّه لايموت،كأنّ الإنسان خُلق ليخلد،وهو يرى من حوله يسقطون واحداً بعد الآخر ـ الأقارب والجيران والزملاء والأصدقاء والأحباب ـ يختطفهم الموت من حوله،ولكنه ينسى هذا ويقول:في العمر مُتسع ،وفي الزمن بقية.

هذا هو طول الأمل،الذي يقول فيه الحسن البصري رحمه الله:”ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل”،يقول الإمام القرطبي:”وصدق رضي الله عنه!فالأمل يكسل عن العمل،ويورث التراخي والتواني،ويعقب التشاغل والتقاعس،ويخلد إلى الأرض،ويميل إلى الهوى.وهذا أمر قد شوهد بالعيان،فلا يحتاج إلى بيان،ولا يطلب صاحبه ببرهان”.

ويتابع القرطبي رحمه الله:”وطول الأمل داءٌ عضال ومرض مزمن،ومتى تمكّن من القلب فسد مزاجه،واشتدّ علاجه،ولم يفارقه داء،ولانجح فيه دواء،بل أعيا الأطباء،ويئس من برئه الحكماء والعلماء”.

وجاء في نفح الطيب للتلمساني(ج6 ص321):

“ما أورد النفس الموارد وفتح عليها باب الحتف إلا الأمل،كلّما قومتها مثاقفُ الحدود فتح لها أركانَ الرخص،كلّما عقدت صوم العزيمة أهداها طُرفُ الغرور في أطباق:حتى،وإذا،ولكن،وربما،فأفرط القلب في تقليبها حتى أفطر”.

وحقيقة الأمل:الحرص على الدنيا والإنكباب عليها،والحبّ لها والإعراض عن الآخرة

وجاء في الحديث الصحيح:”يَهرمُ ابنُ آدمَ وتَشبُّ منه اثنتان:الحرصُ على المال،والحرص على العمر[متفق عليه رواه الشيخان وأحمد والترمذي وابن ماجه عن أنس بن مالك]،وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان:حبُّ المال،وطول العمر[رواه البخاري]،وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”لا يزال قلب الكبير شاباً في اثنتين:في حبّ الدنيا وطول الأمل[رواه البخاري]،وفي رواية مسلم”قلب الشيخ شاب على حبِّ اثنتين:العيش والمال”.

فالإنسان له أجلٌ محدد وعمرٌ مقيّد ،ولايعلم الأجل إلا خالق النفس البشرية،ومن سعادة الإنسان أن يُكتب له طول العمر وحسن العمل،وحسن الخاتمة،ومن شقاء الإنسان أن يطول عمره،ويسوء عمله،ويزداد طول أمله،ولاينفك عن ترك المعاصي والوقوع في المفاسد.

يقول الشيخ محمد صالح المنجد ـ الموقع ـ :

“الكبير يهرم،ويتقدم به العمر،ويشيخ،ويتعب،ومع ذلك تبقى فيه خصلتان لا تهرمان ولا تشيخان ولا تضعفان:حبّ الدنيا،وطول الأمل.والنفس تريد البقاء في الدنيا للإستمتاع واللذات،ومع أن الشيخ بلي جسده،وضعفت قواه،وانحلت،ومع ذلك باق متعلق،مع أن من شأن الشيخ أن يقل حرصه على الدنيا وأمله يقل،بعدما بلي الجسد،ووهنت القوى،واشتعل الرأس شيباً،والعظم واهٍ،وانتظار الموت قائم،ومع ذلك طول الأمل،محبة طول العمر.

والأمل فيه معنى حسن،ومعنى قبيح.فما كان من الأمل يفسح المجال للعمل ،فهو حسن،وأما القبيح فهو الاسترسال فيه والغفلة عن الاستعداد للآخرة،وعندما يصبح الأمل مجالاً لتسويف،أو تأجيل العمل الصالح،أو التأخير فيه…”.

طول الأمل هذا هو الذي يجعل الإنسان ينسى الموت،ينسى الآخرة،ينسى أنَّ كلَّ حيِّ سيموت وكلَّ ميت سيبعث،وكل مبعوث سيحاسب،وكل محاسب سيدخل إما جنة وإما ناراً.

ووردت كلمة أمل بدون لام التعريف في موضع واحد وهو الآية 46 من سورة الكهف:{الباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملا}[الكهف 46].

فالأمل:هو مايؤمله الإنسان في يومه وغده ،وآمال الإنسان لا تنتهي ولا تقف عند حد معين.

إن الإنسان مغرور وفي غريزة نفسه طول الأمل كما يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:

“لذلك كان الموت أقرب شيء في حواسنا منا وأبعد شيء في أفكارنا عنا،نرى مواكب الأموات تمرُّ با كل يوم ونحس أننا باقون،ونمشي في الجنائز ونحن نفكر في الدنيا،أو نتحدث عنها،ونرى القبور تملأ رحاب الأرض ولا نفكر أننا سنكون يوماً من ساكنيها”.

أسباب طول الأمل:

يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله:

“إن طول الأمل له سببان:الجهل وحبّ الدنيا.

أما حبّ الدنيا :فهو أنه إذا أنِسَ بها وبشهواتها ولذّاتها وعلائقها ثقل على قلبه مفارقتها،فامتنع قلبه من الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها،وكل من كره شيئاً دفعه عن نفسه.

والإنسان مشغوف بالأماني الباطلة فيمنُّ نفسه أبداً بما يوافق مراده،وإنما يوافق مراده البقاء في الدنيا فلا يزال يتوهمه ويقدره في نفسه،ويقدر توابع البقاء وما يحتاج إليه من مال وأهل ودار وأصدقاء وسائر أسباب الدنيا فيصير قلبه عاكفاً على هذا الفكر موقوفاً عليه،فيلهو عن ذكر الموت فلا يُقدر قربه،فإن خطر له في بعض الأحوال أمر الموت والحاجة إلى الاستعداد له سوَّفَ ووعد نفسه وقال الأيام بين يديك إلى أن تكبر ثم تتوب،وإذا كبر فيقول إلى أن تصير شيخاً،فإذا صار شيخاً قال إلى أن تفرغ من بناء هذه الدار وعمارة هذه الضيعة أو ترجع من هذه السفرة،أو تفرغ من تدبير هذا الولد وجهازه وتدبير مسكن له،أو تفرغ من قهر هذا العدو الذي يشمت بك ،فلا يزال يسوِّف ويُؤخِّر ولا يخوض في شغل إلا ويتعلق بإتمام هذا الشغل عشرة أشغال أخرى ،وهكذا على التدريج يؤخر يوماً بعد يوم ويقضي به شُغل إلى شُغل بل إلى أشغال إلى أن تختطفه المنيّة في وقت لا يحتسبه فتطول عند ذلك حسرته،وأكثر أهل النار وصياحهم”مَنْ سَوَّف”يقولون:”واحزناه من سوّف”والمُسوِّف المسكين لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم هو معه غداً،وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخاً،ويظن أنه يتصور أن يكون للخائض في الدنيا والحافظ لها فراغ قط،وهيهات فما يفرغ منها إلا من طرحها،وأصل هذه الأماني كلها حبُّ الدنيا والأنس بها.

وأما الجهل:فهو أن الإنسان قد يعود على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشباب ،وليس يتفكر المسكين أن مشايخ بلده لو عُدّوا لكانوا أقل من عُشر رجال البلد،وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر،فإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي وشاب،وقد يستبعد الموت لصحته،ويستبعد الموت فجأة ولا يدري أن ذلك غير بعيد،وإن كان ذلك بعيداً فالمرض فجأة غير بعيد،وكل مرض فإنما يقع فجأة،وإذا مرض لم يكن الموت بعيداً،ولو تفكّر هذا الغافل وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص من شباب وشيب وكهولة،ولكن الجهل بهذه الأمور وحب الدنيا دعواه إلى طول الأمل وإلى الغفلة عن تقدير الموت القريب فهو أبداً يظن أن الموت يكون بين يديه ولا يقدر نزوله به ووقوعه فيه،وهو أبداً يظن أنه يُشيّع الجنائز ولا يقدر أن تشيّع جنازته ،لأن هذا قد تكرر عليه وألِفه وهو مشاهدة موت غيره،فأما موت نفسه فلم يألفه ولم يتصوّر أن يألفه ،فإنه لم يقع وإذا وقع لم يقع دفعه أخرى بعد هذه.فهو الأول وهو الآخر وسيلة أن يقيس نفسه بغيره ويعلم أنه لابد أن تحمل جنازته ويدفن في قبره، فتسويفه جهل محض،وإذا عرفت أن سببه الجهل وحب الدنيا فعلاجه دفع سببه”.

 أشكال  من طول الأمل والغرور الكاذب:

1 ـ التسويف والمماطلة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الجنّة أقربُ إلى أحدكم من شِراكِ نعله ،والنار مثل ذلك”.[رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه]

يقول الشيخ الدكتور محمد لطفي الصباغ رحمه الله:

“التسويف هو عدو الإنسان الذي يريد الصلاح والارتقاء والتقدم،وهو سلاح من أسلحة الشيطان يصرف به الناس عن الخير،ويقعد بهم في زوايا الخمول.يهمُّ المرء أن يعمل عملاً صالحاً يعود عليه بالخير في الدنيا والآخرة،فيوسوس له الشيطان قائلاً:لماذا لا تؤجل هذا العمل إلى أوّل الأسبوع؟ويستجيب له الإنسان،ويأتي أوّل الأسبوع ويشغل صاحبنا ولا يعمل شيئاً،فيضيع عليه ثواب ذلك العمل الصالح”.

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله(كتاب الفوائد):

“كلما جاء طارق الخير صرفه بواب”لعل وعسى”.

ويقول الحسن البصري رحمه الله:

“إياك والتسويف،فإنك بيومك ولست بغدك،فإن يكن غد لك فكِسْ فيه(أي اغتنمه واجتهد فيه) كما كِست في اليوم،وإلا يكن الغد لك لم تندم على ما فرطت في اليوم”.

وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله(صيد الخاطر):

“إياك والتسويف ،فإنه أكبر جنود إبليس”.

يقول بلال بن سعد:

“يقال لأحدنا:أتحب أن تموت؟فيقول:لا.فيقال:لم؟،فيقول:حتى أعمل،ويقول سوف أعمل،فلا يحب أن يموت،ولا يحب أن يعمل ,احبّ شيء إليه أن يؤخر عمل الله ولا يحب أن يؤخر عنه عرض الدنيا”.

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:

“إن كل مؤمن يريد أن يتوب ويرجع إلى الله ولكنه يؤجل ويسوّف.أنا كنت أقول:إذا حججت تبت وأنبت،ثم رأيت أني حججت وما تبت.وكنت أقول:إذا بلغت الأربعين تبت،فبلغتها وما تبت،وجاوزت الستين وما تبت،وشبت وما تبت.إن الإنسان يرجو لنفسه الصلاح ولكنه يسوّف،ويظن أن في الأجل فسحة،يحسب أن العمر طويل،فيرى الموت قد طرقه فجأة،وعندما يعرف شعور الميت يندم على كل دقيقة أضاعها في غير طاعة،فإذا نجا بقي فيه هذا الشعور شهوراً صار فيها صالحاً ثم انغمس ثانية في غمرة الحياة ونسي الموت.كلنا ننسى الموت .نرى الأموات يمرون بنا كل يوم،ولكن لا نتصور أننا سنموت.نقف في صلاة الجنازة ونحن نفكر في الدنيا،يظن كل واحد منا أن الموت كتب على الناس كلهم إلا عليه،مع أن الإنسان يعلم أن الدنيا موليّة عنا،وأنه مُوّل هو عنها”.

ويقول في موضع أخر رحمه الله:

“هذا هو الموت الذي أفر من الكلام فيه والحديث عنه،والذي أراه بعيداً عني،ولم يحن حينه،ولم يدن موعده،لذلك كنت أوجل التوبة من يوم إلى يوم،أقول إذا بلغت سن الشباب تبت،فلما بلغتها قلت:أتوب في الأربعين،فلما جاوزتها قلت:أنتظر حتى أتم بناء الدار،فلما أتممتها قلت:أتوب وأتفرغ إلى الله إذا بلغت سن التقاعد،كأني أحدث على ملك الموت عهداً،ألا يطرق بابي حتى أبلغ سن التقاعد فها هو قد جاء على غير ميعاد”.

ويقول أيضاً رحمه الله:

“إني أركض أبداً وراء المستقبل،ففي المستقبل أبلغ آمالي،وفيه أصلح نفسي،وفيه أنيب إلى ربي،وفيه أكتب تلك المعاني التي طالما جاشت بها نفسي،ولم يجر بها قلمي….ولكن المستقبل لن يأتي أبدا،وحين يأتي يصير حاضراً وأذهب فأفتش  عن مستقبل آخر،فأنا كالفرس الذي يعد ويشتد ويكد نفسه ليدرك حزمة الحشيش والحزمة معلقة في عنقه”.

2 ـ الإيمان بلا عمل:

قيل للحسن البصري رحمه الله:إن أناساً يقولون:من قال لا إله إلا الله دخل الجنة.فقال:من قال لا إله إلا الله فأدّى حقّها وفرضها دخل الجنة”.

نعم هناك أناس فهموا الدين خطأ،يظنون أنه من أخلص النيّة ولكن بدون عمل فهذا مغفور له،ويدخل الجنة،ويتأولون بعض الآيات والأحاديث خطأ،ومنها الحديث الشريف:”إن الله تعالى لا ينظر إلى صُوركم  وأموالكم، وإنما ينظر  إلى قلوبكم وأعمالكم”.[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].

وليس معنى هذا الحديث كما يفهمه بعض الجهّال أو المتجاهلين أن من صلحت نيته وصفا قلبه،لم يضره ترك الواجبات والعبادات العملية،بل على العكس إن من صلح قلبه وصفت سريرته لا يمكن أن يكون مقصراً في حقوق الله تعالى،وإنما معنى الحديث الشريف أن التلبس بصور الطاعات والعبادات دون أن يكون لها جذور من صلاح القلب وإخلاصه لايقرب العبد من الله شيئاً،لأن الله تعالى كما يرى ظاهر أعمالك،يرى ماقد استقر في نفسك .

والآية الكريمة:{قُلْ إن كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبعُوني يُحبِبكُمُ اللهُ ويَغفِرْ لكُم ذُنُوبَكُم واللهُ غفورٌ رحيم}[آل عمران31]،فهذه الآية هي المشعر والدليل على محبة الله الحقيقية،وما هي محبة الله،إنها في طاعته وطاعة نبيه واتباع مرضاته واتباع تعاليمه.

قال رجل للحسن البصري رحمه الله:أليس من الإيمان أن نحسن الظن بالله عز وجل؟قال:بلى،إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل،وأما المنافق فإنه أساء الظن فأساء العمل،فسددوا وقاربوا فإنما هي ليال،وإنما أنتم في ركب على سفر،وما منكم من أحد إلا يوشك أن يُدعى فيجيب”.

وقيل لوهب بن منبه رحمه الله:أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟قال: بلى،ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان،فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك.

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله في قصيدته النونية معلقاً على هذه الأسنان:

هذا وفتحُ الباب ليس بممكن                إلا بمفتاح على أسنان

مفتاحه بشهادة الإخلاص والتو            حيد،تلك شهادة الإيمان

أسنانه الأعمال وهو شرائع ال            إسلام،والمفتاح بالأسنان

لا تُلغين هذا المثال فكم به                 من حلِّ إشكال لذي العرفان 

ويقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله:

“وفرقة أخرى من عوام الخلق وأرباب الأموال والفقراء،اغتروا بحضور مجالس الذكر،واعتقدوا أن ذلك يغنيهم ويكفيهم،واتخذوا من ذلك عادة،ويظنون أن لهم على مجرد سماع الوعظ ـ دون العمل ودون الاتعاظ ـ أجراً،وهم مغرورون،لأن فضل مجالس الذكر لكونه مرغباً في الخير،فإن لم يهيج الرغبة فلا خير منه،والرغبة محمودة لأنها تبعث على العمل،فإن ضعفت عن الحمل على العمل فلا خير فيها،وربما يغتر بما يسمعه من الواعظ من فضل حضور المجلس،وفضل البكاء،وربما تدخله رقة كرقة النساء فيبكي ولاعزم،وربما يسمع كلاماً مخوّفاً فلا يزيد على أن يصفق بيديه ويقول:يا سلام سلم!أو نعوذ بالله،أو سبحان الله،ويظن أنه قد أتى بالخير كله وهو مغرور،وإنما مثاله المريض الذي يحضر مجالس الأطباء فيسمع مايجري أو الجائع الذي يحضر عنده من يصف له الأطعمة اللذيذة الشهية ثم ينصرف ،وذلك لا يغني عنه من مرضه وجوعه شيئاً.فكذلك سماع وصف الطاعات دون العمل بها لا يغني من الله شيئاً.فكل وعظ لا يغيّر منك صفة تغييراً يغيّر أفعالك حتى تُقبل على الله تعالى إقبالاً قوياً أو ضعيفاً،وتُعرض عن الدنيا،فذلك الوعظ حجة عليك ،فإذا رأيته وسيلة لك كنت مغروراً”.

ولقد كان السلف الصالح شديد الحذر،وكانوا يقبلون على الطاعات ويقومون بالواجبات وكانوا على حذر وخشية مخافة أن لايقبل منهم.

قال الحسن البصري رحمه الله:

“إني قد أدركت أناساً من صدور هذه الأمة كانوا فيما أحلّ الله لهم أزهد منكم فيما حرّم الله عليكم،وكانوا لحسناتهم ألا تُقبل أخوف منكم لسيئاتكم ألا تُغفر،وكانوا لثواب الآخرة أبصر منكم لمتاع الدنيا بأعينكم،وكانوا عن الدنيا وهي عليهم مقبلة أشدّ إدباراً من إقبالكم عليها وهي عنكم مدبرة”.

3 ـ الغرور بالقرابة والنسب:

هناك العديد من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تحذر من اعتبار عامل القرابة أو النسب لبعض الصالحين أو المقربين يسهل دون الجنة من غير أن يعمل الإنسان ويتقرب إلى الله بصادق الأعمال وعظيم الطاعات.

ومن الآيات الكريمة نذكر:

{ومِنهُم أُمِّيُّونَ لا يعلمونَ الكتابَ إلا أمانيَّ وإن هُم إلا يَظُنُّون}[البقرة78]

{وقالوا لن تَمَسَّنا النَّارُ إلا أيَّاماً معدودة قُلْ أتَّخَذتُم عندَ الله عهداً فلن يُخلفَ الله عهدَهُ أم تقولونَ على الله ما لاتعلمون}[البقرة80]

{قُلْ إن كانت لكُمُ الدَّارُ الآخرةُ عندَ الله خالصةً من دُونِ النَّاسِ فَتَمنَّوا الموتَ إن كُنتُم صادقين}[البقرة94]

{ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يُغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين}[التحريم11].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال في تفسير الآية 11 من سورة التحريم:

“والمأثور في تفسير خيانة امرأة نوح وامرأة لوط،أنها كانت خيانة في الدعوة،وليست خيانة الفاحشة،ام{اة نوح كانت تسخر منه مع الساخرين من قومه،وامرأة لوط كانت تدل القوم على ضيوفه وهي تعلم شأنهم مع ضيوفه.

إن مبدأ التبعة الفردية يراد إبرازه هنا،بعد الأمر بوقاية النفس والأهل من النار.كما يراد أن يقال لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأزواج المؤمنين كذلك:إن عليهم أنفسهن بعد كل شىء.فهن مسؤولات عن ذواتهن،ولن يعفيهن من التبعة أنهم زوجات نبي أو صالح من المسلمين.

وهاهي ذى امرأة نوح.وكذلك امرأة لوط {كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين}…{فخانتاهما}…{فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً}…{وقيل ادخلا النار مع الداخلين}

يقول الأستاذ أبو اقبال محمد أديب صالح رحمه الله(معقباً على الآية من سورة التحريم):

“يريد الله تبارك وتعالى للمؤمنين أن يتعظوا بهذا المثل،فنوح ولوط عليهما السلام وكل منهما نبي مرسل،لم يُغنِ واحد منهما عن زوجته شيئاً،وهي من أقرب الناس إليه،وكانت لكفرها وجحودها من أهل النار،أجل لم يكن في ميزان الله تعالى أن يقال:أدخلوا زوجة نوح وزوجة لوط الجنة على كفرهما لأنهما زوجتا نبيين من الأنبياء،لا ولكن عاقبهما الله على خيانتهما ـ وهي خيانة العقيدة ـ حيث سلكتا سبيل الكفر،مع أن زوجيهما من دعاة الهدى والإيمان.وهكذا ترى التعبير القرآني الذي يحدد المسئولية الفردية في هذا المجال أوضح تحديد ـ فخانتاهما ـ أي في الدين فكفرتا فلم يغنيا عنهما من عذاب الله شيئاً،وقيل ادخلا النار مع الداخلين”.

{ليسَ بأمَانِيِّكُمْ ولا أمانيِّ أهلِ الكِتابِ من يَعمَلْ سُوءاً يُجزَ بهِ ولايَجِدْ لهُ من دُونِ الله وليَّاً ولا نَصيراً}[النساء 123]

قال قتادة:ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا فقال أهل الكتاب:نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم،فنحن أولى بالله منكم.وقال المسلمون:نحن أولى بالله منكم ونبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله.فنزلت الآيات السابقة.

وقال مجاهد:قالت العرب:لن نبعث ولن نعذب.وقالت اليهود والنصارى:لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى.وقالوا:{لن تمسنا النار إلا أيامات معدودات}.والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحليِّ ولا بالتمني ولكن ماوقر في القلب وصدقته الأعمال.

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله نقلاً عن الشيخ محمد عبده رحمه الله(مجلة المنار العدد325 بتاريخ 17 آيار عام 1912):

“يقال في سبب النزول أنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى:{ليسَ بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب}الآية والمعنى بناء على ذلك:ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول منهم كان ديني أفضل وأكمل،وأحق وأثبت ،وإنما عليه إذا كان موقناً به أن يعمل بما يهديه إليه فإنما الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور،فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطاً بأمانيكم في دينكم،ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطاً بأمانيهم في دينهم،فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي،ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام،بل شرعت للعمل والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح لأن قوله تعالى(يعدهم ويمنيهم) في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غروراً بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون أنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة،وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى،وغير ذلك مما يقولون ويدعون،وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات،وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم،فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب،لا بأعمالهم،فحذرنا الله أن نكون مثلهم،وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى في سورة الحديد:{ألَمْ يَأنِ للذينَ آمَنوا أن تخشعَ قلوبُهُم لذكرِ الله ومانزلَ من الحقِّ ولا يكونوا كالذينَ أوتوا الكتابَ من قبل فطالَ عليهم الأمدُ فقستْ قلوبهم وكثيرٌ منهم فاسقون}[الحديد 16]الآية فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك،ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.وقال الحسن البصري”ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ماوقر في القلب وصدّقه العملوقال الحسن:إن قوماً غرّتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.(ملاحظة:المشهور أن الكلام للحسن البصري رحمه الله ولكنه لايثبت مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم)

ثم ذكر الأستاذ الإمام(يعني الشيخ محمد عبده) بعد هذا حال مسلمي هذا العصر في غرورهم وأمانيهم ومدح دينهم وتركهم العمل به وبين أصنافهم في ذلك.ومما قاله:إن كثيراً من الناس يقولون تبعاً لمن قبلهم في أزمنة مضت:إن الإسلام أفضل الأديان،أي دين أصلح إصلاحه؟أي دين أرشد إرشاده؟أي شرع كشرعه في كماله؟ولو سئل الواحد منهم:ماذا فعل الإسلام؟وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟لا يحير جواباً.وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال:أعوذ بالله ،أعوذ بالله.والضال يبقى على ضلاله،والطاعن في الدين يتمادى في طعنه،والمغرور يسترسل في غروره،فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

ويتابع الشيخ رحمه الله:”هذا وأن في هاتين الآيتين (الآية المذكورة والتي تليها)من العبرة الموعظة مايدك صروح الأماني ومعاقل الغرور التي يأوي إليها ويتحصن فيها الكسالى والجهال والفساق من المسلمين الذين جعلوا الدين كالجنسية السياسية وظنوا أن الله العزيز يحابي من يسمي نفسه مسلماً ويفضله على من يسميها يهودياً أو نصرانياً بمجرد اللقب،وأن العبرة بالأسماء والألقاب لا بالعمل والعلم،ومتى يرجع هؤلاء إلى هدي كتابهم الذي يفخرون به،ويبنون قصور أمانيهم على دعوى أتباعه؟وقد نبذوه وراء ظهورهم،وحرموا الاهتداء به على أنفسهم”.

{وإذِ ابتلى إبراهيم َرَبُّهُ بكلماتٍ فأتمَّهُنَّ قال إنِّي جَاعِلُكَ للنَّاسِ إماماً قالَ ومِنْ ذُريَّتي قالَ لاينالُ عهدي الظَّالمينَ}[البقرة124].

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد202 بتاريخ الثاني من نيسان عام 1904):

“قل أتحاجوننا في الله ” بدعواكم الاختصاص بالقرب منه وزعمكم أنكم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى،ومن أين جاءكم هذا القرب والاختصاص بالله دوننا”وهو ربنا وربكم” ورب العالمين فنسبة الجميع إليه واحدة هو الخالق وهم المخلوقون،وهو الرب وهم المربوبون ،وإنما يتفاضلون بالأعمال البدنية والنفسية”ولنا أعمالنا“التي تختص آثارها بنا إن خيراً فخير وإن شراً فشر”ولكم أعمالكم“كذلك وروح الأعمال كلها الإخلاص فهو وحده الذي يجعلها مقربة لصاحبها من الله تعالى ووسيلة لمرضاته”ونحن له مخلصون” من دونكم فأنكم اتكلتم على أنسابكم وأحسابكم،واغتررتم بما كان من صلاح آبائكم وأجدادكم،واتخذتم لكم وسطاء وشفعاء منهم تعتمدون على جاههم،مع انحرافكم عن صراطهم،وما هو إلا التقرب إلى الله تعالى بإحسان الأعمال،مع الإخلاص المبني على صدق الإيمان،وهو ما ندعوكم إليه الآن،فكيف تزعمون أن الإدلاء إلى ذلك السلف الصالح بالنسب والتوسل إليهم بالقول هو الذي ينفع عند الله تعالى وأن الاستقامة على صراطهم المستقيم والتوسل إلى الله تعالى بما كانوا يتوسلون إليه به من صالح الأعمال والإخلاص في القلب لا ينفع ولا يفيد،وما كان سلفكم مرضياً عند الله تعالى إلا به؟هل كان إبراهيم عليه السلام مقرباً من الله تعالى بأبيه آزر المشرك أم كان قربه وفضله بإخلاصه وإسلام قلبه إلى ربه؟فكما جعل الله النبوة في إبراهيم وجعله إماماً للناس في الإسلام والإخلاص جعلها كذلك في محمد صلى الله عليه وسلم فإذا صح لكم إنكار نبوة محمد لأنه لم يكن في سلفه العرب أنبياء فأنكروا نبوة إبراهيم فإن العلة واحدة فكيف لايتحد المعلول؟

ويتابع الشيخ رضا رحمه الله:”وحاصل معنى الآية إبطال معنى شبهة أهل الكتاب أنهم أبناء الله وأحباؤه،وأنه لا ينجو من كان على غير طريقتهم وإن أحسن في عمله وأخلص في قصده،وأنهم هم الناجون الفائزون وإن أساؤا عملاً ونية،لأن أنبياءهم هم الذين ينجونهم ويخلصونهم بجاههم،فالفوز عندهم بعمل سلفهم لا بصلاح ةأنفسهم ولا أعمالهم.وهذا الاعتقاد هدم لدين الله الذي بعث جميع أنبيائه ودرج عليه من اتبع سبيلهم فإن روح الدين الإلهي وملاكه هو التوحيد والإخلاص ،وكل عمل أمر به الدين فإنما الغرض منه إصلاح القلب والعقل بسلامة الاعتقاد وحسن القصد فإذا زال المعنى وحفظت جميع الأعمال الصورية فإنها لا تفيد شيئاً بل إنها تضر بدونه لأنها تشغل الإنسان بما لايفيد وتصده عن المفيد”.

ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله في الآية 124 من سورة البقرة:

“إن الحق تبارك وتعالى ائتمن ابراهيم عليه السلام ليكون إماماً للبشر..والله سبحانه كان يعلم وفاء إبراهيم عليه السلام ولكنه اختبره لنعرف نحن البشر كيف يصطفي الله تعالى عباده المقربين وكيف يكونوا أئمة يتولون قيادة الأمور.استقبل إبراهيم عليه السلام هذه البشرى من الله وقال كما يروي القرآن الكريم:{قال ومن ذريتي}.

ماهي الذرية؟هي النسل الذي يأتي والولد الذي يجيء..لأنه يحب استطراق الخير على أولاده وأحفاده وهذه طبيعة البشر،فهم يعطون ثمرة حركتهم وعملهم في الحياة لأولادهم وأحفادهم وهم مسرورون.

ولذلك أراد إبراهيم عليه السلام أن ينقل الإمامية إلى أولاده وأحفاده…حتى لا يحرموا من القيم الإيمانية تحرس حياتهم وتؤدي بهم إلى نعيم لا يزول..ولكن الله سبحانه وتعالى يرد على إبراهيم بقضية إيمانية ايضاً هي تقريع لليهود…الذين تركوا القيم وعبدوا المادة فيقول جل جلاله:{لا ينالُ عهدي الظالمين}.

فكأن إبراهيم بأعماله قد وصل إلى الإمامية..ولكن هذا لا ينتقل إلا للصالحين من عباده العابدين المسبحين..وقول الحق سبحانه:{لا ينال عهدي الظالمين}مقصود به اليهود الذين باعوا قيمهم الإيمانية بالمادة،وهو استقراء للغيب أنه سيأتي من ذرية إبراهيم من سيفسق ويظلم.

ومن العجائب أن موسى وهارون عليهما السلام كانا رسولين..الرسول الأصيل موسى وهارون جاء ليشد أزره لأنه فصيح اللسان…وشاءت إرادة الله سبحانه أن تستمر الرسالة في ذرية هارون وليس في ذرية موسى..والرسالة ليست ميراثاً”.

ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:

“بعض الناس يغلب عليه الرجاء،ويسير في طريق الشيطان، ويتكل على الشفاعةنكما كان المشركون يتكلون على شفاعة آلهتهم،قال الله:{واتخذوا من دونِ الله آلهةً ليكونوا لهم عِزّاً*كلا سيكفرونَ بعبادتهم ويكونونَ عليهم ضِدّاً}[مريم 81 ـ 82].

وقال تعالى:{فما تنفعهم شفاعةُ الشافعين}[المدثر 48].

وكان كثير من أهل الكتاب ـ أيضاً يظنون أن أنبياءهم،وأحبارهم،ورهبانهم،سيشفعون لهم يوم القيامة،مهما عملوا،والنصارى إلى اليومنيعتقدون أن المسيح سيشفع لهم،لمجرد الإيمان به،ولذلك يسمونه المُخلص،فكل مولود ـ في زعمهم ـ يولد محملاً بخطيئة آدم الأولى،والذي يخلصه هو الإيمان بالمسيح.ولهذا رد القرآن عليهم،حيمنا قالوا:{لن يدخلَ الجنّةَ إلا من كان هُوداً أو نصارى}رد عليهم:{تلكَ أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين*بلى من أسلم وجهه لله وهو مُحسنٌ فلهُ أجرهُ عندَ ربّهِ ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون}[البقرة 111 ـ 112].يستحق الإنسان الجنة بإسلام الوجه لله،وإحسان العمل ،وليس بمجرد العنوان،أن يكون نصرانياً،أو يهودياً، أو مسلما.

ولهذا جاء في سورة النساء:{ليسَ بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يُجزَ بهِ ولا يجد لهُ من دونِ الله ولياً ولا نصيراً*ومن يعمل من الصالحات من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فأولئك يدخلونَ الجنّةَ ولا يُظلمونَ نقيرا}[النساء 123 ـ 124].

ومن الأحاديث النبوية الشريفة حول هذا الموضوع:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت عليه {وأنذِرْ عشيرتكَ الأقربينَ}[الشعراء214]فقال:”يا معشر قريش،اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً،يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئاً،يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً،يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً،يا فاطمة بنت رسول الله سليني ماشئت من مالي،لا أغني عنك من الله شيئا[رواه الشيخان].

ومن بطأ به عمله لم يُسرِع به نسبه[جزء من حديث شريف أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]فمن كان عمله سيئاً فإن نسبه لايفيده ولا يرفعه،ولو كان من أولاد الأنبياء،وأحفاد الأشراف.فينبغي على الإنسان ألا يتكل على شرف النسب،وفضيلة الآباء،ويقصر في العمل.

يقول الشيخ محمد راتب النابلسي حفظه الله:

“الله جل جلاله ربط الدرجات في الآخرة لا على الأنساب،بل على الأعمال،قال تعالى:{فإذا نُفِخَ في الصُّورِ فلا أنسابَ بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون}[المؤمنون101]،وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم[رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه].

أقوال الصحابة والصالحين:

يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه:

“إن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيراً ولا يصرف عنه سوءاً إلا بطاعته واتباع أمره،وأنه لا خير بخير بعده النار،ولا شر بشر بعده الجنة”.

عندما ودع عمر بن الخطاب رضي الله عنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى القادسية قال له:”لا يغرّنك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكنه يمحو السيء بالحسن،وليس بين الله وبين أحد نسب إلا طاعته،فالناس في ذات الله سواء،الله ربهم وهم عباده،يتفاضلون بالعافية ،ويدركون ما عنده بالطاعة،فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند بُعث إلى أن فارقنا يلزمه فالزمه فإنه الأمر.هذه عظتي إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين”.

وقال زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم:

“إن الله خلق الجنة لمن أطاعه ولو كان عبداً حبشياً،وخلق النار لمن عصاه ولو كان حراً قرشياً،وتلا قوله تعالى:{فإذا نُفِخَ في الصُّورِ فلا أنسابَ بينهُم يومئذٍ ولا يتساءلون* فَمَن ثَقُلتْ مَوازينُهُ فأولئكَ هُمُ المفلحون *ومن خَفَّتْ موازينُهُ فأولئك الذين خَسِروا أنفُسَهُمْ في جَهنَّمَ خالدونَ}[المؤمنون 101 ـ 103].

ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي:

“وقد هدمت عقيدة الإسلام ذلك الطمع الأشعبي والأماني الفارغة التي جعلت صنفاً من الناس يحسبون الجنة حكراً لهم أو عقاراً سيتوارثونه عن الأباء والأجداد،يستحقونه بمجرد الانتساب إلى دين معين أو الدخول تحت عنوان خاص.أبطل الإسلام هذه الدعاوى العريضة ورد الأمر كله إلى صدق الإيمان وحسن العمل:{وقالُوا لن يَدخُلَ الجَنَّةَ إلا من كانَ هُوداً أو نصارى تلك أمانِيُّهُم قُلْ هَاتوا بُرهانَكُمْ إن كنتم صادقين *بلى من أسلمَ وجهَهُ لله وهُوَ مُحسِنٌ فلَهُ أجرُهُ عندَ رَبِّهِ ولاخوفٌ عليهمْ ولاهُم يحزنون}[ البقرة111 ـ 112]وبهذا رسم الطريق إلى الجنة”إسلام الوجه وإحسان العمل”،ولم يكن هذا موقفه من اليهود والنصارى فحسب،فلقد وقف نفس الموقف من الأشعبيين من المسلمين أنفسهم،أولئك الحمقى الذين يتبعون أنفسهم هواها ويتمنون على الله الأماني،ويظنون أن النطق بكلمة الإسلام والتسمي بأسماء المسلمين يكفي ليفتح لهم أبواب الجنة فيدخلوها بسلام آمنين،ولكن القرآن بيّن لهم أن قانون الله في الجزاء عام لعباده قاطبة لا محاباة عنده ولافرق بين طائفة وطائفة:{ليسَ بأمانِيِّكُم ولا أمانيِّ أهلِ الكتابِ مَنْ يَعملْ سُوءاً يُجزَ بهِ ولايجِدْ لهُ مِن دُونِ الله وليَّاً ولا نصيراً *ومن يَعملْ من الصَّالحاتِ من ذَكَرٍ أو أنثى وهُوَ مُؤمنٌ فأولئكَ يدخُلُونَ الجنَّةَ ولا يُظلمونَ نقيرا}[النساء 123 ـ 124].

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم}،وهنا يقرر قاعدة من قواعد التصور ألإسلامي في ترتيب الجزاء على العمل بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد.إنما هو الإسلام والإحسان،لا الإسم والعنوان.إنها قاعدة واحدة بطرفيها في العقوبة والمثوبة،طرفيها المتقابلين:”من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته”فهو حبيس هذه الخطيئة المحيطة،في معزل عن كل شيء وعن كل شعور وعن كل وجهة إلا وجهة الخطيئة المحيطة”.

التحذير من طول الأمل:

الآيات الكريمة:

{ولَأُضِلَّنَّهُمْ ولأُمنّيِنَّهُم ولأَمُرَنَّهُم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذان الأنعام}[النساء 119]،{يَعِدُهُمْ ويُمَنيِّهِمْ وما يَعدُهُم الشَّيطانُ إلا غرورا}[النساء120]

يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله:

“وهذا يعني أن الشيطان يقدم الوعود الكاذبة لمواليه ويخبرهم بشيء يسرهم،فالوعد هو أن يخبر أحد آخر بشيء يسرّه أن يوجد.

والمثال على ذلك نراه في الحياة العادية فالإنسان منا يحب ماله الذي قد جاء بالتعب،والصدقة في ظاهر الأمر تنقص المال،فيقول الحق تبارك وتعالى:{الشيطان يعدكم الفقر}[البقرة 268].

لماذا؟ لأن الشيطان يوسوس في صدر صاحب المال قائلاً:إنك عندما تتصدق ببعض المال فمالك ينقص.وويل لمن يرضخ لوساوس الشيطان،لأنه يورده موارد التهلكة،والشيطان أيضاً يقدم الأماني الكاذبة في الوساوس:(ويمنيهم).ومثال ذلك ماجاء على لسان المتفاخر على أخيه بلون من الاستهزاء والعياذ بالله: {وما أظنُّ الساعة قائمةً ولئن رُدِدتُ إلى ربي لأجدنَّ خيراً منها منقلباً}[الكهف 36].

المتفاخر يقول:مادام الله قد أعطاني في الدنيا،وما دامت مهمة الله هي العطاء الدائم فلابد أن يعطيني ربي في الآخرة أضعاف مافي الدنيا،ذلك أن سعيد الدنيا هو سعيد في الآخرة،فماذا كان جزاؤه؟

لقد رأى اتهيار زراعته وعرف سوء مصير الغرور،لأنه استجاب لوعود الشيطان،ووعود الشيطان ليست إلا غرورا{ومايعدهم الشيطان إلا غرورا}.

فماهو الغرور؟هناك غُرور ـ بضم الغين ـ وغَرور ـ بفتح الغين ـ والغرور بضم الغين هو الشيء يُصوّر لك على أنه حقيقة وهو في الواقع وهم.والغَرور بفتح الغين هو من يفعل هذه العملية،ولذلك فالغَرور بفتح الغين هو الشيطان،لأنه يزين للإنسان الأمر الوهمي،ويؤثر مثلما يؤثر السراب،فالإنسان حين يرى انكسار الأشعة يخيل إليه أنه يرى ماء،ويقول الحق عن ذلك:{كَسَرابٍ بِقِعةٍ يحسبهُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءهُ لم يجدهُ شيئاً}[النور 39].

وكذلك الغُرور،حيث يزين الشيطان للإنسان ويوهمه أنه سيستمتع به.فإذا ذهب الإنسان إليه فلن يجد له حقيقة،بل العكس،ولذلك يفصل لنا الحق أعمال الكفار فيقول عنها:{والذينَ كفروا أعمالُهُم كَسرابٍ بِقِعةٍ يحسبهُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءَهُ لم يجدهُ شيئاً ووجدَ الله عندَهُ فوفَّاهُ حسابهُ والله سريع الحساب}[النور 39].

الأحاديث النبوية:

الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت،والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني[حديث ضعيف كما جاء في ضعيف الجامع للألباني،وكما قال الإمام السخاوي،وقد جاء في مسند أحمد والمستدرك وابن ماجة والترمذي عن  أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه].

أربع من الشقاء:جمود العين،وقساوة القلب ،وطول الأمل ،والحرص على الدنيا”[حديث مرفوع عن أنس بن مالك،وقال عنه الشيخ الألباني حديث ضعيف]

سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس خير؟قال:من طال عمره وحسن عمله.قيل:فأي الناس شر؟قال:من طال عمره وساء عمله.[رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وكذلك أحمد والدارمي والطبراني والحاكم والبيهقي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه]

وقال صلى الله عليه وسلم:”إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على  معاصيه مايحبُّ فإنما هو استدراج، ثم تلا قوله تعالى:{فلمَّا نَسُوا ماذُكِّروا به فَتحنا عليهمْ أبوابَ كُلِ شيءٍ حتى إذا فَرِحُوا بما أُوتُوا أخذناهُمْ بغتةً فإذا هُم مبلسون”[الآية 44 من سورة الأنعام].[رواه أحمد في المسند عن عقبة بن عامررضي الله عنه،وصححه الألباني].

أقوال السلف الصالح:

قال أحد التابعين:”بغت القوم أمر الله،وما أخذ الله قوماً إلا عند سكرتهم وغرتهم فلا تغتروا بالله فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون ومصداقه قوله تعالى:{أَفَأمِنَ أهلُ القُرى أن يأتِيَهُمْ بأسُنَا بياتاً وهم نائمون *أو أمِنَ أهلُ القرى أن يأتِيَهُم بأسُنَا ضحىً وهُم يلعبون* افأمِنُوا مكرَ الله فلا يأمنُ مَكرَ الله إلا القومُ الخاسرونَ}[الأعراف97 ـ 99].

وفي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل :ما الكبائر؟ فقال:”الشرك بالله، والإياس من روح الله والأمن من مكر الله،وهذا أكبر الكبائر”.[قال المحدثون هو حديث مقطوع عن سفيان بن عيينة رحمه الله]

وجاء عن بعض السلف قوله:”من الأمن من مكر الله إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة”.

وقال لقمان لابنه:”يا بني ارج الله رجاء لا تأمن مكره،وخف الله مخافة لا تيأس فيها من رحمته.قال ابنه:وكيف أستطيع ذلك يا أبت وإنما لي قلب واحد؟قال يابني:إن المؤمن لذو قلبين:قلب يرجو،وقلب يخاف به”.

وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:”إنكم في مَهل،ومن ورائه أجل،فبادروا في مَهلِ آجالكم قبل أن تتقطع آمالكم،فتردكم إلى سوء أعمالكم”.

وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:

“ثم اعلموا عباد الله،أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غُيّب عنكم علمه فإن استطعتم أن تنقض الآجال وأنتم في عمل لله فافعلوا،ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله فابقوا في مهل آجالكم،قبل أن تنقض آجالكم فيردكم إلى أسوأ أعمالكم،فإن أقواماً جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم،فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم.النجاء..النجاء”.

وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:”الموت أهوّن مما بعده،وأشدّ مما قبله”.

وقال علي بن أبي طالب لعمر الفاروق رضي الله عنهما:”يا أمير المؤمنين،إن سرّكَ أن تلحق بصاحبيك فأقصِر الأمل ،وكُلْ دون الشبع،وأقصِر الإزار،وارفع القميص،واخصف النعل تلحق بهما”.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:”من جرى في عنان أملهِ عَثرَ بأجله”.

وقال أيضاً:”إياك والاتكال على المنى،فإنها بضائع الموتى”.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:”إن أخوف ما أخاف عليكماتباع الهوى وطول الأمل،فأما اتباع الهوى فصدّ عن الحق،وأما طول الأمل فيُنسي الآخرة،ألا وإن الدنيا ارتحلت مدبرة،وارتحلت الآخرة مقبلة،ولكل واحدة منهما بنون،فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا،فإن اليوم عمل ولا حساب،وغداً حساب ولا عمل”.

وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه(عيون الأخبار  ـ ابن قتيبة ـ كتاب العلم والبيان والعقد الفريد لابن عبد ربه ج4 ص136):

“أما بعد،فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع،وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطّلاع،وإن المضمار اليوم و السباق غداً،إلا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل،فمن أخلص في أيام أمله قبل حضور أجله،نفعه عمله ولم يضره أمله،ومن قصّر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله، وضرّه أمله، ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة،ألا وإني لم أرَ كالجنة نامَ طالبها،ولم أرَ كالنار نامَ هاربُها،إلا وإنه من لم ينفعه الحقّ ضرّه الباطل ،ومن لم يستقم به الهدى جارَ به الضلال،إلا وإنكم قد أُمرتم بالظعن ودُللتم على الزاد،وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباعُ الهوى وطول الأمل”.

وقال الإمام علي رضي الله عنه:”يا ابن آدم إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره”.

وقال الإمام علي رضي الله عنه:

“لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل،ويؤخر التوبة لطول الأمل،ويقول في الدنيا بقول الزاهدين،ويعمل فيها بعمل الراغبين،إن أُعطي منها لم يشبع،وإن مُنعَ لم يقنع،يعجز عن شكرِ ما أُوتي،ويبتغي الزيادة فيما بقي،ينهى ولا ينتهي،ويأمرُ بما لا يأتي،يحب الصالحين ولا يعمل أعمالهم،ويُبغض المسيئين وهو منهم،يكره الموت لكثرة ذنوبه،ويُقيم على ما يكره الموت له،إن سَقِم ظلّ نادما،وإن صحّ أمِنَ لاهياً،يُعجَبُ بنفسه إذا عُوفينويقنط إذا أُبتلي،تغلِبهُ نفسهُ على ما يُظن ولا يغلبها على ما يستيقن،ولا يثق من الرزق بما ضُمن له ،ولا يعمل من العمل بما فُرِض عليه،إن استغنى بطِر وفُتن،وإن افتقر قنط وحزن،فهو من الذنب والنعمة مُوقر،يبتغي الزيادة ولا يشكر،يتكلّف من الناس مالم يؤمر،ويُضيع من نفسه ما هو أكثر،ويبالغ إذا سأل ،ويُقصّر إذا عمل،يخشى الموت،ولا يُبادرُ الفَوت،يستكثر من معصية غيره ما يستقلُّ أكثرهُ من نفسه”.

الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:

“إن الدنيا ليست بدار قرار،دار كتب الله عليها الفناء،وكتب على أهلها الظعن،فكم عامر موثق،عما قليل مخرّب،وكم مقيم مغتبط،عما قليل يظعن،فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة بأحسن ما يحضركم من النقلة،وتزودوا فإن خير الزاد التقوى،إنما الدنيا كفيء ظلال قلص فذهب،بينا ابن آدم في الدنيا ينافس فيها وبها قرير العين إذ دعاه الله بقدره ورماه بيوم حتفه فسلبه دنياه،إن الدنيا لا تسر بقدر ما تضر،إنها تسر قليلاً وتجرُّ حزناً طويلاً”.

وقال أيضاً رضي الله عنه(العقد الفريد ج4 ص175):

“وإن لكل سفر زاداً لا محالة،فتزودوا من دنياكم لآخرتكم بالتقوى،وكونوا كمن عاين ما أعدّ الله له من ثوابه وعقابه،فَرِهبوا ورغبوا،ولا يطولن عليكم الأمد،فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوكم،فإنه ما بُسط  أمل من لايدري لعله لا يصبح بعد إمسائه أو يمسي بعد إصباحه،وربما كانت بين ذلك خطرات المنايا وإنما يطمئن إلى الدنيا من أمِن عواقبها،فإن من يُداوي من الدنيا كلما اصابته جراحة من ناحية أخرى فكيف يطمئن إليها.

وفي مراجع أخرى يتابع:”فإعوذ بالله أن أمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي وتظهر عيبتي وتبدو مسكنتي في يوم يبدد فيه الغنى والفقر،والموازين منصوبة،ولقد عنيتم بأمر لو عنيت به النجوم لانكدرت،ولو عنيت به الجبال لذابت،ولو عنيت به الأرض لتشققت،أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة،وإنكم صائرون إلى إحداها”.

عبد الله بن مسعود رحمه الله:”أربعةٌ من ظلمة القلب:بطنٌ شبعان من غير مبالاة،وصحبة الظالمين ،ونسيان الذنوب الماضية،وطول الأمل.وأربعةٌ من نور القلب:بطنٌ جائعٌ من حَذَر(من غير ضرر)،وصحبة الصالحين،وحفظ الذنوب الماضية(لإصلاحها)وقصر الأمل”.

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه:”أضحكني ثلاث وابكاني ثلاث:أضحكني مؤمل الدنيا والموت يطلبه،وغافلٌ ولا يُغفل عنه،وضاحكٌ ملء فيه ولا يدري أساخطٌ ربه أم راض.وأبكاني هوّل المطلع(ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت)،وانقطاع العمل،وموقفي بين يدي الله لا يُدرى أيأمر بي إلى الجنة أم النار”.

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله(كتاب الفوائد):

“يا مغروراً بالأماني:لعن إبليس وأُهبط من منزل العز بترك سجدة واحدة أمر بها.وأخرج آدم من الجنة بلقمة تناولها.وحجب القاتل عنها (أي الجنة) بعد أن رآها عياناً بملء كف من دم.وأمر بقتل الزاني أشنع القتلات بإيلاج قدر الأنملة فيما لا يحل.وأمر بإيساع الظهر سياطاً (أي بالجلد) بكلمة قذف أو بقطرة من مسكر.وأبان عضواً من أعضائك بثلاثة دراهم(أي قطع يد السرق بثلاثة دراهم يسرقها( فلا تأمنه أن يحبسك في النار بمعصية واحدة من معاصيه{ولا يخاف عُقباها}[الشمس 15].

دخلت امرأة النار في هرة.وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالأً يهوى بها في النار أبعد مابين المشرق والمغرب،وإن الرجل ليعمل بطاعة الله ستين سنة،فإذا كان عند الموت جار في الوصية فيختم له بسوء عمله فيدخل النار.العمر بآخره والعمل بخاتمته.

من أحدث قبل السلام بطل ما مضى من صلاته،ومن أفطر قبل غروب الشمس ذهب صيامه ضائعاً،ومن أساء في آخر عمره لقى ربه بذلك الوجه.لو قدمت لقمة وجدتها ولكن يؤذيك الشره.

كم جاء الثواب يسعى إليك فوقف بالباب فرده بواب”سوف ولعل وعسى”كيف الفلاح بين لإيمان ناقص،وأمل زائد،ومرض لا طيب له ولا عائد،وهوى مستيقظ،وعقل راقد،ساهياً في غمرته،عمهاً في سكرته،سابحاً في لجة جهله مستوحشاً من ربه،مستأنساً بخلقه،ذكر الناس فاكهته وقوته،وذكر الله حسبه وموته،لله منه جزء يسير من ظاهره،وقلبه ويقينه لغيره”.

وقال الخليفة هارون الرشيد(العقد الفريد ج2 ص166):

“وإياكم والأماني،فقد غرّت وأوردت وأوبقت كثيراً حتى أكذبتهم مناياهم فتناوشوا التوبة من مكان بعيد،وحيل بينهم وبين ما يشتهون”.

وقال الخليفة المأمون العباسي(عيون الأخبار ـ ابن قتيبة):

“فاتقى عبدٌ ربّه ،ونصحَ نفسه،وقدّم توبته،وغلب شهوته،فإن أجله مستورٌ عنه،وأملهُ خادعٌ له،والشيطانُ مُوّكلٌ به،يُزيّنُ له المعصية ليركبها،ويُميّه التوبة ليُسوّفها،حتى تهجم عليه منيّته أغفلَ مايكون عنها،فيالها حسرةٌ على ذي غفلة:أن يكون عمره عليه حُجةًنأو تؤديه أيامه إلى شقوةٍ”.

وقال سيد التابعين الحسن البصري رحمه الله:

“هيهات، هيهات! أهلك الناس الأماني:قول بلا عمل،ومعرفة بغير صبر،وإيمان بلا يقين.مالي أرى رجالاً ولا أرى عقولاً!وأسمع حسيساً ولا أرى أنيساً!دخل القوم والله ثم خرجوا،وعرفوا ثم أنكروا،وحرّموا ثم استحلوا.إنما دينُ أحدكم لعقة على لسانه ،إذا سئل أمؤمن أنت بيوم الحساب قال:نعم!كذب ومالك يوم الدين.إن من أخلاق المؤمن قوّة في دين،وإيماناً في يقين،وعلماً في حلم،وحلماً بعلم،وكيّساً في رفق،وتحملاً في فاقة،وقصداً في غنى،وشفقة في نفقة،ورحمة لمجهود،وعطاء في الحقوق،وإنصافاً في الاستقامة،لايحيف على من يبغض،ولا يأثم في مساعدة من يحب،لايهمز ولايغمز ولايلمز،ولا يلغو ولا يلهو ولا يلعب،ولا يمشي بالنميمة،ولا يتتبع ماليس له،ولا يجحد الحق الذي عليه،ولا يتجاوز في العذر،ولا يشمت بالفجيعة إن حلّت بغيره،ولا يسر بالمعصية إذا نزلت بسواه.المؤمن في الصلاة خاشع،وإلى الركوع مسارع،قوله شفاء،وصبره تقى،وسكوته فكرة،ونظره عبرة،يُخالط العلماء ليعلم،ويسكت بينهم ليسلم،ويتكلم ليغنم،إن أحسن استبشر،وإن أساء استغفر،وإن عُتب استعتب،وإن سفه عليه حلم ،وإن ظلم صبر،ولإن جير عليه عدل،ولا يتعوذ بغير الله،ولا يستعين إلا بالله.وقور في الملأ،شكور في الخلاء،قانع بالرزق،حامد على الضار،صابر على البلاء،إن جلس مع الغافلين كتب من الذاكرين،وإن جلس مع الذاكرين كتب مع المستغفرين.هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،الأول فالأول حتى لحقوا بالله عز وجل،وهكذا كان المسلمون من سلفكم الصالح،وإنما غيّر بكم لما غيّرتم ثم تلا قوله تعالى:{إنَّ اللهَ لايُغيِّرُ مابقومٍ حتَّى يُغيِّروا ما بأنفُسِهم}[الرعد11].

وقال الحسن البصري رحمه الله:”من أراد الدنيا واختارها على الآخرة عاقبه الله بست عقوبات:ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة،أما الثلاث التي هي في الدنيا:فأمل ليس له منتهى،وحرص غالب ليس له قناعة،واُخذ منه حلاوة العبادة،وأما الثلاث التي هي في الأخرة:فهولٌ يوم القيامة،والحساب الشديد،والحسرة الطويلة”.

وقال الحسن البصري:”فساد القلوب عن ستة أشياء:أولها يذنبون برجاء التوبة،ويتعلمون العلم ولا يعملون به،وإذا عملوا لا يخلصون،ويأكلون من رزق الله ولا يشكرون،ولا يرضون بقسمة الله،ويدفنون موتاهم ولا يعتبرون”.

وقال الحسن البصري:”ابن آدم ! إنما أنت أيام،كلما ذهب يوم ذهب بعضك”.

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري:عظني .فكتب إليه،أما بعد،فلو كان لك عمر نوح وملك سليمان ويقين إبراهيم وحكمة لقمان عليهم السلام فإن من وراءك عقبة وهي الموت،ومن ورائها داران،إن أخطأتك هذه صرت إلى هذه والسلام”.

وقال سفيان الثوري رحمه الله:”لا يجتمع في هذا الزمان لأحدٍ مال إلا وعنده خمس خصال:طول الأمل،وحرصٌ غالب،وشح شديد،وقلة الورع،ونسيان الآخرة”.

وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:”والله ما اجتمع لأحد أمله،إلا وسعى في تفريقه أجله،وعقارب المنايا تلسع الناس،وخدران جسم الأمل يمنع الإحساس”.

وقال ابن الجوزي:”يا منفقاً بضاعة العمر في مخالفة حبيبه والبعد عنه،ليس في أعدائك أشدّ عليك منك”.

وقال ذو النون المصري:”علامة الشقاء ثلاث:متى زيد في عمره،زيد في حرصه،ومتى زيد في ماله زيد في بخله،ومتى زيد في قدره زيد في تجبره وقهره وتكبره”.

وقال سعيد بن جبير:” من الاغترار بالله  المقام على الذنب ورجاء الغفران”.

وقال أبو حازم(البيان والتبيين للجاحظ):

“الدنيا غرّت أقواماً فعملوا فيها بغير الحق،فلما جاءهم الموت خلفوا مالهم لمن لا يحمدهم،وصاروا إلى من لا يعذرهم،وقد خلقنا بعدهم،فينبغي أن ننظر إلى الذي كرهناه منهم فنجتنبه وإلى الذي غبطناهم به فنستعمله”.

وقال يحيى بن معاذ:”المؤمن لا يكون حسوداً ولا حقوداً ولا متكبراً ولا لامعجباً ولا راغباً في الدنيا ولا طويل الأمل،ولا كثير النوم والغفلة”.

وقال داود الطائي:”من خاف الوعيد قصر عليه البعيد،ومن طال أمله ضعف عمله ،وكل ما هو آت قريب”.

وقال إبراهيم بن أدهم:”من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل ،ومن أطلق بصره طال أسفه،ومن أطلق أمله ساء عمله ،ومن أطلق لسانه قتل نفسه”.

وقال بلال بن سعد:”أربع خصال جاريات عليكم من الرحمن مع ظلمكم أنفسكم وخطاياكم:أما رزقه فدار عليكم،وأما رحمته فغير محجوبة عنكم،وأما ستره فأسبغ عليكم،وأما عقابه فلم يعجل لكم.ثم أنتم على ذلك لاهون،تجترئون على إلهكم،أنتم تكلمون،ويوشك الله تعالى يتكلم وتسكتون،ثم يثور من أعمالكم دخان تسود منه الوجوه{واتَّقُوا يوماً تُرجَعُونَ فيهِ إلى الله ثم تُوفَّى كُلُّ نفسٍ ماكَسبتْ وهُم لايُظلمون}[البقرة 281].

وقال عون بن عبد الله:”ما أنزل الموت كنه منزلته من عدّ غداً من أجله،كم من مستقبلٍ يوماً لا يستكمله،وكم من مؤمل لغد لا يدركه،إنكم لو رأيتم الأجل ومسيره لبغضتم الأمل وغروره”.

وجاء في أطواق الذهب للزمخشري(المقالة التسعون):

“قِصرُ أجلٍ،وطولُ أملٍ،وتقصيرٌ في عمل.شدَّ ما أقفلَ السّهوُ قلوبَ القوم،وخاطَ عيونهم كرى النوم،فجفوا عن النظر والاعتبار،وزلُّوا عن الإبصار والاستبصار”.

وقال مصطفى السباعي رحمه الله:”لا يجزع من الموت إلا من ساء عمله وطال أمله ،ولا يخشى من الفقر إلا من ساء بالله ظنه وتقاعست عن السعي عزيمته”.

العلاج:

1 ـ المؤمن بين الرجاء والخوف

يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله:

“على المؤمن أن يكون بين الخوف من عقاب الله والرجاء لعفوه،يذكر أن الله سريع الحساب،وأنه شديد العقاب فيغلب عليه الخوف،ويذكر أنه عفو رحيم وأنه أرحم الراحمين فيغلب عليه الرجاء،فإن ملأ قلبه الخوف وحده يكون قد يئس من رحمة الله{إنَّهُ لا ييأسُ من رَّوحِ الله إلا القومُ الكافرون}[يوسف87]وإن ملأ قلبه الرجاء وحده يكون قد أمن مكر الله{فلا يَأمَنُ مَكْرَ الله إلا القومُ الخاسرونَ}[الأعراف99]،والمؤمن ينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء إذا وقف في الصلاة فقال الرحمن الرحيم استشعر الرجاء به،وإن قال مالك يوم الدين أحسّ الخوف.وأكثر المسلمين اليوم غلبوا الرجاء على الخوف والأمل بالعفو على توقي العقاب”.

ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(في رحاب سورة الحجر ـ فتح باب الرجاء والأمل):

“يقول تعالى:{نَبّىءْ عبادي أنّي أنا الغفورُ الرحيم}[الحجر49]،وبهذا يرجي الناس،ويفتح لهم باب الرجاء والأمل ،حتى لا ييأسوا من رَوح الله: {ولا تيئسوا من رَوح الله إنه لا ييئس من رَّوح الله إلا القومُ الكافرون}[يوسف 87]،ولا يقنطوا من رحمة الله:{لا تقنطوا من رحمة الله إنَّ الله يغفر الذنوبَ جميعاَ إنه هو الغفور الرحيم}[الزمر 53]،{ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون}[الحجر56].

فهذا هو الرجاء،ثم يأتي بعد ذلك الخوف،ليجتمع الرجاء والخوف:{نبىء عبادي أنّي أنا الغفور الرحيم*وأنَّ عذابي هو العذابُ الأليم}[الحجر 49 ـ 50].لا يغرنكم مغفرتي ورحمتي،فتتكلوا عليها،وتفعلوا ما فعل اليهود الذين قال الله عنهم:{فَخلفَ مِن بَعدهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكتابَ يَأخذونَ عَرَضَ هذا الأدنى ويقولونِ سَيُغفرُ لنا وإن يأتِهِمْ عَرَضٌ مثلُهُ يأخذوه}[الأعراف169]،لاتتكلوا على المغفرة،لابد أن تخافوا أيضاً من بطشي ومن عذابي.

وعذاب الله ليس عذاباً هيّناً:{وأنَّ عذابي هوَ العذابُ الأليم}،فانظر إلى هذه المؤكّدات:”إنّ”وإضافة العذاب إلى الله عز وجل”عذابي”وضمير الفصل:”هو”،ووصف العذاب بأنه”العذاب الأليم”،أي المؤلم الموجع.فكل هذه مؤكّدات تدل على شدة العذاب.

ويتابع الشيخ القرضاوي حفظه الله:”ولكن نجد فرقاً بين الصفتين،الأولى:{نبىء عبادي أنّي أنا الغفورُ الرحيمُ}،فجعل المغفرة والرحمة من أسمائه وصفاته،أنا الغفور الرحيم ،ولم يقل هنا:وأني أنا المُعذّب.لا يوجد من أسمائه الحسنى:المُعذب.

فهناك ذَكر الأسماء،وهنا ذكر الأفعال،”وأنّ عذابي”،فالعذاب من أفعاله،والمغفرة والرحمة من أسمائه وصفاته،وفرق بين الفعل وبين الاسم والصفة.

وأنّ عذابي هو العذاب الأليم“،وهذا يدلنا على أنّ الرجاء اغلب،وأنّ رحمة الله أثبت،فقد سبق قوله:{أنّي أنا الغفور الرحيم}على قوله:{وأنَّ عذابي هو العذاب الأليم}،وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لماقضى الله الخلق،كتب في كتاب ،فهو عنده فوق العرش:إنَّ رحمتي غلبت غضبي[متفق عليه رواه الشيخان وأحمد والنسائي].

وبهذا علينا أن نخاف عذاب الله ،ونخشى عذابه،كما نرجو رحمته،ونطمع في جنته،كما وصف الله بعض عباده الصالحين،فقال:{يرجون رحمته ويخافون عذابه}[الإسراء57]،وكما وصف الإنسان المؤمن فقال:{أم مَّن هوَ قانتٌ آناءَ الليل ساجداً وقائماً يحذرُ الآخرةَ ويرجو رحمة ربه}[الزمر9]،يحذر من ناحية،ويرجو من ناحية أخرى،وبذلك يكون الإنسان في حالة توازن بين الرجاء والخوف،فلا يغلب عليه الرجاء حتى يأمن مكر الله:{فلا يأمن مكرَ الله إلا القومُ الخاسرون}[الأعراف 99]،ولا يغلب عليه الخوف حتى ييأس من رَوح الله{إنّهُ لا ييئسُ من رَوحِ الله إلا القوم الكافرون}[يوسف89]،وإنما يكون دائماً بين الخوف والرجاء،وهذا شأن المؤمن”.

يقول الشيخ عبد الله خياط:

“آيتان من كتاب الله تجمع بين الخوف والرجاء لتشعر بضرورة تلازمهما وعدم انفراد أحدها عن الآخربالنسبة للمسلم في كل حالاته،الخوف من ربّ العزة وسخطه وأليم عقابه،والرجاء في الرب الرحيم في رحمته وعفوه وفيض نفحاته:{وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مغفرةٍ للنَّاسِ على ظُلمِهِم وإنَّ رَبَّكَ لَشديدُ العقابِ}[الرعد6]،{نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم* وأن عذابي هو العذاب الأليم}.[الحجر 49 ـ 50].

فوعد سبحانه بالمغفرة والصفح الجميل عن المذنبين،ثم أخبر سبحانه وتعالى أنه شديد العقاب في انتقامه من الظالمين ،وقرن بين الخوف والرجاء ليكون العبد على الدوام خائفاً راجياً يعمل المأمور بقدر المستطاع ويتجنب المحظور قياماً بطاعة الله وأملاً في ثوابه.

ويقول داود الطائي رحمه الله:”مايعول إلا على حسن الظن ،فأما التفريط فهو المستولي على الأبدان.ويقول أيضاً:”اليأس سبيل أعمالنا هذه،ولكن القلوب تحن إلى الرجاء”.

أما الرجاء في المغفرة مع عدم الخوف من الذنب والتمادي في المعصية فذلك سبيل المغرورين الذين خدعهم الشيطان بأمانيه وغروره،فأضحوا من الهالكين:{ولقد أرسلنَا إلى أُمَمٍ من قَبلِكَ فأخذنَاهُم بالبأساءِ والضَّرّاءِ لعلَّهُم يَتضرَّعون* فلولا إذ جاءَهُم بأسُنَا تَضرَّعوا ولَكِنْ قَستْ قُلوبُهُمْ وزَيَّنَ لهُمُ الشَّيطانُ ما كانُوا يعملون *فلمَّا نَسُوا ماذُكِّروا بهِ فَتحنا عَليهمْ أبوابَ كُلَ شيءٍ حتَّى إذا فَرِحُوا بما أُوتُوا أخذنَاهُم بغتةً فإذا هم مُبلسون}.[الأنعام 42 ـ 44].

2ـ الإيمان قول وعمل

يقول سيد التابعين الحسن البصري رحمه الله:

“إن المؤمنين لما جاءتهم هذه الدعوة من الله صدقوا بها،وأفضى يقينها إلى قلوبهم ،خشعت لله قلوبهم وأبدانهم وأبصارهم ،كنت والله إذا رأيتهم رأيت قوماً كأنهم رأي عين ،والله ما كانوا بأهل جدل ولا باطل،ولكنهم جاءهم أمر من عند الله فصدقوا به،فنعتهم الله في القرآن أحسن نعت فقال:{وعِبادُ الرَّحمنِ الذينَ يَمشُونَ على الأرضِ هَوناً وإذا خَاطَبَهُمُ الجاهلونَ قالوا سلاماً}[الفرقان63]والهون:في كلام العرب:اللين والسكينة والوقار{والذينَ يَبيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وقياما* والذين يقولونَ رّبَّنا اصرِفْ عنَّا عذابَ جَهنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غراماً* إنَّها ساءتْ مُستقرَّاً ومُقاما}[الفرقان64 ـ 66],.صدق القوم والله الذي لا إله إلا هو فعملوا،وأنتم تتمنون،وإياكم وهذي الأماني رحمكم الله فإن الله لم يُعط عبداً بأمنيته خيراً في الدنيا والآخرة”.

والأماني (دائرة المعارف الإسلامية سفير)جمع أمنية،وتستعمل بمعنى الرغبة،والبُغية،والغرض،فهي انعكاس لحاجة الإنسان،سواءٌ توجهت إلى مقصد ممكن أو محال،من حيث حكم العقل أو العادة.ويقال:”أمانيٌّ”و”أمانٍ”.

يقول الدكتور حسن هويدي رحمه الله:

“والأماني بدون عمل صالح أي بدون الخضوع لمبدأ المقابلة(التكليف والجزاء،والثواب والعقاب،والجنة والنار)الذي فطر الله عليها الكون والذي يعني مبدأ العدالة لا تأتي بشيء:{ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يُجزَ به}[النساء 123]،وأساس البناء فهو لا ريب على أساس التقابل الذي يستمد وجوده من العدل الإلهي فلاثواب بلا عمل صالح(ورأسه الإيمان){أما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى}[الكهف88]ولاعذاب بلا معصية{ذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون}[السجدة14]،{مايفعل الله بعذابكم إن شكرتم وأمنتم}[النساء147]”.

ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(جدد حياتك ص172):

“سألني بعضهم:أ ليس مصيرنا الجنة نحن المسلمين مصداق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من قال لا إله إلا الله دخل الجنة[رواه البخاري].فنظرت إليه وقدّرت المسافة بين عمله وأمله فوجدتها بعيدة بعيدة.ورأيتُ أنه لا يحفظ من الإسلام إلا ما يظنُّه عوناً على كسله.كالمتسول الذي تغيب عن ذهنه آيات القرآن كلها،فلا يعي منها إلا آية واحدة:{من جاء بالحسنة فلهُ عشرُ أمثالها}[الأنعام 160]،فهو يقرأ الآية ليستدرّ بها الأكفّ ويجمع المال.قلت:ألا تعرف من سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث وحده؟

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب ما رويت يقول:”لايدخل الجنة قتَّات[رواه البخاري]ويقول:”لا يدخل الجنّة قاطع رحم[رواه البخاري]ويقول:”لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كِبر[رواه الترمذي]،ويقول:”ليس منّا من غشَّنا[رواه مسلم]ويقول:”ليس منّا من لطم الخدود،وشقَّ الجيوب،ودعا بدعوى الجاهلية[رواه الترمذي]،ويقول:”ليس منّا من خبَّب ـ أي أفسد ـ امرأة على زوجها“[رواه المنذري]،ويقول:”ليس منّا من لم يوقِّر كبيرنا،ويرحم صغيرنا،ويعرف لعالمنا حقه[رواه الترمذي].

أفنسيت هذه السنن كلّها لأنها تدلك على ما ارتبط بعنقك من واجبات،ولم تعِ إلا ماحسبته حقاً لك وهو الجنة،فأنت تطلبه بلا ثمن؟!”.

ويقول الشيخ الغزالي رحمه الله أيضاً(عقيدة المسلم ص136):

“ومن الناس من وقع على نصوص لم يفهمها،وحاول أن يشغب بها على القواعد المقررة.

وكم تدور على ألسنة العامة أحاديث شتى.

مثل ما رواه أنس رضي الله عنه:أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل قال:”يا معاذ،قال:لبيك يا رسول الله وسعديك،ثلاثاً.قال:مامن أحدٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صِدقاً من قلبه إلا حرّمهُ الله على النار.قال:يا رسول الله أفلا أُخبرُ به الناس فيستبشروا؟قال:إذن يتَّكلوا!”[رواه مسلم]

وأخبر بها مُعاذٌ عند موته تأثماً.

بهذا الحديث وأمثاله،تتعلق العامة في نقض بناء الإسلام وهدم أركانه والتهوين من خطر العمل وآثاره،وهو تعلق باطل مردود.

قال الحافظ المنذري:”ذهب طوائف من أساطين أهل العلم إلى أن مثل هذه الإطلاقات التي وردت فيمن قال”لا إله إلا الله دخل الجنة،أو حرم على النار”أو نحو ذلك،ربما كان في ابتداء الإسلام حين كانت الدعوة إلى مجرد الإقرار بالتوحيد،فلما فرضت الفرائض،وحدت الحدود،نسخ ذلك.والدلائل على هذا كثيرة متظاهرة.وإلى هذا ذهب الضحاك،والزهري،وسفيان الثوري وغيرهم.

وقالت طائفة أخرى:لا احتياج إلى ادعاء النسخ في ذلك.فإن كل ماهو من أركان الدين وفرائض الإسلام هو من لوازم الإقرار بالشهادتين وتتماته.فإذا أقر،ثم امتنع عن شيء من الفرائض جحداً أو تهاوناً ـ على تفصيل الخلاف فيه ـ حكمنا عليه بالكفر وعدم دخول الجنة.

والواقع أن ما أجمل في نص يفصّل في نص آخر.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:”أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة،فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم بحقِّ الإسلام،وحسابهم على الله”[متفق عليه]

فهذا الحديث أحصى أعمالاً لم تذكر في حديث النطق بالشهادتين،وهو تفسير لقول الله تعالى:{فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدِّين}[التوبة11]،وقوله من قبل:{فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم}[التوبة5].

إن النطق بالشهادتين بداية لما بعده من اعتقاد وعمل،لا ما تحسب الأبصار الكليلة،والهمم القاصرة من أن مجرد النطق فيه الكفاية والغناء.

ويتابع الغزالي رحمه الله:”وهناك ألوف مزقت المعاصي صلتهم بالله شر ممزق،وظلت أهواؤهم تجمح بهم بعيداً عن الله،حتى نسوا الله أتم نسيان.

فلو قارنت بين ضمائرهم وضمائر أهل الجاهلية الأولى.ما وجدت فارقاً بين جحود وجحود،وكنود وكنود!!

ألا إن هؤلاء نطقوا بكلمة التوحيد ولم يفهموها،وأولئك فهموها ولم ينطقوا بها”.

يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله:”يا منفقاً بضاعة العمر في مخالفة حبيبه والبعد عنه ليس في أعدائك أشدّ عليك منك”.

يقول محمود الوراق:

يا غافلاً ترنو بعيني راقدٍ              ومُشاهداً للأمرِ غيرَ مُشاهدِ

تَصِلُ الذنوبَ إلى الذنوبِ وترتجي    دَرَكَ الجنانِ وفوزَ العابدِ

ونسيتَ أن الله أخرجَ آدماً            منها إلى الدنيا بذنبٍ واحدِ

3ـ الدنيا دار ممر لامقر ودار فناء لابقاء

عن عبد الله بن الشّخّيرأنه قال:أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ:{أ لهاكم التكاثر*حتى زرتم المقابر}،قال:يقول ابن آدم: مالي!مالي!وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ،أولبستَ فأبليت،أوتصدّقت فأمضيت”.[رواه مسلم].

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:”أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي،فقال:كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل،وكان ابن عمر يقول:”إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح،وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء.وخذ من صحتك لمرضك،ومن حياتك لموتك“[رواه البخاري]

وورد في السنة النبوية،قوله صلى الله عليه وسلم:”لو أن لابن آدم وادياً من مالٍ لتمنى واديين،ولو أن له واديين لتمنى ثالثاً[رواه الإمام أحمد في مسنده].

يقول الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه:

“إن الله عز وجل إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة،ولم يعطكموها لتركنوا إليها،إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى،فلا تبطركم الفانية ولا تشغلكم عن الباقية،فآثروا ما يبقى على ما يفنى،فإن الدنيا منقطعة وإن المصير إلى الله”.

وورد عن ضرار الصدائي في وصف الإمام علي كرم الله وجهه إذ يقول عنه أنه كان يستوحش من الدنيا وزخرفها،ويأنس بالليل ووحشته،ويقول عنه أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغابت نجومه واقفاً في محرابه ،قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم،ويبكي بكاء الحزين ويقول:”يا دنيا غُرّي غيري.إليَّ تعرضت،أم إليَّ تشوّقت،هيهات هيهات،قد باينتك ثلاثة لا رجعة فيها:فعمرك قصير،وحسابك يسير،وخطرك حقير.آه من قلّة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق”.

ويقول الإمام علي رضي الله عنه:”الدنيا جيفة فمن أراد منها شيئاً فليصبر على مخالطة الكلاب”.

ويقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:”ارتحلت الدنيا مدبرة،وارتحلت الآخرة مقبلة،ولكل واحدة منها بنون،فكونوا من أبناء الآخرة،ولا تكونوا من أبناء الدنيا،فإن اليوم عمل ولا حساب،وغداً حسابٌ ولا عمل”[صحيح البخاري]

ويقول الإمام علي رضي الله عنه:”من كان يأمل أن يعيش غداً،فهو يأمل أن يعيش أبداً،ومن كان يأمل أن يعيش أبداً يقسو قلبه،ويرغب في دنياه،ويزهد فيما لدى ربه عز وجل(الكشكول للعاملي ج3 ص395]

ويقول الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:

“إن لكل سفر زاد لامحالة،فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة،وكونوا كمن عاين ما أعدّ الله من ثوابه وعقابه ترغبوا وترهبوا.ولا يطولن عليكم الأمل فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوكم،فإنه والله ما بسط أمل من لايدري لعلّه لا يصبح بعد مسائه،ولا يُمسي بعد صباحه،ولربما كانت بين ذلك خطفات المنايا،فكم رأيت ورأيتم من كان بالدنيا مغتراً وإنما تفرّ عين من وثق بالنجاة من عذاب الله،وإنما يفرح من أمن أهوال يوم القيامة،فأما من لايداوي كَلَماً إلا أصابه جرح في ناحية أخرى فأعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي،وتظهر عيبتي،وتبدو مسكنتي،في يوم يبدو فيه الغنى والفقر والموازين منصوبة،ولقد عنيتم بأمر لو عنيت به النجوم لانكدرت،ولو عنيت به الجبال لذابت،ولو عنيت به الأرض لتشققت،أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة،وأنكم صائرون إلى إحداهما”.

يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه:

“يا أخي!إن الدنيا دحض مزلة،ودار مذلة،وعمرانها إلى الخراب صائر،وساكنها للقبور زائر،شملها على الفرقة موقوف،وغناها إلى الفقر مصروف،الإكثار فيها إعسار،والإعسار فيها يسار،فافرغ إلى الله وارض برزق الله تعالى،ولا تستلف من دار بقائك في دار فنائك وإن عيشك فيء زائل وجدار مائل،وأكثر من عملك وأقصر من أملك”.

ويقول الشافعي أيضاً:”من غلبته شدّة الشهوة للدنيا لزمته العبودية لأهلها”.

وسئل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن الزهد في الدنيا فقال:”قصر الأمل،من إذا أصبح قال لا أمسي”.

وقال الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر:

“من تفكر في عواقب الدنيا أخذ الحذر،ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر.ما أعجب أمرك يا من يوقن بامر ثم ينساه ،ويتحقق ضرر حال ثم يغشاه ،وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه.تغلبك نفسك على ماتظنّ،ولا تغلبها على ما تستيقن.أعجب العجائب سرورك بغرورك،وسهوك في لهوك عما قد خُبىء لك.تغترّ بصحتك وتنسى دنو السقم ،وتفرح بعافيتك غافلأً عن قرب الألم”.

ويقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله:

“وأما حب الدنيا فالعلاج في إخراجه من القلب شديد وهو الداء العضال الذي أعيا الأولين والآخرين،علاجه ولا علاج له إلا الإيمان باليوم الآخر بما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب،ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا،فإنّ حبّ الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير.فإذا رأى حقارة الدنيا ونفاسة الآخرة استنكف أن يلتفت إلى الدنيا كلها وإن أعطي ملك الأرض من المشرق إلى المغرب،وكيف وليس عنده من الدنيا إلا قدر يسير،مكدر منغص،فكيف يفرح بها أو يترسخ في القلب حبها مع الإيمان بالآخرة”.

ويقول الحسن البصري رحمه الله:”لو رايت الأجل ومروره،لنسيت الأمل وغروره”.

وقال داود الطائي رحمه الله:”من خاف الوعيد قصر عليه البعيد،ومن طال أمله ضعف عمله،وكل ماهو آت قريب”.وقال:”واعلم يا أخي أن كل شيء يشغلك عن ربك فهو عليك مشؤوم،واعلم أن أهل الدنيا جميعاً من أهل القبور،إنما يفرحون بما يقدمون،ويندمون على ما يخلفون عليه أهل  القبور ندموا وعليه أهل الدنيا يقتتلون وفيه يتنافسون وعليه عند القضاة يختصمون”.

وقال داود الطائي يوصي عبد الله ابن إدريس:”أقلل معرفة الناس،وارض باليسير من الدنيا مع سلامة الدين،كما رضي أهل الدنيا بالدنيا مع فساد الدين،واجعل الدنيا كيوم صمته ثم أفطر على الموت”.

وكتب يوسف بن أسباط إلى أخيه عبد الرحمن كتاباً جاء فيه:

سلام عليك….فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو.

أما بعد:فإني أحذرك من متحوّلك من دار مهلتك إلى دار إقامتك،وجزاء أعمالك،فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها،فيأتيك منكر ونكير فيقعدانك،فإن يكن الله معك،فلا بأس ولا وحشة ولا فاقة،وإن يكن غير ذلك فأعاذني الله وإياك من سوء مصرع،وضيق مضجع،ثم يتبعك صيحة الحشر ونفخ الصور،وقد قام الجبار بعد فصل القضاء للخلائق،فخلت الأرض من أهلها،والسماوات من سكانها،فبادرت الأسرار،وسُعرّت النار،ووُضعت الموازين،{وجِيءَ بالنَّبيينَ والشُّهداءِ وقُضيَ بينهُم بالحقِّ}[الزمر 69] فكم من مفتضح ومستور،وكم من هالك وناج،وكم من معذب ومرحوم،فياليت شعري:ما حالي وحالك يومئذٍ!!ففي هذا ماهزم اللذات،وسلا عن الشهوات،وقصر الأمل ،واستيقظ الباغون،وحذر الغافلون،أعاننا الله وإياك على هذا الخطر العظيم،وأوقع الدنيا والآخرة من قلبي وقلبك موقعها بين قلوب المتقين،فإنما نحن به وله.خوف…وأمن”.

وقال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:

“هل تعرفون السراب؟إن الذي يسلك الصحراء يراه من بعيد كأنه عين من الماء الزلال،فإذا كدّ الركاب وحثّ الصحاب،ليبلغه لم يلق إلا التراب.هذه هي ملذات الحياة إنها لا تلذ إلا من بعيد،يتمنى الفقير المال،يحسب أنه إذا  أعطي عشرة آلاف ليرة، فقد حيزت له الدنيا،فإذا أعطيها فصارت في يده لم يجد تلك اللذة التي كان يتصورها وطمع في مائة الألف،إنه يحس الفقر بها في يده كما يحس الفقر إليها يوم كانت يده خلاء منها،ولو أعطي المائة الألف لطلب المليون،ولو كان لابن آدم واد من ذهب لابتغى له ثانيا،ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب”.

وخطب أحدهم فقال:”أما بعد،فإن الدنيا دار ممر،والآخرة دار مقر،فخذوا من ممركم لمقركم ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم،وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم،ففيها حييتم،ولغيرها خُلقتم،اليوم عمل بلا حساب،وغداً حساب بلا عمل،إن

الرجل إذا هلك قال الناس:ما ترك؟وقالت الملائكة:ما قدّم ؟

يقول أبو العتاهية:

الله أصدقُ والآمالُ كاذبةٌ          وجُلُّ هذى المنى في القلب وَسواسُ

ويقول أبو تمام:

من كان مَرتعُ عزمهِ وهُمومهِ   رَوضَ الأماني لم يزلْ مهزولا

وقال أحدهم:

لا تمنَّ المنى فتغترَّ جهلاً           طالما اغترَّ بالمنى الجهلاء

وقال أحدهم:

كُلنا يأملُ مداً في الأجل              والمنايا هُنَّ آفاتُ الأمل 

وقال أحدهم:

ونستلذُّ الأماني وهيَ مُرديةٌ             كشاربِ السّمِّ ممزوجاً مع العسلِ

وقال أحدهم:

أيُّها السكرانُ بالآ                       مالِ قد حان الرحيلْ

ومَشيبُ الرأسِ والفو                  دين للموتِ دليلْ

فانتبهْ من رَقدةِ الغف                  لة فالعمرُ قليلْ

واطرح(سوف)و(حتى)                فهما داءٌ دخيلْ     

4 ـ تذكر الموت والاعتبار بالموتى وزيارة القبور

حديث شريف:”عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال:كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل”[رواه البخاري]

عن أنس رضي الله عنه قال:خطَّ النبي صلى الله عليه وسلم خُطوطاً فقال:”هذا الأمل،وهذا أجله.فبينما هو كذلك إذ جاءه الخطُّ الأقرب”[رواه البخاري].

يقول الدكتور محمد الصباغ رحمه الله:

“هناك خطّان:خطٌّ بعيد وخطٌّ قريب.فبينما يعيش المرء في الآمال العريضة الواسعة يأتيه الخطُّ الأقرب أي الأجل.

وفي حديث آخر:قال بريدة:قال النبي صلى الله عليه وسلم:”هل تدرون ما مثل هذه وهذه؟ورمى بحصاتين.قالوا:الله ورسوله أعلم.قال :هذاك الأمل وهذاك الأجل“[رواه الترمذي].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً”.[رواه البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأبي هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهم،ورواه مسلم وغيره]

وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم غرز بين يديه غرزاً ثم غرز إلى جنبه آخر،ثم غرز الثالث فابعده.ثم قال:هل تدرون ماهذا؟قالوا:الله ورسوله أعلم .قال:هذا الإنسان،وهذا أجله،وهذا أمله.يتعاطى الأمل يختلجه دون ذلك[رواه الإمام أحمد].

(أي:يحول الأجل بينه وبين الأمل)فبين أن الأجل قد يكون حائلاً دون الأمل.

قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:”الموت أهون مما بعده وأشدّ مما قبله”.

دخل علي بن أبي طالب رضي الله عنه المقابر فقال:”أما المنازل فقد سُكنت،وأما الأموال فقد قُسمت،وأما الأزواج فقد نُكحت ،هذا خبر ما عندنا فما خبر ماعندكم؟ثم قال:”والذي نفسي بيده لو أُذن لهم في الكلام لأخبروا أن خير الزاد التقوى(البيان والتبيين للجاحظ).

وعن هانىء مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه قال:”كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر يبكي حتى يبلّ لحيته،قال:فقيل له:تذكر الجنة والنار ولا تبكي،وتبكي على هذا؟فقال:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”القبر أول منزل من منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه،وإن لم ينج منه فما بعده أشدّ منه.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه”.[رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني]

ويقول الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:”إن أجل الدنيا في أعناقكم،وجهنم أمامكم،وما ترون ذاهب،وما مضى فكأن لم يكن،وكلكم أموات عن قريب،وقد رأيتم حالات الميت وهو يسوق،وبعد فراغه وقد ذاق الموت والقوم حوله يقولون قد فرغ رحمه الله ،وعاينتم تعجيل خراجه وقسمة تراثه،ووجهه مفقود وذكره منسي،وبابه مهجور،وكأنه لم يخالط إخوان ولم يعمر الديار،فاتقوا هول يوم لاتحقر فيه مثقال ذرة في الموازين”.

ويقول أيضاً رضي الله عنه:”ألا ترون أنكم تجهزون كل يوم غادياً أو رائحاً إلى الله عز وجل تضعونه في صدع من الأرض وقد توّسد التراب،وخلّف الأحباب،وقطع الأسباب”.

ويقول أبو الدرداء رضي الله عنه:”إذا ذكرت الموتى فُعد نفسك كأحدهم”.

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:”شرُّ العَذَل(أي الملامة والعتب) عند الموت،وشر الندامة يوم القيامة”.

يقول الحسن البصري رحمه الله:”من علم أن الموت مورده،والقيامة موعده،والوقوف بين يدي الله تعالى مشهده،فحقّه أن يطول في الدنيا حزنه”.

ويقول أيضاً:”ما بَعُدَ أملٌ إلا مُلَّ عمل”.

وقال داود الطائي:”يا ابن آدم ارتحلك الحرص فأنساك أجلك،ونصب لك أملك،ورب حريص محروم،وواجد مذموم”.

وقال الأحنف بن قيس:”كثرةُ الأماني من غرور الشيطان”.

ويقول حجّة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله:

“اعلم أن المنهمك في الدنيا،المحبّ لشهواتها يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت فلا يذكره،وإذا ذُكّر به كرهه ونفر منه،أولئك هم الذين قال الله فيهم:{قُلْ إنَّ الموتَ الذي تَفِرُّونَ منهُ فإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالمِ الغيبِ والشَّهادةِ فَيُنبئكُم بما كُنتم تعملون}.[الجمعة 8].

ويقول الغزالي أيضاً رحمه الله:

“وعلاج تقدير الموت في القلب مثل النظر إلى من مات من الأقران والأمثال،وأنهم كيف جاءهم الموت في وقت لم يحتسبوا،أما من كان مستعداً فقد فاز فوزاً عظيماً،وأما من كان مغروراً بطول الأمل فقد خسر خسراناً مبيناً،فلينظر الإنسان كل ساعة في أطرافه وأعضائه وليتدبر كيف تأكلها الديدان لا محالة،وكيف تتفتت عظامها،وليتفكر فما على بدنه شيء إلا وهو طعمة الدود،وماله من نفسه إلا العلم والعمل الخالص لوجه الله تعالى”.

ويقول الغزالي أيضاً:

“إن الموت هائل وخطره عظيم وغفلة الناس عنه لقلة فكرهم فيه وذكرهم له،ومن يذكره ليس يذكره بقلب فارغ بل بقلب مشغول بشهوة الدنيا فلا ينجع ذكر الموت في قلبه،فالطريق فيه أن يفرغ العبد قلبه عن كل شيء إلا عن ذكر الموت الذي هو بين يديه،كالذي يريد أن يسافر إلى مفازة مخطرة أو يركب البحر فإنه لا يتفكر إلا فيه،فإذا باشر ذكر الموت قلبه فيوشك أن يؤثر فيه وعند ذلك يقل فرحه وسروره بالدنيا،وينكسر قلبه،وأنجع طريق فيه أن يكثر ذكر أشكاله وأترابه الذين مضوا قبله فيتذكر موتهم ومصارعهم تحت التراب،ويتذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم،ويتأمل كيف محا التراب الآن حسن صورهم ،وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم،وكيف ضيعوا أموالهم،وخلت منهم مساجدهم ومجالسهم وانقطعت أثارهم،فمهما تذكر رجل رجلاً وفصل في قلبه حاله وكيفية موته وتوهم صورته وتذكر نشاطه وتردده للعيش والبقاء ونسيانه للموت،وانخداعه بمواتاة الأسباب وركونه إلى القدرة والشباب،وميله إلى الضحك واللهو وغفلته عما بين يديه من الموت الذريع والهلاك السريع”.

يقول أبو حازم:”الدنيا غرّت أقواماً فعملوا فيها بغير الحق،فلما جاءهم الموت خلّفوا مالهم لمن لايحمدهم،وصاروا إلى من لا يعذرهم”.

يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله:

“ونحن لا نعرف من الموت إلا ظاهره دون حقيقته،نراه عدما،ونندب القريب والحبيب إن وضعناه في حفرة باردة،وخلّفناه وحيداً،تأكله الدود،وليس حبيبك الذي أودعته الحفرة ولكن جسده،والجسد ثوب يخلع بالموت،كما تخلع الحية ثوبها،فهل يبكي أحد على ثوب خلع،وما الموت إلا انتقال إلى حياة أرحب وأوسع ،إلى النعيم الدائم أو الشقاء الطويل،ولو كان الموت فناء لكان نعمة

ولو أنا إذا متنا تركنا                لكان الموت راحة كل حيّ

ولكنا إذا متنا بُعثنا                  ونُسأل بعدها عن كل شيء

فإذا كان الموت سفرة لابدّ منها فالعاقل من تهيأ لها،وأعدّ لها الزاد والراحة،وذكرها دائماً كيلا ينساها،ونظر في كل شيء،فإن كان مما يستطيع أن يحمله فيها حرص عليه،وإن كان مجبراً على تركه وراءه زهد فيه وانصرف”.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي أيضاً:

“الإنسان ينسى الموت ولكن المؤمن يذكره دائماً،ويكون أبداً على استعداد لاستقباله ،يستعد بالتوبة والاستغفار وردّ الحقوق،كلما أصبح وكلما أمسى حاسب نفسه،فشكر الله عما وفقه إليه من خير،واستغفره مما وقع منه من شر،يذكر الآخرة ويخاف يوماً تتقلّب فيه الوجوه والأبصار،يخشى ما بعد الموت من العذاب ويرجو مابعده من المكافأة ويستعين على ذلك بالصبر والصلة وفعل الخير ابتغاء رضى الله واحتساباً لما عنده”.

ويقول أيضاً رحمه الله:

“والموت أبداً،أبعد شيء في أفكارنا عنا،وإن كان أقرب شيء في حقيقته منا،نتناساه وهو عن أيماننا وشمائلنا،نُشيّعُ الجنائز،ونمشي معها ونحن في غفلة عنها،نتكلم كلام الدنيا ونرى مواكب الأموات تمر بنا كل يوم فلا نفكر ولا نعتبر ولا نقدّر أننا سنموت كما ماتوا،ومات من كان اصحَّ منا صحّة،وكان أشدّ منا قوّة،وأكبر سلطاناً،وأكثر أعواناً،فما دفعت عنه الموت لما جاءه صحبه ولا قوته،ولا حماه منه سلطانه ولا أعوانه،نعرف بعقولنا أن الموت كاس سيشرب منها كل حي،لكننا ننسى هذه الحقيقة بشعورنا وعواطفنا وتحجبها عنا شواغل يومنا،وتوافه دنيانا،يقول كل واحد بلسانه:إن الموت حق وأنه مقدّر على كل حي،ويقول بعقله:لن أموت،لقد كتب الموت على كل نفس إلا نفسي،فلا يزال في العمر فسحة لي دائماً،ولن يأتي أجلي أبداً”.

ويقول الإمام الحسن البصري:

“إنكم أصبحتم في أجل منقوص،وعمل محفوظ،والموت في رقابكم والنار بين أيديكم،وما ترون والله ذاهب فتوقفوا قضاء الله في كل يوم وليلة ولينظر امرؤ ماقدّم لنفسه”.

وقيل للحسن البصري:ما بالنا نحب الحياة ونكره الموت؟فقال:لأنكم عمرتم دنياكم بخراب آخرتكم،فأنتم تكرهون الانتقال من العمران إلى الخراب”.

يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر:”

“لقد أراك مصرع غيرك مصرعك،وأبدى مضجع سواك  ـ قبل الممات ـ مضجعك ـ وقد شغلك نيل لذاتك عن ذكر خراب ذاتك:

كأنّك لم تسمع بأخبار من مضى        ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر

فإن كنت لاتدري فتلك ديارهم          محاها مجال الريح بعدك والقبر

وكم رأيت صاحب منزل مانزل لحده حتى نزل!

وكم شاهدت والي قصر وليّه عدّوه لما عزل!

فيامن كل لحظة إلى هذا يسري،وفعله فعل من لا يفهم ولا يدري

وكيف تنام العين وهي قريرة؟         ولم تدر من أي المحلين تنزل؟

قال داود الطائي سألت عطوان بن عمرو التميمي عن قصر الأمل،فقال:مابين تردد النفس.فحدّثت بذلك الفضيل بن عياض،فبكى وقال:يقول:يتنفس،فيخاف أن يموت قبل أن ينقطع نفسه،لقد كان عطوان من الموت على حذر”.

قال لقمان الحكيم لابنه:

“يا بني خذ عني هذه الخصال الثماني:الأولى إذا كنت بين الصلاة فاحفظ قلبك،والثانية إذا كنت بين الناس فاحفظ لسانك،والثالثة إذا كنت بين النعمة فاحفظ خلقك،والرابعة إذا كنت في دار الغير فاحفظ عينك،وأما الأربعة الأخيرة:فكن ذاكراً أبداً لشيئين:الخالق والموت،وكن ناسياً أبداً لشيئين:إحسانك في حق الغير،وإساءة الغير في حقك”.

وقال أحدهم:”من رأى الموت بعين أمله وجده بعيداً،ومن رآه بعين عقله وجده قريباً”.

وقال أحدهم:”الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا”.

5 ـ القرابة والنسب لاتفيد إذا لم يقترن بها العمل الصالح:

سمع الحسن البصري رحمه الله رجلاً يقول:المرء مع من أحب يوم القيامة.فقال له:لا يغرنك يا أخي هذا القول فإنك لن تلحق بالأبرار حتى تعمل بأعمالهم،فإن اليهود والنصارى يحبون أنبياءهم وليسوا معهم في الجنة لتخلفهم عنهم في الأعمال ومخالفتهم لهم.واعجباً من قوم أُمروا بالزاد ونودوا بالرحيل وهم جلوس يضحكون فإن من كان الليل والنهار مطيته فهو يُسار به ولا يشعر”.

ويقول سيد قطب رحمه الله:

“وهنا يقرر قاعدة من قواعد التصور الإسلامي في ترتيب الجزاء على العمل بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد،إنما هو الإسلام والإحسان لا الإسم والعنوان.فسمة الإسلام هي الوحدة بين الشعور والسلوك،بين العقيدة والعمل،بين الإيمان القلبي والإحسان العملي،بذلك تستحيل العقيدة منهجاً للحياة كلها”.

ويقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{قُلْ إن كُنتُم تُحبُّونَ الله فاتَّبعوني يُحبِبكُمُ اللهُ ويغفرْ لكُم ذُنُوبَكُم والله غفورٌ رحيمٌ*قُلْ أطيعُوا اللهَ والرَّسُولَ فإن تولَّوا فإنَّ اللهَ لايُحِبُّ الكافرينَ}[آل عمران 31 ـ 32].

يقول:”إن حبّ الله ليس دعوى باللسان ولا هياماً بالوجدان إلا أن يصاحبه اتباع كامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم والسير على هداه وتحقيق منهجه في الحياة،وإن الإيمان ليست كلمات تقال ولا مشاعر تجيش ولا شعائر تقام،ولكنه طاعة لله وللرسول وعمل بمنهج الله الذي يحمله الرسول صلى الله عليه وسلم.

يقول الإمام ابن كثير رحمه الله عن الآية الأولى:هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأعماله.كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد”.[رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها].

ومن كلام ذي النون المصري:”من علامات المحب لله متابعة حبيب الله في أخلاقه وأفعاله وأمره وسننه”.

وجاء في مجلة المنار العدد130:

“غرّ أمة ممن كان قبلنا دينهم،فحسبوا أن انتسابهم إليه هو كافلهم وضمينهم،وناصرهم ومعينهم،فقصّروا في الأعمال،واستبدلوا النقص بالكمال،فحلّ بهم الخزي والنكال،وما أغنى عنهم الانتساب إلى الأنبياء،والاعتماد على الأصفياء،والاستمداد من الأولياء،ولا أفادهم قولهم نحن شعب الله،الذي فضله على العالمين واصطفاه،وحملة كتابه التوراة:{ألم ترَ إلى الذين أُوتُوا نصيباً من الكتابِ يُدعونَ إلى كتابِ الله لِيَحكُمَ بينهُم ثُمَّ يَتولَّى فريقٌ منهُم وهُم مُعرضون*ذلكَ بأنَّهُم قالوا لَن تمَسَّنا النَّارُ إلا أيَّاماً مَعدوداتٍ وغَرّهُم في دِينهم ما كانُوا يفترون}[آل عمران 23 ـ 24].

الغرور في الدين،هو الجرثومة التي تولدت منها جميع أمراض المسلمين،كما حلّ بمن كان قبلهم،وحذروا أن يكونوا مثلهم،فقد جاء في الحديث المتفق على صحته:”لتتبعنَّ سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراعوالمسلمون يعترفون بهذا إجمالاً ولكنهم ينكرونه عند التفصيل.

تولدت جراثيم هذا الغرور بالدين في العصر الأول عندما فتح المسلمون البلاد،ودوخوا العباد،وجلسوا على كرسي السيادة،وضموا عليهم قطري السعادة،فحسبوا أنهم غمروا بهذا الأنعام،لمجرد انتسابهم للإسلام،ثم دلهم القياس الفاسد على أن هذا اللقب(المسلمون)يعطيهم سعادة الآخرة كما أعطاهم سعادة الدنيا وكان لهم من الأحاديث الموضوعة وسوء فهم الصحيحة ما يؤيد القياس،ويمد الوهم والالتباس،فقصروا فيما أمرهم الدين من الإصلاح للدنيا،كما قصروا في عمل الصلاح للأخرى،فأخذهم العذاب من حيث لا يشعرون:{وما كانَ رَبُّكَ لِيُهلِكَ القُرى بِظُلمٍ وأهلُها مُصلحون}[هود 117].

وياليتهم إذا عذبوا بسلب سعادة الدنيا رجعوا إلى قياسهم وخافوا أن يحرموا سعادة الآخرة أيضاً إذا هم استرسلوا في هذا الغرور،ولم يخرجوا من هذا الديجور،ثم رجعوا إلى أنفسهم،وبحثوا عن اسباب سعادة سلفهم،وتبينوا أنها الأعمال،لا الأماني والآمال،ثم استنوا بسنتهم،واستقاموا على طريقتهم،ولم يتكلوا على شفاعتهم،ويجعلوها مناط سعادتهم،واعتبروا بقول خليل الرحمن،عليه الصلاة والسلام إذ قال لأبيه:{لأستغفرنَّ لكَ وما أملِكُ لكَ من الله من شيءٍ}[الممتحنة 4]وبما كان من حرص النبي صلى الله عليه وسلم من إيمان عمه أبي طالب.نعم وإن اعتقاد الخلف أنهم يسعدون في الدنيا بإمداد سلفهم تكذيب للحس والعيان،واعتقاد أنهم ينجون في الآخرة إعراض عن القرآن والسنة،فالاحتجاج بعد هذا بقول فلان وورد فلان جنون:{أمْ حَسِبَ الذين اجترَحُوا السيئاتِ أن نَّجعلَهُم كالذين آمنوا وعَملوا الصالحاتِ سَواءً مَّحياهُم ومَماتُهُم ساءَ ما يحكمون}.[الجاثية 21].

فعلمنا مما تقدم أن أمراض المسلمين الاجتماعية التي جعلتهم وراء الأمم كلها حتى التي كانوا يسودونها ترجع إلى داء واحد وهو الغرور في دينهم وفهمه على غير وجه،وأن شفاء هذا الداء ليس بمحال ولا متعذر وإنما المتعذر إصلاحهم مع بقائه وأن الدواء الذي يذهب به هو السير بالتربية والتعليم على سنن الكون وأصول الأجتماع وإقناعهم بأن ارتقاء المسلمين بدينهم في القرون الأولى لم يكن لسر خفي في الدين ،ولا لحب الله تعالى لذوات الذين تسموا بالمسلمين ،لأن الله منزه عن عشق الذوات والأعيان،وأفعاله لا تعلل بالأغراض كأفعال الإنسان،وإنما ارتقوا به لأنه أرشدهم إلى سنن الارتقاء،وهداهم إلى الصفات والأفعال التي بها السمو والاعتلاء”.

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد:

“ومن تأمل في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له بالشهادة وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام علم أن الإسلام أمر وراء ذلك وأنه ليس بمجرد المعرفة ولا المعرفة والإقرار فقط،بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهره وباطنه”.

ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله(مشاهد يوم القيامة ص121):

“امرأة نوح وهو نبي وامرأة لوط وهو نبي…تأمل قول الحق سبحانه وتعالى:{ضربَ الله مثلاً امرأةَ نوحٍ وامرأةَ لوطٍ كانتا تحتَ عبدينِ من عبادِنا صالحينِ فخانتاهما فلم يُغنيا عنهما من الله شيئاً وقيلَ ادخُلا النَّارَ مع الدَّاخلين}[التحريم10].

هذه قصة امرأتين كانتا في بيتي نبوة..زولكنهما كفرتا بالله،وارتكبتا الآثام،فكان مصيرهما إلى النار…ولم يشفع لهما أنهما كانتا زوجتي نبيين…لأن أهل الأنبياء هم المؤمنون الذين آمنوا بهم وصدقوا بالرسالة وعملوا بها.

فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى ابن نوح،وقد رفض أن يؤمن،وأصرّ على الكفر،فلم يغن عنه أنه ابن رسول ونبي…وعندما أراد نوح أن يستغفر الله لابنه وقال”{رَبِّ إنَّ ابني من أهلي}[هود 45]،رد الله سبحانه وتعالى عليه:{إنه ليسَ من أهلك إنه عملٌ غيرُ صالح}[هود46]

وإبراهيم حين أراد أن يشفع لعمه آزر:{وما كانَ استغفارُ إبراهيمَ لابيه إلّا عن موعدةٍ وعدها إياهُ فلمَّا تبيَّنَ له أنّهُ عدوٌّ لله تبرأَ منهُ إنَّ إبراهيم لأوَّاهٌ حليم}التوبة 114].

وهكذا نرى أن الحق سبحانه وتعالى قد أعطانا أمثلة في القرآن الكريم تؤكد لنا أن الإنسان لا يحمل يوم القيامة إلا ما ارتكب من أوزار أو من معاص…وأن كل إنسان يحاسب على عمله…وأن أي نفس لا تحمل إثم أو ذنب أو عقوبة ذنب اقترفته نفس أخرى..”.

وجاء في البيان والتبيين للجاحظ:روى سعيد بن بشير عن أبيه أن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي قال حين ثَقل وقد رأى غسالاً يلوي ثوباً بيده،وددت لو كنت غسالاً لا أعيش إلا مما أكتسب يوماً بيوم”.فذكر ذلك لأبي حازم فقال:”الحمد لله الذي جعلهم يتمنون ما نحن فيه ولا نتمنى عند الموت ماهم فيه”.

6 ـ المبادرة بالأعمال الصالحات واغتنام الفرص:

{سابقوا إلى مغفرةٍ من رَبّكم وجنّةٍ عرضُها كَعرضِ السّماءِ والأرضِ أُعِدَّت للذينَ آمنوا بالله ورُسُلهِ}[الحديد 21]

{وسارعوا إلى مفغرةٍ من رَبِّكم وجنّةٍ عرضها السّمواتُ والأرضُ أُعدّت للمتقينَ}{آل عمران 133]

حديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:”إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح،وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء،وخذ من صحتك لمرضك،ومن حياتك لموتك“[رواه البخاري والترمذي].

اغتنم خمساً قبل خمس:حياتك قبل موتك،وصحتك قبل سقمك،وفراغك قبل شُغلك،وشبابك قبل هرمك،وغناك قبل فقرك[حديث صحيح رواه أحمد والحاكم والبيهقي وأبو نعيم]

بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم،يصبح الرجل مؤمناً ويُمسي كافراً،ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا قليل”[رواه مسلم]

بادروا بالأعمال سبعاً:هل تنتظرون إلا فقراً منسياً،أو غنى مطغيا،أو مرضاً مفسدا،أو هرماً مفندا،أو موتاً مجهزا،أو الدجال فشرُّ غائب ينتظر،أو الساعة فالساعة أدهى وأمر”[رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]

جاء في شرح كتاب رياض الصالحين(باب ذكر الموت وقصر الأمل:

“هل تنتظرون إلا فقراً مُنسيا:لأن الإنسان غذا افتقر فقراً شديداً فإن هذا الفقر يُنسيه،يشتغل قلبه بلقمة العيش أين يجدها،فلا يتمكن من كثير من الأعمال،بل لا يتنكن من كثير من لذاته،لأنه مشغول بتوفير شيء يسد جوعته.فالإنسان الذي يتطلب لقمة العيش،ومشغول البال كيف يوفرها أنت لاتجد قلبه فيه محل للمعالي والمطالب في كثير من الأحيان،لأنه مشغول بما يقيم صلبه،بما يبقيه،بما يقيم عيشه.

أو غنىً مطغياً:فإن الغنى مظنة للطغيان،كما قال الله عز وجل:{كلا إنَّ الإنسان ليطغى *أن رآه استغنى}[العلق 6 ـ 7]،فهذه طبيعة في الإنسان إلا من عصمه الله عز وجل وأعانه على نفسه وقليل ما هم،ولذلك تجد في كثير من الحالات أن الغنى يحمل صاحبه على شيء من الفسق والبطر،والتضييع،والتفريط في حقوق الله عز وجل بل والتعالي على الخلق.

أو مرضاً مفسدا:مرض يفسد الأعضاء،يصيبه بالشلل،يقعده على الفراش،فلا يستطيع أن يحج أو يعتمر، أو يقوم الليل،أو يصوم النهار…وحتى صيام رمضان قد لايتمكن منه،وقد يمنعه الأطباء من ذلك.

أو هرماً مُفندا:أي أن يصل الإنسان إلى مرحلة متقدمة في العمر ويحصل عنده شيء من الخلل في عقله،فيفند رأيه،بمعنى:أن هذا الإنسان لا يعتد برأيه،ولا بعقله،ولا بتفكيره،ولا بنظره في الامور.

أو موتاً مجهزا:وهو الموت السريع،حيث تجد الناس في غاية القوة،والنشاط والفتوة،والشباب وبلحظات  قد تكون أقل من الدقائق يموت ويتحول إلى أشلاء.

أو الدجال،فشر غائب ينتظر:يمكن مراجعة ذلك في أحدايث الفتن.

أو الساعة،والساعة أدهى وأمر:يقول تعالى:{يومَ ترونها تذهلُ كلُّ مُرضعةٍ عمّا أرضعت وتضعُ كلُّ ذاتِ حَملٍ حَملها وترى الناس سُكارى وما هم بِسكارى ولكنّ عذابَ الله شديدٌ}[الحج2].

الإمام علي رضي الله عنه:”من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات،ومن أشفق من النار انتهى عن الشهوات،ومن تيقن بالموت انهدمت عليه اللذات،ومن عرف الدنيا هانت عليه المصيبات”.

وقال أيضاً:”من أخلص في أيام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله ولم يضره أمله”.

ويقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ رحمه الله(نظرات قرآنية في الإنسان والدعوة ـ الأخذ بالأسباب واغتنام الفرص):

“فإلى الذين يعانون  من بعض ماذكرنا وهم ما زالوا في فسحة من الوقت تمكّنهم من علاجه نسوق هذا الحديث لعل الله ينير بصائرهم،ويفتح مغاليق قلوبهم،ويرقق نفوسهم فيرعوون ويرتدعون،وينصاعون ويَنصحون،ويحسنون التصرف ويحزمون…إن عليهم ألا يدعوا الفرصة تفوتهم،فيضيعوا بأيديهم سعادة الدنيا والفوز يوم القيامة…فربما لا تعود الفرصة مرة أخرى”.

ويقول الأستاذ عبد الله الخياط:

“إن المسلم لئن صارعته في عنفوان شبابه الشهوات والصبوات،وكان له مع الشيطان مغامرات وجولات،فإن له في بقية المرحلة فسحة،فعهد الصبوات والشهوات المحرمة يجب أن لا يدوم طويلاً،بل يجب أن يراجع نفسه،ويتوب إلى ربه ويرجع عن غيّه إلى صوابه،سيما إذا أشرف على الكهولة وما بعدها،فإن المعصية منه حينئذ تكون اشد قبحاً وفظاعة،لضعف الدافع إليها.ومن بلغ الستين فقد أعذر الله إليه كما صحّ بذلك الحديث،أعذر الله إليه حيث مدّ له في الأجل،وأقام عليه الحجة بذلك،وترك له الفرحة للتوبة والإنابة فلم يبق له أن يعتذر بضيق الأجل لتدارك مافاته بحسن العمل.يقول تعالى في مصير الظالمين حين يأخذهم بالعذاب بعد إقامة الحجة:{أوَلَم نُعَمِّرْكُم ما يَتذكَّرُ فيهِ من تَذكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذيرُ فذُوقُوا فَما للظَّالمينَ من نَصيرٍ}[فاطر 37].أي أو ما عشتم في الدنيا أعماراً لو كنتم ممن ينتفع،فأخرسهم بإقامة الحجة ولزمهم العذاب،وكذلك كل مجترىء على معصية الله لم ينتفع بالفسحة له في الاجل،ولم يغتنم الفرصة لإحسان العمل،فإن مؤاخذته على التفريط والجرأة على معصية الله أشد وأغلظ لأن الله قد أعذر إليه.جاء في الحديث الشريف:”ثلاثة لا يُكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم،ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم:شيخٌ زانٍ،وملكٌ كذابٌ،وعائلٌ مستكبر[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].

وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

سُنّةُ الابتلاء

سُنّةُ الابتلاء

الابتلاء هو أحد سنن الله عزّ وجلّ في عباده المؤمنين في الحياة الدنيا،وهو سنة الله في العقائد والدعوات، فطريق الدعوة إلى الله طريق شاق وطويل،محفوف بالمكاره، ملئ بالأشواك، حافل بالعقبات،مفروش بالدماء والأشلاء،محكوم عليه بالابتلاء والإيذاء.يقول الله تعالى: {ألم * أحَسِبَ النَّاسُ أن يُتركُوا أن يقُولوا آمنَّا وهم لايُفتنون* ولقد فتنَّا الذين من قَبلهم فَليَعلمَنَّ اللهُ الذين صَدقوا وليعلمَنَّ الكاذبين}[العنكبوت 1 ـ 3].

يقول الشهيد سيد قطب في ” الظلال”:

“إنّ الإيمان ليس كلمة تُقال،إنّما هو حقيقة ذات تكاليف،وأمانة ذات أعباء،وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال،فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا،وهم لا يتركون لهذه الدعوة حتى يتعرّضوا للفتنة،فيثبتوا عليها، ويخرجوا منها صافية عناصرهم، خالصة قلوبهم،كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به،وهذا هو أصل الكلمة اللغوي، وله دلالته وظله وإيحاؤه،وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب”.

هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت، وسُنّة جارية في ميزان الله سبحانه: {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}.

وأنواع الابتلاء متعدّدة، وطرق الإيذاء متنوعة، ولا بدّ من الصبر على تلك وهذه، فطريق الجنّة محفوفة بالمكاره وطريق النار قد حُفّت بالشهوات. يقول الله تعالى: {لَتُبلَوُنَّ في أموالِكُم وأنفُسِكُم ولَتَسمَعُنَّ من الذين أُوتُوا الكتابَ من قَبلِكُم ومن الذينَ أشرَكُوا أذىً كثيراً} [آل عمران 186]، ويقول تعالى: {وَلَنَبلُوَنَّكُم بشئٍ من الخوفِ والجُوعِ ونقصٍ من الأموالِ والأنفُسِ والثَّمراتِ وبَشِّرِ الصابرين} [البقرة 155].

إنّها سنة الله في العقائد والدعوات، لابدّ من البلاء والابتلاء،في المال والنفس والأحباب، ولكن لابد من الصبر والتحمّل والمقاومة، فهذا هو الطريق الحقيقي لتحمل الأعباء والتكاليف ومن أجل المعرفة الواقعية والحقيقية لمكنونات النفس، وقدرات الجسم، ومعرفة الواقع وحقيقة الحياة.

فالابتلاء هو سنة ربانيّة نابعة من طبيعة الدعوة من جهة، ومن طبيعة الجاهلية من جهة أخرى.

1ـ الابتلاء سنة ربانية:

لأن الداعية يحتاج إلى صياغة كافية وإعداد حقيقي وتدريب مستمر ليحمل ويتحمّل تكاليف الحقّ وأعباء الدعوة،وهي تكاليف مرهقة، وأعباء باهظة تحتاج إلى تدريب شاق، وإعداد مستمر، وتحتاج معها إلى الصبر والإيمان وصدق العزيمة،وذلك لما يتطلبه هذا الإعداد ولما يترتب عليه هذا التدريب من معاناة واضطراب وقلق،فالطريق إلى الله ليس بالطريق المُعبّد السهل اليسير، وليس هو بالرحلة أو النزهة القصيرة الجميلة،ولا عَرَضاً قريباً وسفراً قاصداً.

إن الدعوة إلى الله هي أشبه ما تكون بتشييد بناء متين مكين، يستظِلُّ فيه الناس بظلِّ الله في الأرض،يستروحون فيه العدل، وينشدون فيه الأمان والإطمئنان،تكتنفهم في جنباته الرحمة وتُظلّهم في أرجائه الأُلفة والأُخوّة، هو أشبه مايكون بالواحة الوارفة الظلال التي تقي من لهيب شمس الهاجرة، وتعطي السكينة والهدوء للنفس القلقة المضطربة.

إن الإيمان كما يقول الشهيد سيد قطب في ” الظلال”:

“إن الإيمان أمانة الله في الأرض لا يحملها إلا من هم لها أهل، وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجرد وإخلاص، وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة، وعلى الأمن والسلامة، وعلى المتاع والإغراء”، ويتابع رحمه الله” وما بالله ـ حاشا لله ـ أن يعذّب المؤمنين بالابتلاء، وأن يؤذيهم بالفتنة، ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمّل الأمانة، فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتمّ إلا بالمعاناة العملية للمشاق، وإلا بالإستعلاء الحقيقي على الشهوات، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله أو في ثوابه، على الرغم من طول الفتنة وشدّة الابتلاء” .

نعم، كما أن العجينة تحتاج إلى حرارة لإنضاجها، فإن العجينة البشرية تحتاج أيضاً إلى حرارة الابتلاء لتصلب وتنضج وتقسى وتصبح قادرة على الصمود وتحمل الصدمات، والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث، وحتى تتمكن جذور العقيدة في نفس الداعية وتتغلغل في كيانه وأعماقه فلا تقتلعها العواصف ولا تذهب بها الرياح: {ما كانَ اللهُ لِيذَرَ المؤمنينَ على ما أنتم عليهِ حتى يَميزَ الخبيثَ من الطّيّب} [آل عمران 179].

والشدائد والأزمات تستجيش مكنونات النفس وطاقاتها وإمكاناتها وتطرقها بعنف وقوة ليشتدّ عودها ويصلب ساقها ويصقل قوامها.

إنّ النعيم لا يُنال إلا بعد الشقاء،ولذّة السرور تأتي عقب شديد الألم،وجمال الربيع يتلو زمهرير الشتاء، وهذا هو حال الدعوة فإنّها لا تُعطي وروداً ولا تجني منها ثماراً إلا بعد أن ينالك الوافر من التعب والمشقة وجروح الأشواك.

يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(فيض الخاطر ج1 ص118):

“حتى كان من غريب أمر الإنسان أنه لا يدرك اللذّة إلا بالألم،ولا الفائدة إلا بالمصيبة، كما لايدرك الحلو إلا بالمرّ،ولا المرّ إلا بالحلو، ولا يمكن أن نتصور سعادة إلا بشقاء،ولا شقاء إلا بسعادة، فكأنّ السعادة والشقاء وجها القطعة من النقود لا يمكن أن يُتصوّر وجود أحد الوجهين إلا بالأخر” ويتابع: ” على أن المصائب نفسها ليست تخلو من وجه جميل وناحية رائعة،فهي ليست قبحاً صرفاً ولا شقاءً خالصاً بل كثيراً ما تكون بلسماً كما تكون جروحاً، ودواءً كما تكون داءً.إنّ الرخاء يفسد الطبيعة البشرية فلا بد لها من شقاء يُصلحها،والحديد قد يفسد فلا بد له من نار تذيبه حتى تصلحه، وتذهب خبثه، فكذلك النفوس قد يطغيها النعيم ويُصدئها الترف، فلا بد لها من نار تُكوى بها لتنصهر ويذهب رجسها، ثم إذا أردت أن تعرف نفوس الناس حقاً فتعرّفها في أوقات المصائب لا في أوقات النعيم”.

وأشدّ الناس ابتلاءً هم الأنبياء والصالحون كما جاء في الحديث الشريف الصحيح: “أشدّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون ثم الأمثل فلأمثل، يبُتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء“،لأن كل مصيبة تصيب الإنسان الصالح أو كل ابتلاءيقع به فيواجهه بالصبر والإيمان والإحتساب يغسل عنه ذنوبه وخطاياه، ويزيل عنه الرجس والآثام ليلاقي ربه في دار النعيم وقد فاز بجنات الله ورضوانه ورؤية وجهه الكريم.

كما أنه لابد من الابتلاء لتستطيع الجماعة أن تقوم بحمل هذه الدعوة والنهوض بتكاليفها ومعرفة عناصر الخير من عناصر السوء في أفرادها وقياداتها،ولمعرفة حقيقة النفس البشرية وخباياها،وحقيقة الجماعات والمجتمعات التي تعيش فيها، وهم يرون كيف تصطرع مبادئ الدعوة مع أهواء النفوس والشهوات، ومعرفة مداخل الشيطان إلى هذه النفوس ومزالق الطريق ومسارب الضلال.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:

“لابد من تربية النفوس بالبلاء، ومن امتحان التصميم على معركة الحقّ بالمخاوف والشدائد،وبالجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات،لابد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة، كي تعزّ على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف، والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليفها لا يعزّ عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى، فالتكاليف هنا هي الثمن النفسي الذي تعزّ به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعزّ في نفوس الأخرين. وكُلّما تألموا في سبيلها وكُلّما بذلوا من أجلها، كانت أعزَّ عليهم وكانوا أضّن بها، كذلك لا يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها بها وصبرهم على بلائها، إنّهم عندئذ سيقولون في أنفسهم لو لم يكن ما عند هؤلاء من العقيدة خيراً مما يُبتلون به وأكبر ما قبلوا هذا البلاء ولا صبروا عليه، وعندئذ ينقلب المعارضون للعقيدة باحثين عنها، مقرين لها، مندفعين نحوها،وعندئذ يجئ نصر الله والفتح ويدخل الناس في دين الله أفواجا” .

2ـ الصدام مع الجاهلية وأعوانها:

ولابد من الابتلاء بسبب الصدام مع الجاهلية وأعوانها،لأنّ الحقّ واحد لايتعدّد في كلِّ زمان ومكان،ولأنّ الباطل مهما اختلفت أشكاله وتعددت صوره وتنوّعت مشاربه لا يمكن أن يقبل بوجود الحق، ولا أن يتحّمل وجوده في أي  زمان أو مكان، لانّ الدعوة الحقيقية التي تصدر عن نبع الإسلام، وتعبّر عن موقفه وتتبع منهجه وأحكامه، وتتحكّم في أمور الدنيا من أموال وأنفس وأنظمة، لاتروق لقوى الشّر التي لا تستريح لهذا المهج الخيّر العادل ولا ترتاح إليه، ومهما هادن الباطل الحقّ وسكت عنه، فإنه لابد أن يقع الصدام لأنه لايمكن أن يجتمعا معاً على صعيد واحد، ولابد أن يتنازل أحدهما للأخر، ولقد عبّر  عن هذا الموقف وبيّن ماهي قوى الشر التي تواجه دعوة الحق ولا ترضخ لحكمها ودعاتها الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه حيث يوضح في رسالته” بين الأمس واليوم”، وأنقل هذه الرسالة موجزة من كتاب” واقعنا المعاصر” للأستاذ محمد قطب رحمه الله(ص407ـ 408):

“أحب أن أصارحكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها،ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيراً من المشّقات، وسيعترضكم كثير من العقبات،وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون أصحاب الدعوات، أما الآن فلا زلتم مجهولين، ولازلتم تمهدون للدعوة،وتستعدّون لما تتطلبه من كفاح وجهاد”، ويتابع رحمه الله: “سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء، وذو الجاه والسلطان، وستقف في وجوهكم كل الحكومات على السواء،وستحاول كل حكومة أن تحدّ من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم” ويتابع: “وسيتذرع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون بالحكومات الضعيفة والأخلاق الضعيفة والأيدي الممتدّة إليه بالسؤال،وإليكم بالإساءة والعدوان، وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشهوات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة، معتمدين على قوتهم وسلطانهم، معتدّين بأموالهم ونفوذهم: {يُريدُونَ أن يُطفِئوا نُورَ الله بأفواهِهِم ويأبى اللهُ إلاّ أن يُتِمَّ نُورَهُ ولو كَرِهَ الكافرون}[التوبة 32].

إنّ هذه الرسالة الموجزةبكامها، العظيمة بافكارها،تبين الطريق للدعاة، وتظهر لهم أن قوى الشّر مهما اختلفت فيما بينها فإنّها يد واحدة ترمي عن قوس واحدة أمام عدوهم الرئيسي وهم دعاة الحق.إن من أهم العقبات والصعوبات التي تواجه الدعاة هي:

1ـ جهل الشعب بحقيقة الإسلام:

إنّ اكبر المعارضين لدعوة الحق والمهاجمين له”العوام” وعامة الشعب الذين يتألبون عليه، لأنّهم تعودوا على نظام معين ألفوه وألف إليهم، ورضوا به ورضي بهم،ولايرضى لهم الكسل العقلي ولا”الروتين” اليومي أن يقبلوا بالجديد وإن كان مفيداً، فتراهم إذا ما استثيروا ضد دعاة الحق ثاروا، وإذا ما حُرضّوا تحرضّوا وحرّضوا،وكانوا رأس حربة في يد عبيد الهوى واصحاب المصالح والشهوات والمراكزالعليا

يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(فيض الخاطر ج3 ص142):

“والتاريخ يجري على نمط واحد منذ تكون الجمعية البشرية إلى اليوم، يلمع فيها أفراد قلائل في كل عصر، يخرجون على إلف الناس وما اعتادوه في أفكارهم وعقائدهم وعواطفهم،فيتألب عليهم الناس لكسلهم العقلي، ولأن الدعوة الجديدة تقلق راحتهم،وتدعوهم إلى قلب نظامهم العقلي والعاطفي كالذي يدعو كسلاناً أن يغير نظام بيئته أو نظام معيشته، وبدلاً من أن يوجه غضبه إلى نفسه لكسلها أو جمودها يحوِّل غضبه على من سبّب له هذا القلق، ثم لا يقتصر على محاربته بالأساليب الشريفة، بل يحاربه بكل سلاح، ولا يتورع عن أن يختلق عليه ويتهمه بما يستطيع من تهم، ويرى أن كل وسيلة تُفضي إلى قتل هذه الفكرة الجديدة جائزة ومشروعة، فإذا وصل إلى هذا الغرض بإعدام الفكرة أو إعدام قائلها اطمأن واستراح لأنها تتفق مع طبيعته في الكسل واستنامته إلى ما ألف”.

ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

“ليس اسوأ من العبودية للحكام إلا العبودية للعوام، وكم من عالم تمرّد على الحكام وانقاد للعوام فيما يخالف الشرع والعقل، ويسخط الله عز وجل ويضر بسمعة الإسلام والمسلمين حرصاً على مكانة زائفة ووجاهة زائلة وهي في حقيقتها عبودية وصَغار”.

والأدهى من ذلك والأنكى أنه إذا كان  جزء ٌ لايستهان به من الشعب، وبدعم من السلطان وأصحاب الهوى يُحِقُّون الباطل ويُبطلون الحقّ، ويأتمرون بالمنكر ويتناهون عن المعروف،فإن دعاة الحق في هذا المجتمع غرباء عليه وسيواجهون أشد انواع العسف والظلم والاستبداد،ألم تر إلى جواب قوم لوط وهو ينهاهم عن الفساد والرذيلة، ويأمرهم باتباع الحق والفضيلة، ماذا أجابوه؟!: {ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون*أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون* فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أُناس يتطهرون} [النمل 54ـ56]. فهم على درجة كبيرة من انحراف الفطرة وشذوذ الغريزة بحيث لا يستشعرون أو يدركون ما في انحرافهم من قذارة وما يبعث عليه من اشمئزاز، والأنكى من هذا انهم يحاربون الطهارة والتطهر إذا كانت الطهارة تدعوهم وتأمرهم بالإقلاع عن ذلك الشذوذ والابتعاد عن هذا الإنحراف، وما نراه في هذه الأيام وللأسف وفي بعض المجتمعات ليس بعيداً عن هذا الواقع المزري وهذه الحقيقة المؤلمة!!

إن الباطل يحاول بشتى الوسائل ومختلف الاساليب استمالة الحق واحتواءه والسيطرة عليه،تارة بالترغيب، وتارة بالترهيب، فإن لم ينجح لجأ إلى كل الوسائل الدنيئة  والأساليب الباطلة من أجل التخلص منه والقضاء عليه، لأن الفضيلة والرذيلة لا يجتمعان، ولأن الضّعة والرفعة لا يلتقيان.

يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(فيض الخاطر ج1 ص198:

“الست ترى أن جمعية الشراب تكره كل الكراهية أن يكون بينهم وقت شرابهم من لا يشرب، ويستثقلونه مهما ظرف، ويستمسجونه مهما لطف، لأنه يذكرهم بالفضيلة حين ارتكابهم الرذيلة، ويشعرهم بأنهم الوضعاء وهو الرفيع، وأنه العين الناقدة، وانه الرقيب عليهم، وأنه العادّ لسقطاتهم، وأنه المحتفظ بقوته وإدراكه عند ضعف إرادتهم،كل هذا يشعرهم بالضّعة فيكرهونه ويبدؤون بالإلحاح عليه أن يشرب لا حباً فيه ولكن حباً لأنفسهم،وإبعاداً لشعورهم بضعتهم، ولا يزالون يستحلفونه حتى إذا نجحوا أمنوا الشعور بالضعة، وإذا فشلوا مقتوه، ومقتوا جلوسه بينهم، لأنه نغّص عليهم بهجتهم، ومن أجل هذا أحبوا أن يسمعوا ادب الخمر، وأحبوا أن يسمعوا من يفلسف لهم الحياة، وأنها ليست إلا متعة الساعة وشهوة الوقت، فإذا تجاوز المحدّث ذلك إلى انه لا يعبأ بحرام ولا حلال وأنه يقول كما قال ابو نواس:

فإن قالوا حرامٌ قل حرامٌ                      فإنّ لذاذة العيش الحرام

فذلك عندهم أظرف وافكه لأنه اجتث الشعور بالضعة من جذوره، هذا هو سبب العداء دائماً بين الفضيلة والرذيلة أو بين الفاضل والرذل، وهذا هو السبب في أن الرذل يكره الفاضل اكثر مما يكره الفاضل الرذل”.

ولا يقتصر الأمر على مجرد الأتهام وأذى اللسان ، بل السنان من خلال “العوام”والجهال، بل إن أقرب المقربين إلى الدعاة قد يكونون من أشدّ الحاقدين والمتآمرين عليه، والقرآن الكريم يوضح لنا أن زوجة لوط وزوجة نوح كانتا من أشدّ أعدائهما والساخرين من دعوتهما: {ضربَ اللهُ مثلاً للذين كَفروا امرأتَ نُوحٍ وامرأتَ لُوطٍ كانتا تحت عبدينِ من عِبادِنا صَالحينِ فخَانتَاهما فلم يُغنِيا عَنهُما من الله شيئاً وقِيلَ ادخُلا النَّارَ مع الداخلين}[التحريم10]،وأن والد إبراهيم آزر توعده بالطرد والعذاب، وأن عم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أبا لهب كان من أشد أعدائه والناقمين عليه، وأن أبا بكر الصديق وابنه، وأبا عبيدة بن الجراح ووالده التقوا في ساحة القتال، فريق مع أصحاب الجنة وفريق مع أصحاب السعير،وتوضح لنا السيرة النبوية كيف أن والدة مصعب بن عمير سجنته ومنعت عنه الطعام، وأن والدة سعد بن أبي وقاص وكان باراً بها جداً كانت في صفوف أعدائه، روى الترمذي عند تفسير الآية الكريمة:{وَوَصّينا الإنسانَ بوالديهِ حُسناً وإن جَاهداكَ لِتُشرِكَ بي ماليسَ لكَ بهِ عِلمٌ فلا تُطِعهُما إليّ مَرجِعُكم فأُنَبِّئكُم بما كُنتُم تعملون} [العنكبوت 8]، قال: “إنها نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأمه حمنة بنت أبي سفيان وكان باراً بأمه، فقالت له:ماهذا الدين الذي أحدثت، والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت، فتتعير بذلك أبد الدهر، يُقال: يا قاتل أمه! ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب، فجاء سعد إليها وقال: يا أماه، لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني، فكلي إن شئت، وإن شئت فلا تأكلي، فلما أيست منه أكلت وشربت، فأنزل الله هذه الآية آمراً بالبر بالوالدين والإحسان إليهما وعدم طاعتهما بالشرك”.

يقول الأستاذ الشيخ محمد الغزالي رحمه الله محذراً من إعطاء العوام السلطة والتحكم في أمور الحق والعدل وإن كانوا هم الأكثرية(جدد حياتك ص224):

“وكل مانوصي به ألا تُعطى العامة فوق مالها من حقوق عقلية أو خلقية، فإن مستويات الجماهير لاتتحكم في تقرير الحق أو تحديد الفضيلة، بل تؤخذ الحقائق والفضائل من ينابيعها الأصلية دون مبالاة بالجاهلين لها أو الخارجين عنها ولو كانوا ألوفاً مؤلفة، وعلى الرجال الكبار أن يبنوا سلوكهم فوق هذه الأسس فلا يتبرموا بالنقد المثار أو يقلقوا لكثرة الهجّامين والشّتامين، جاء في الحديث الشريف:”لايكن أحدكم إمعّة، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أسأوا اسأت، ولكن وطّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تُحسنوا وإن اسأوا أن تجتنبوا إساءتهم” [أخرجه الترمذي]، ويقول تعالى: {وإن تُطِع أكثرَ من في الأرضِ يُضِلّوكَ عن سبيلِ الله إن يَتّبعونَ إلا الظَّنَّ وإن هُم إلا يَخرُصُون}[ الأنعام 116].

والأشدّ من هذا أن الداعية قد يواجه فتنة الأهل والأحباب الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه وهو لا يملك له دفعاً، وقد يهتفون به ليسالم أو يستسلم، وينادونه باسم الأسرة والقرابة، وباسم الأبوة والأمومة والأخوة، واتقاء الله في الأرحام أن لايعرضهم للأذى أو الهلاك… وليس الواقع المعاصر عنا ببعيد أو غريب! وعندها يقف الداعية وحيداً غريباً، يرى كل ما حوله وكل من حوله غارقاً في تيار الضلالة، ممعناً في العماية، وهو وحده غريب طريد، إنها والله فتنة ما أشدّها من فتنة، وابتلاء ما أصعبه من ابتلاء.

3ـ علماء السوء:

أو مايسمى علماء السلاطين، وهم من أشدّ أعداء دعاة الحق وطُلاب العدل، وأنصار النور.هم أناسٌ شايعوا أهواء النفوس، وصانعوا أهل النفوذ،وجَروا في تمكين أمورهم وتحقيق مطامعهم على الضراعة والملق والتزيف والرياء. هم أناسٌ استأنسوا بوحشة الباطل واستوحشوا أُنس الحق، هوىً وضلالاً وغروراً، رغبةً في مصلحة زائفة أومنفعة زائلة.

قوم تجدهم في كل عصر ومِصر وقصر.باعوا دينهم بدنيا غيرهم. فلبئس الشاري والمشتري، واشتروا متاع الدنيا الفاني بنعيم الآخرة الباقي، فلبئس القاني والمقتني.اتخذوا العلم مطية لتحقيق شهواتهم ومآربهم الشخصية، وكان الحقُّ منيعاً بالدين فابتذلوه بالدنيا،وعزيزاً بالعلم فأذلوه بالمال، ومستقلاً في حِمى الله فأخضعوه لهوى الحكام،وكان الدين جلالةً تغشى العيون وقداسةً تملأ الصدور فجرّوا عليه سخرية العوام وتسلط الحكام،

أصدروا الفتاوى عن هوى، أو حسد، أو غفلة، أو ضلال،بحقّ الفئة المؤمنة الداعية الواعية، واستغلوا الإسلام، والإسلام منهم براء.

لم يستخدموا علمهم ومعرفتهم في نصر دينهم، بل في تحقيق رغباتهم وتحصيل شهواتهم، ولم ينصروا دعاة الحق، بل تألبّوا عليهم لينصروا أصحاب السلطان الباطل، والملك الزائل،أحقّوا الباطل، وأبطلوا الحقّ طمعاً في رضا سلطان فان،أو منصب زائل، أو غرض زائف.

هم قدماء معاصرون، تجدهم في كل زمان ومكان،ولعلّ ابرز دعاتهم وأفضل قدواتهم بعض أحبار اليهود والنصارىالذين عرفوا الحق وتنّكبوا له،أو جهلوه، فضّلوا وأضّلوا، واشتروا برسالاتهم ثمناً بخساً، فحقّ عليهم العذاب في الدنيا والأخرة، يقول الإمام العظيم ابن القيّم رحمه الله: “انقسم الناس بحسب معرفة الحق والعمل به ثلاثة أقسام، لأن العبد إما أن يكون عالماً بالحق أو جاهلاً به. والعالم بالحق إما أن يكون عاملاً بموجبه أو مخالفاً له.فهذه اقسام المكلفين لا يخرجون عنها البتة.فالعالم بالحق العامل به هو المُنعَم عليه وهو الذي زكّى نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وهو المفلح:”قد أفلح من زكّاها، والعالم به المتبع هواه هو المغضوب عليه، والجاهل بالحق هو الضال. والمغضوب عليه ضال عن هداية العمل، والضال مغضوب عليه لضلاله عن العلم الموجب للعمل، فكل منهما ضال مغضوب عليه، ولكن تارك العمل بالحق بعد معرفته أولى بوصف الغضب واحقّ به، ومن ههنا كان اليهود أحق به: {بِئسَما اشتَروا بهِ أنفُسَهُم أن يكفُروا بما أنزلَ اللهُ بَغياً أن يُنَزِّلَ اللهُ من فضلهِ على من يشاءُ من عبادهِ فباؤوا بغضبٍ على غضب وللكافرينَ عذابٌ مهين} [البقرة 90]، والجاهل بالحق أحقّ باسم الضلال، ومن هنا وصفت النصارى به: {قُلْ يا أهلَ الكتابِ لاتَغلُوا في دينكُم غيرَ الحَقِّ ولا تَتبّعُوا أهواءَ قومٍ قد ضَلّوا من قَبلُ وأضَلُّوا كثيراً وضَلُّوا عن سواءِ السبيل}  [المائدة 77].

ويقول الدكتور حسن هويدي رحمه الله(الوجود الحق 117):

“من المعلوم البديهي أن المرء لايسلم بأمر، مالم يطّلع عليه ويثبت لديه، إذن فعلمه شرط للقناعة والتسليم، فالسبب الأول من أسباب الضلال هو الجهل، ولقد ضلّ كثير من الناس جهلاً، لم يصل إلى مسامعهم بلاغ، ولم يلجؤوا بأنفسهم إلى علمه وبرهانه. وشر أنواع الجهل إذا اقترن بالاعتزاز بالنفس أوظن العلم،فجال صاحبه وصال في ميادين العلم والفلسفة والفن والتربية فكان خطراً على نفسه وغيره:{ومِنَ النّاسِ من يُجادِلُ في الله بغيرِ علمٍ ولا هُدىً ولا كتابٍ مُنير* ثَانيَ عِطفِهِ لِيُضِلَّ عن سبيلِ الله لهُ في الدُّنيا خِزيٌ ونُذِيقُهُ يومَ القيامةِ عذابَ الحريق}[الحج8ـ 9].

والبون شاسع،والفرق واسع بين علماء الآخرة وعلماء الدنيا:

فعلماء الآخرة كانوا يتجنبون صحبة السلطان، ويمتنعون عن أخذ أُعطياته، ولا يستجيبون لرغباته وغير حريصين على كسب مرضاته.أرسل أبو جعفر السفاح إلى المحدث والفقيه العظيم سفيان الثوري رحمه الله، فلما دخل عليه قال: سلني حاجتك يا أبا عبد الله؟ قال: وتقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: فإن حاجتي إليك ألا ترسل لي حتى آتيك،ولا تعطني شيئاً حتى أسألك، ثم خرج. فقال أبو جعفر: القينا الحبّ إلى العلماء فلقطوا إلا ما كان من سفيان الثوري، فإنّه أعيانا فراراً… وفي هذا يقول الإمام سفيان الثوري:ما أخاف من إهانتهم لي، وإنما أخاف من إكرامهم فيميل قلبي إليهم.وبعث أبو جعفر السفاح إلى الإمام جعفر الصادق رسالة يقول فيها: لماذا لا تزورنا كما تزور الناس؟ فردّ عليه جعفر بقوله: ليس لنا في الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك من الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنئك بها، ولا في نقمة فنعزيك بها. فبعث إليه: تصحبنا لتنصحنا، فرد عليه جعفر الصادق: من يطلب الدنيا لا ينصحك، ومن يطلب الآخرة لا يصحبك!!

وسأل سليمان بن عبد الملك التابعي الجليل أبا حازم فقال له:هل لك أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك؟ قال: كلا، قال: ولم؟! قال: إني أخاف أن أركن إليكم قليلاً، فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات، ثم لا يكون لي منه نصير. قال: يا أبا حازم، ارفع  إليّ حاجتك. قال: نعم! تُدخلني الجنة وتُخرجني من النار. قال: ليس ذلك إليّ. قال: فما حاجة لي سواها. قال: يا أباحازم أوصني. قال: نعم، سوف أُوصيك وأوجز: نزّه الله تعالى وعظّمه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك.قال سليمان: يا أبا حازم هذه مئة دينار، أنفقها ولك عندي أمثالها كثير. فرمى بها وقال: والله ما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي؟ إني أعيذك بالله أن يكون سؤلك وإياي هزلاً وردي عليك بذلاً!إن كانت هذه المئة دينار عوضاً عما حدثتك فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحلّ منها، وإن كانت من مال المسلمين فلا حاجة لي فيها. إن بني إسرائيل لم يزالوا على الهدى والتقى حتى كان أمراؤهم يأتون إلى علمائهم رغبة في علمهم، فلما نُكسوا وسقطوا عند الله تعالى وآمنوا بالجبت والطاغوت، كان علماؤهم يأتون أمرائهم ويشاركونهم في دنياهم..

ويقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله: “إن الظلمة في العصر الأول لقرب عهدهم بزمن الخلفاء الراشدين. وكانوا مستشعرين ظلمهم، ومتشوقين إلى استمالة قلوب الصحابة والتابعين، وحريصين على قبولهم عطاياهم وجوائزهم، وكانوا يبعثون إليهم من غير سؤال أو إذلال، بل كانوا يتقلدون المنّة بقبولهم ويفرحون به، وكانوا يأخذون منهم ويُفرقون،ولا يطيعون السلاطين في أغراضهم ولا يغشون مجالسهم،ولا يكثرون جمعهم، ولا يحبون بقاءهم، بل يدعون عليهم، ويطلقون اللسان، وينكرون المنكرات”.

أما علماء الدنيا فإنهم يسعون إلى صاحب السلطان وإن لم يسعَ إليهم،تراهم أفواجاً على بابه ينتظرون، ولمرضاته يسعون، ولرغباته يحققون، يستذلهم فلا يأنفون، ويمتهنهم فلا يكترثون أو يبالون.

مر الحسن البصري رحمه الله بباب الأمير ابن هبيرة، فإذا هو بالقُرّاء على الباب، فقال: ما يجلسكم ههنا؟ تريدون الدخول على هؤلاء الخبثاء، أما والله ما مجالسهم بمجالس الأبرار. تفرّقوا فرّق الله بين أرواحكم وأجسادكم! قد شمرتم ثيابكم، وجززتم شعوركم، فضحتم القراء فضحكم الله، أما والله لو زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم، لكنكم رغبتم فيما عندهم فزهدوا فيما عندكم..

ويقول الإمام الجليل سعيد بن المسيب رحمه الله: ” إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فاحذروا منه فإنه لص”، ويقول الإمام جعفر الصادق رحمه الله: “الفقهاء أمناء الرسل، فإذا رأيتم الفقهاء ركنوا إلى السلاطين فاتهموهم”.

وعلماء الآخرة تراهم زاهدين في الدنيا ومافيها، تسعى إليهم ولايسعون إليها، تُجبى إليهم اموالها فيوزعونها، ولا يهتمون بزخارفها وزينتها، رضوا بالقليل احتساباً وطمعاً بالعظيم الجزيل عند رب العالمين،يعيشون على النذر النذير، ويقدمون الخير الكثير، ولذا أحبهم الناس ووقرّهم السلاطين.

دخل محمد بن سليمان أمير البصرة على حماد بن سلمة وقعد بين يديه يسأله، فقال له: يا أبا سلمة مالي كلما نظرت إليك ارتعدت فرقاً؟! قال حماد: حدثني ثابت البناني قال: سمعت أنساً يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنّ العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شئ، وإذا أراد أن يكنز الكنوز هابَ كل شئ”. ويقول الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله: “إن العلماء ورثة الأنبياء، فإذا كانوا على طمع فبمن يقتدى؟ ويقول أيضاً: من شرط العالم أن لاتخطر محبة الدنيا على باله،ويقول أيضاَ:كيف يدّعي رجل أنه أكثر علماً وهو أقلّ خوفاً وزهداً.وينسب إلى عمر الفاروق رضي الله عنه أنه قال: “يا أهل العلم والقرآن لا تأخذوا للعلم ثمناً فتسبقكم الدناءة إلى الجنة”.

أما علماء الدنيا فتراهم يسعون جاهدين لاهثين في جمع الأموال وامتلاك الضيع والعقارات، وأصبحوا أرباباً للمؤسسات والشركات، يتعاملون بالحلال والحرام، ويأكلون أموال الأيتام، استولوا على أموال الأوقاف ووزعوه بينهم وبين أنصارهم وأقاربهم والحكام، لم يردعهم علم ولا معرفة، ولم يوقف جشعهم خوف من الله أو خشية،اتخذوا الدين مطيّة لأغراض الدنيا وشهوات النفس وخدمةلشياطين الأنس.جاء في العقد الفريد(ج2 ص80): “قال عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم: “سيكون في آخر الزمان علماء يزهدون في الدنيا ولايزهدون ويرغبون في الآخرة، ينهون عن إتيان الولاة ولاينتهون،يقربون الأغنياء ويبعدون الفقراء، ويتبسطون للكبراء، وينقبضون عن الفقراء، أولئك إخوان الشياطين وأعداء الرحمن”.

ويقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله : “شرار الناس صنفان: عالم يبيع دينه لحاكم، وحاكم يبيع آخرته بدنياه”. يقول المعري:

صُمْ ثم صلِّ وطُفْ بمكة زائراً            سبعين لا سبعاً فلست بناسكِ

جهل الديانة من إذا عرضت له          أطماعه، لم يُلفَ بالمتماسكِ

وقال أخر:

ما أقبح التزهيد من واعظٍ                    يُزهّد الناس ولا يزهدُ

لو كان في تزهيده صادقاً                       امسى وأضحى بيته المسجدُ

ويرفض الدنيا ولم يقنها                         ولم يكن يسعى ويسترفدُ

وعلماء الآخرةتراهم قد عَزّوا بعلمهم،ووُقّروا لتقواهم، يسعى إليهم الصغير والكبير، ويحترمهم القريب والبعيد، هم مصابيح الدنيا، ومشاعل الحرية، وأنوار الدين، لايخافون في الله لومة لائم،ولايطيعون مخلوقاً ـ مهما علا شأنه ـ في معصية الخالق، أقوالهم قوانين يُعمل بها،وأعمالهم سُنن يُقتدى بها،هم كما قال أحد الصالحين: “إن العلماء الذين يخشون الله هم الذين إذا علموا حراماً اجتنبوه،وإذا علموا واجباً بادروا إليه،وإذا علموا مكروهاً تنّزهوا عنه، أولئك هم الناجون عند الله، وهم الذين يحتاج إليهم المجتمع، ويندى بهم وجه الحياة على الأرض، وبهم تخف مصائبها، وتضئ دياجيرها، وتذل صعابها،وتحلّ مشكلاتها،يستقيم معوجها،وينتصف مظلومها،فما أشبههم بواحة خضراء في صحراء قاحلة أو ينبوع عذب في أرض جرداء يأوي إليهم كل مضنى ساغب، وكل ضال حائر”,

أما علماء الدنيا فقد ذلوا وهانوا،صغروا عند الصغير والكبير،وحُقّروا من قبل الجليل والحقير،أعمالهم نافت أقوالهم،وجشعهم أوداهم حتفهم،فُضحوا في الدنيا،فكيف حالهم في الآخرة؟!

يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: |لو أن أهل العلم صانوه لسادوا به أهل زمانهم،ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا دنياهم فهانوا على أهلها”،ويقول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: “أحمق الناس رجل باع آخرته بدنيا غيره”، ويقول التابعي الجليل سعيد بن المسيب رحمه الله: “إن العلماء لا يذلون إلا إذا احتاجوا إلى أموال الملوك”، ويقول الخليفة عمر الفاروق رضي الله عنه: “إنّ أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم! قالوا: وكيف يكون منافقاً عليماً؟ قال: عليم اللسان، جاهل القلب والعمل”، وقال أخر” آفة هذه الأمة فساد أمرائها وجبن علمائها”.

ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله: “من استغنى بالله عن الملوك والرؤساء كان في نفسه أكبر من الملوك والرؤساء، ومن استغنى بالملوك والرؤساء عن الله كان في دنياه وأخرته أحقر الناس وأذل الناس واضيع الناس”.

وعلماء الآخرة كانوا للسلطان ناصحين، يقولون الحق ولو كان على حساب أرواحهم، ويحمون الرعية من ظلم الحاكم، أو بطش الوالي، أو خيانة القاضي،أو غدر أصحاب الجاه والسلطان، وكانوا يحمون العقيدة والشريعة من تحريف المبطلين، وتشويه المنحرفين،وعدوان الظالمين،تجردوا عن حظوظ النفس وشهواتها،واستهانوا بالأخطار في سبيل الله عز وجل،كانوا أولياء الناس في أرواحهم وأعراضهم وأملاكهم،وكانوا خلفاء الله على الأرض يسعون إلى الإصلاح ما أمكن،ويدرؤون الفساد ما أمكن.

انظر إلى سيد التابعين الإمام الحسن البصري رحمه الله عندما تسلم الخليفة الراشد عمر بن عبد العزير مفاتيح الخلافة وتقلد مقاليد الحكم واستنصح الإمام الحسن البصري فنصحه بكلمات من نور يجب أن تكون أمام عين كل حاكم أو ملك أو خليفة إذا أراد أن يحكم بما أنزل الله ويُرضي الله ورعيته في حكمه، يقول الإمام الحسن البصري: “اعلم  يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل سائل، وقصد كل حائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف.والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المراعي،ويذودها عن مراتع المهلكة، ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحرّ والقرّ.والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح، تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده.هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويُسمعهم، وينظر إلى الله ويُريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم، فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكّكَ الله كعبد  ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله فبدّد المال وشّرد العيال فأفقر أهله وفرّق ماله.واعلم ياأمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها، وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم! واذكر يا أمير المؤمنين الموت ومابعده، وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه،فتزّود له ولما بعده من الفزع الأكبر،واعلم أن لك منزلاً غير منزلك الذي أنت فيه، يطول فيه ثواؤك، ويفارقك أحبابك، يسلمونك في قعره فريداً وحيداً،فتزوّد له ما يصحبك يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه،فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل.لاتحكم يا امير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهل ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين، فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمّة، فتبور بأوزارك وأوزار من معك، وتحمل اثقالك وأثقالاً مع أثقالك” .

وكتب الإمام الأوزاعي إلى أبي جعفر المنصور(السفاح) الخليفة العباسي: “اما بعد،فعليك يا أمير المؤمنين بتقوى الله عز وجل، وتواضع يرفعك الله تعالى يوم يضع المتكبرين في الأرض بغير الحق، واعلم ان قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تزيد حق الله إلا وجوباً”.

وجاء في العقد الفريد لإبن عبد ربه: عن مالك بن أنس قال: بعث أبو جعفر المصور إليَّ وإلى ابن طاووس فأتيناه فدخلنا عليه، فإذا هو جالس على فُرش قد نُضدت، وبين يديه أنطاع قد بُسطت، وجلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق.فأومأ إلينا أن اجلسا فجلسنا، فأطرق عنا طويلاً، ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاووس فقال له: حدّثني عن أبيك؟ قال: نعم، سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إنّ أشدَ الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه، فأدخل عليه الجور في عدله” فأمسك المنصور ساعة، قال مالك: فضممت ثيابي من ثيابه(أي ثياب ابن طاووس) مخافة ان يملأني من دمه.ثم التفت إليه أبو جعفر فقال: عظني ياابن طاووس، قال: نعم يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يقول:{ألم ترَ كيفَ فعلَ رَبُّكَ بعادٍ* إرمَ ذاتِ العماد* التي لم يُخلق مِثلُهَا في البلاد*وثَمودَ الذين جابوا الصَّخرَ بالواد*وفرعونَ ذي الأوتاد* الذين طَغَوا في البلاد* فأكثرُوا فيها الفساد*فَصَبَّ عليهم رَبُّكَ سَوطَ عذابٍ*إنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد}قال مالك: فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأني من دمه. فأمسك المنصور ساعة حتى اسوّدَ مابيننا وبينه، ثم قال: ياابن طاووس ناولني هذه الدواة، فأمسك ابن طاووس عنه، ثم قال المنصور: ناولني هذه الدواة.. فأمسك عنه، فقال أبو جعفر: مايمنعك أن تناولنيها؟ قال: أخشى أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها. فلما سمع ذلك قال: قوما عني. قال ابن طاووس: ذلك ما كنا نبغي. قال مالك: فمازلت أعرف لإبن طاووس فضله.

وسلطان العلماء العزبن عبد السلام عندما سأله احد تلامذته بعد مواجهة السلطان ايوب: أما خفت السلطان؟! فأجابه: استحضرت في قلبي خشية الله فصار السلطان في عيني كالقط.وعندما توفي رحمه الله التفت السلطان إلى بعض خواصه وقال: اليوم فقط طاب ملكي!!

وانظر إلى ماقاله الإمام الحسن البصري رحمه الله لوالي البصرة عمر بن هبيرة، الذي استفتاه في أمر يطيع به السلطان ويعصي به الرحمن، فقال له: “ياابن هبيرة اتق الله،فإنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين يزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، فتدع سلطانك ودينك خلف ظهرك وتقدم إلى ربك وتنزل على عملك.ياابن هبيرة: إن الله ليمنعك من يزيد، وإن يزيد لايمنعك من الله،وإن أمر الله فوق كل أمر وأنه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق،وإني أحذرك بأسه الذي لا يُرد عن القوم المجرمين.ياابن هبيرة:الحساب من ورائك سوط بسوط وغضب بغضب والله بالمرصاد. ياابن هبيرة:إنك إن تلق من ينصح لك في دينك ويحملك على آخرتك خير من أن تلقى رجلاً يغريك ويمنيك”.

وجاء في كتاب قلائد الجواهر: لما ولّى المقتفي لأمر الله القضاء يحيى بن سعيد المظفر المشهور بابن المزاحم الظالم قال له الشيخ عبد القادر الجيلاني في خطبة الجمعة: “وليّتَ على المسلمين أظلم الظالمين، ماجوابك غداً عند ربِّ العالمين، أرحم الراحمين؟! فارتعد الخليفة وبكى وعزل القاضي المذكور.

وهل ننسى موقف إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه عندما سئل عن طلاق المُكره وهو يعلم ما يقصد السائل،فإنه يعني يكره الولي الأمة فلا تجد مخرجاً إلا اليمين هرباً من العذاب الأليم،فقال قولته المشهورة: طلاق المكره لايقع..وعُذِّبَ بالسياط وضُرب حتى خلعت كتفه، وطيف به في الأسواق وهو يقول مع هذا: طلاق المكره لايقع.ومثله موقف الإمام احمد بن حنبل رضي الله عنه مع الخليفة المامون في موضوع خلق القرأن وكيف عُذّب وسجن وبقي على موقفه جزاه الله عن الإسلام والمسلمين كل خير.

وهل ننسى موقف التابعي الجليل سعيد بن جبير مع الحجاج الطاغية الظالم الذي قتله فسقط شهيداً بل سيداً من سادة الشهداء.

اما علماء الدنيا وما أكثرهم في هذا العصر، وما أبشع طرائقهم،وأفدح جرائمهم ،تجدهم في كل مكان يتملقون السلطان ويتزلفون الحكام،يُحسّنون القبيح ويُقبّحون الحسن،ويجعلون المنكر معروفاً، والمعروف منكراً،ويصدرون الأحكام التي تنافي الشرع، وتسخط الله وتلحق العذاب والهوان في حق الرعية والناس.

سئل أحدهم من أشعر الناس قال الذي يصوّر الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل، بلطف معناه ودقة فطنته، فيقبّحُ الحسن الذي لا أحسن منه، ويحسّن القبيح الذي لا أقبح منه.

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(فصول إسلامية ص257ـ 258):

“فأنا أستطيع (إن تركت ديني وأخذتها على أنها قضية بيان) أن أحسّن القبيح وأُقبّح الحسن، وأن أقيم الدليل على وجوب هدم المآذن لأنها لم تكن في أول الإسلام، ولأنها تكشف عورات الناس، ولأن مكبرات الصوت تغني عنها، وعلى ضرورة منع الآذان لأن الناس كلهم عندهم ساعات يعرفون بها الأوقات، والأذان يزعج المرضى والنائمين، ويُسوئ الإسلام في عيون السياح والأجانب،ومن مصلحة الإسلام تحسينه في عيونهم ليدخلوا فيه، وعلى لزوم منع طبع المصاحف عشر سنين لأن نسخها اليوم كثيرة وكثرتها تؤدي إلى تعطيلها وإهمال القراءة فيها واتخاذ هذا القرآن مهجورا، وعلى جواز تحويل المساجد إلى مدارس لأن الصلاة تجوز في كل مكان، والتعلم لا يكون إلا في بيوت مخصصة له ومقصورة عليه،ثم نجعلها بعد المدارس نوادي للمحاضرات ثم مسارح للتمثيل، أعني التمثيل الأخلاقي! وكذلك ننقض عرى الإسلام عروة عروة بمثل هذا المنطق الشيطاني ، وللشيطان مداخل عجيبة، وقد يحاول هدم الدين بحجة الدفاع عنه، وقد يسخر لذلك جماعة من المتسّمين بالعلم والصلاح كما سخّر شيخاً من الشام فأفتى بسقوط فريضة الحج بحجة أنه لابد فيه من الخضوع لقوانين الكفار، من لصق الصورة على الجواز، واتباع طرق المكوس..وسخر أخر فأفتى بأنه لازكاة في النقد الورقي ولاربا، فأسقط الزكاة وأحلّ الربا وهو يظن أنه يقرر أحكام مذهب الشافعي، وثالث في مصر كاد ينسخ وجوب الصيام، والرابع من بُلغّت انه يقول لاصلاة إلا عند التمكين في الأرض..”.

ومن علماء السوء من سيطر عليه لؤم مغرسه وخبث عنصره، وأقام على خساسته ينافح عن لؤمه ويدّعي الشرف للحاكم ليحظى بمنزلة الشرف عنده، ويظهر الحقد والبغضاء لدعاة الحق بتنقصهم والاستهزاء بهم وإلحاق أشد الضرر بهم وبأسرهم، ويستفرغ مجهوده في إظهار مثالب الدعاة ومناقب الحكام،يؤولون الآيات والأحاديث حسب هواهم وهوى السلطان، وإن احتمل التأويل عدة معان صرفه إلى مايرضيه ويرضي سلطانه،من أجل متاعٍ رخيص وعيشٍ بئيس. يقول تعالى: {وإنَّ مِنهُم لفريقاً يَلوُون ألسِنَتَهُم بالكتابِ لِتَحسبُوهُ من الكتابِ وماهُو منَ الكتابِ ويقولونَ هوَ من عندِ الله وماهوَ من عندِ الله ويقولونَ على الله الكَذِبَ وهم يعلمون} [آل عمران 78].

يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله(عيون الأخبار لابن قتيبة كتاب العلم باب القرآن): “من العلماء قوم حفظوا حروفه، وضيّعوا حدوده، واستدروا به الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم. وقد كثر هذا الضرب في حملة القرآن لاكثّرهم الله”، ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله: “وكم رأينا الفكر والعلم مطية للأغراض والمنافع الحقيرة، بل كم رأينا من العلماء بالإسلام نفسه من يضعون أنفسهم  في خدمة أعداء الإسلام، ويحاربون أوليائه، ويشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، مكسباً أو منصباً، أو مالاً أو جاهاً أو عَرَضاً زائلاً ومتاعاً فانياً من متاع هذه الدنيا”

يقول الله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولاتكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس مايشترون}[آل عمران 187]، يقول الأستاذ عصام العطار معقباً على هذه الآية، وكيف أن بعض العلماء يكتمون الحق وما استودعوا من العلم تجاه بعض الحكام الذين يُحرّفون الإسلام أو يشتمونه دون تهيب ولا وجل: “لقد كان في قلوبهم خشية المخلوق، ولم تكن في قلوبهم خشية الخالق، فسكتوا عن الباطل، وعجزوا عن إعلان كلمة الحق، ولو كان في قلوبهم خشية الخالق لا المخلوق، لكان لهم موقف آخر يشمخ فيه الحق ويخنس فيه الباطل وتهتز له أعطاف العالم الإسلامي، ويردد صداه التاريخ غلى مدى بعيد”.

نعوذ بالله من هؤلاء العلماء كما قال الإمام العظيم سفيان الثوري” تعوذوا بالله من فتنة العابد الجاهل والعالم الفاجر فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون”. نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ماينفعنا.

3ـ ذوو الجاه والسلطان:

إنّ فرعون والذي يمثل طغيان السلطة وجبروت الحاكم، والذي كان يرتكب أبشع الجرائم، لم يكن وحده في مواجهة موسى وهارون، وما جاءا به من الحق والبينات، بل كان معه زبانيته وأزلامه وأعوانه ومنهم هامان وزيره وقائد جنده، المدّبر لمكائده والمعين له على ظلمه وبطشه،وكان معه قارون والذي كان من قوم موسى والذي تحالف مع فرعون ضد قومه وأصحاب عقيدته، وكان يمثل الجشع المادي والمطمع الدنيوي فبغى على موسى وقومه بثروته وعلمه وسخرها لخدمة فرعون والباطل ولم يستمع لنصح الناصحين بعدم البغي والفساد.يقول تعالى: {وقَارُونَ وفِرعونَ وهامانَ ولقد جاءَهُم موسى بالبَيِّناتِ فاستكبروا في الأرضِ وما كانوا سابقين}[العنكبوت 39].

وقال تعالى:  {ولقد أرسلنا موسى بأياتنا وسلطانٍ مبين *إلى فِرعونَ وهامانَ وقارونَ فقالوا ساحرٌ كذَّاب}[غافر 23ـ  24]

أضف غلى ذلك الملأ من قوم فرعون الذين كان يستشيرهم ويُشيرون عليه، وكانوا اصحاب الجاه والمراكز والنفوذ من أسرته وأقاربه وأعوانه وزبانيته، والذين ارتبطت مصالحهم بمصلحة فرعون:{وقال الملأُ من قومهِ الذين كَفروا وكذَبوا بلقاءِ الآخرةِ وأترفنَاهُم في الحياة الدنيا} [المؤمنون 33].

وهؤلاء جميعاً اي الثالوث الجبروت المتمثل في سلطة الطاغية الحاكم،وسلطة الجشع المادي، وسلطة الملأ من أصحاب النفوذ تجدهم في كل زمان ومكان، وفي كل عصر ومصر وقصر، يحاربون دعاة الحق ويواجهونهم بكل الوسائل، ويقاتلوهم بكل الأساليب:

فمنها التكذيب:{قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين} [الأعراف 60]، ومنها التشهير: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه إنا لنراك في سفاهة} [الأعراف 66]،{قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم} [الأعراف 109].

وقد يصل الأمر إلى حد القتل إن لم ينفع الإبعاد والنفي والسجن والتعذيب: { قال ياموسى إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين} [القصص 20].

إن هذا مايجب على دعاة الحق فهمه ووعيه، إن اصحاب السلطة والنفوذ والمال ليسوا وحدهم في مواجهتهم ومحاربتهم بل معهم ايضاً من يحاربهم في مصالحهم واهوائهم من كبار التجار وقادة الجيش المفسدين وأصحاب السلطة والهوى والمنفعة، وعندما يتصدى دعاة الباطل لدعاة الحق، ويتصدى أدعياء الشر لأنصار الحق والنور،يهب لحمايتهم ونصرتهم المستغلون والمستكبرون والطغاة الغاة العتاة، والمستهزئون والمنحلون أصحاب الشهوات وأنصار الإنحلال، وهذا الواقع قديم جديد، عهدناه ونعهده وسوف نشاهده في كل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فلقد تماثلت أساليب أصحاب الباطل قديماً وحديثاً في مهاجمة دعوة الحق والصد عنها حتى لكأنّ أولهم اوصى أخرهم: {كَذلِكَ ماأتَى الذينَ من قَبلِهم من رسُولٍ إلا قالوا ساحرٌ أو مجنونٌ* أتَواصَوا به بل هُم قومٌ طاغون}[الذاريات 52ـ 53]، وقال تعالى: {مايقال لك إلا ماقد قيل للرسل من قبلك}[فصلت 42].

فهي جبلة واحدة، وطبيعة واحدة للمُكذبين في التعامل مع دعاة الحق وكأنّهم تواصوا بذلك،وماتواصوا بشئ من هذا ، إنما هي طبيعة الطغيان وتجاوز الحق تجمع بين الغابرين واللاحقين.

إنّ الباطل قديمه وحديثه يتبّع نفس الأساليب في محاربة الحق وأعوانه، معتمداً على نفس الأعوان والأنصار، لايتغير ذلك بتغير الزمان ولابتبدل المكان.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في “الظلال”:

“والمؤمن ذو نسب عريق ضارب في شعاب الزمان، إنه واحد في ذلك الموكب الكريم الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم: نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى ومحمد عليهم صلوات الله وسلامه: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} [الأنبياء 92]، هذا الموكب الكريم الممتد في شعاب الزمن من قديمه وحديثه، يواجه مواقف متشابهة وازمات وتجارب متشابهة على تطاول العصور وكر الدهور،وتغير المكان وتعدد الأقوام، يواجه الضلال والعمى والطغيان والهوى والاضطهاد والبغي والتهديد والتشريد”.

وقوى الباطل مهما اختلفت مذاهبها وتعددت مشاربها، وتنوعت أهوائها، تلتقي دوماً وتوحد جهودها في مواجهة دعاة الحق، ناسية مابينها من الخلاف والخصام،يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:”إن الذي يخدم الإسلام ويلتزم خطه المتميز ويدعو الناس إليه،ويكشف لهم الحقائق ويبين لهم الأمور،ويأخذ بأيديهم بأمانة وصدق،يجتمع على محاربته والكيد له أعداء الإسلام ومستغلوه معاً، وإن افترقت بهم السبل في المجالات الأخرى، واشتدّ بينهم الصدام، لأن أعداء الإسلام يدركون أن الإسلام الحقيقي كما أنزله الله عز وجل هو وحده الذي يستطيع أن يسد عليهم الطريق ويوقع بهم الهزيمة لا إسلام الشعارات والعناوين، ولأن مستغلي الإسلام يدركون أن انكشاف الإسلام على حقيقته للناس واستبانة خطه المتميز المستقيم وإمساك رجاله الصادقين بزمام التوجيه سيقطع عليهم طريق استغلال الإسلام والمسلمين،واستخدامهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، كما سيكشف انحرافهم وزيف ما يرفعونه من شعارات وعناوين”.

نعم، إن الصدام لابد واقع بين الحق والباطل،فالباطل وضيع والحق سامٍ رفيع، والباطل ضئيل حقير، والحق أصيل قديرن وبما أن الظلام والضياء لا يجتمعان، كذلك فإن الحق والباطل لا يتفقان.

يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(فيض الخاطر ج1 ص201):

“ولعل كثيراً من صفحات التاريخ المملوءة باضطهاد العلماء وقتل النبغاء، واغتيال الأبطال تستر وراءها هذا السر الكامن الخطير وهو أن الاضطهاد والقتل والاغتيال كان سببه الخفي شعور المدبرين بضعفهم أمام هؤلاء العظماء”.

نعم، إن طريق الدعوة إلى الله هو طريق الابتلاء، وهو طريق طويل عصيب شاق، فيه الأذى والسجن والاعتقال والتشريد، وفيه التعذيب والنفي والتهديد، فيه مصادرة المصالح وتعطيل الأعمال ومصادرة الأموال،فيه تفتيش البيوت وأذى الأحبّة والأهل والأقارب وأعزّ الناس، وفيه القتل إن لم ينفع مع الدعاة كما ذكر.

يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

“رسم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل جيل معالم الطريق، دماً وألماً وصبراً وجهاداً متواصلاً ويقيناً راسخاً وثقةً لاحد لها بالله عز وجل وبنصره المؤكد، ولقد كان المسلمون الأولون أفراداً في العهد المكي وجماعة على أبواب العهد المدني على بينة من هذه الحقيقة أيضاً، سلكوا الطريق إلى الغاية التي يرخص في سبيلها كل بذل، ووطنوا النفس على مجابهة كل الدنيا والتضحية بكل مافي الدنيا، واحتمال أقصى مايمكن أن يُتصور في هذه الدنيا، لايستعجلون ولا يطلبون إلا الجنة ومرضاة الله عز وجل”.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في “الظلال”:

“ولكن المؤمن يمضي في طريقه ثابت الخطو، مطمئن الضمير، واثقاً من نصر الله، متعلقاً بالرجاء فيه، متوقعاً كل لحظة وعد الله الصادق الأكيد:{وقال الذينَ كَفروا لِرُسُلِهِم لَنُخرِجَنَّكُم من أرضِنا أو لَتَعُودُنَّ في مِلِّتِنَا فأوحى إليه رَبُّهُم لَنُهلِكَنَّ الظالمين* ولَنُسكِنَنَّكُم الأرضَ من بعدِهِم ذلك لمن خافَ مقامي وخافَ وعيد} [إبراهيم 13 ـ14].

موقف واحد وتجربة واحدة، وتهديد واحد، ويقين واحد، ووعد واحد للموكب الكريم وعاقبة واحدة ينتظرها المؤمنون في نهاية المطاف.

{فأَيَّدنا الذين أمنوا على عَدُوّهِم فأصبحوا ظاهرين}[ الصف 14].

الصحة البدنيّة بين الطبّ والإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

الصحة البدنية بين الطبّ والإسلام

الدين والنظافة 

الصحة والعبادات:

يعود الفضل الأسبق في نشر التعاليم الصحيّة وتطبيقاتها العملية إلى الديانات السماويّة من لدن أدم عليه السلام الذي علّمهُ الله تعالى الأسماء كُلّها وحتى خاتم النبيين محمد عليه صلوات الله وسلامه وعلى إخوته الأنبياء أجمعين .

لقد جاءت التعاليم الربانيّة والرسالات السماويّة بتحريم الفواحش والخبائث وما يعود بالضررعلى سلامة الإنسان وصحّته، وأمرت بالنظافة والطهارة وما يجلب الخير للإنسان ويحفظ عليه صِحّته وعافيته في دنياه .

والإسلام هو الدين الوحيد الذي يجعل النظافة والطهارة جزءاً هاماً ورئيسياً من العبادة بل إنّها من أُصول الدين نفسه،فأول خطوة للدخول في الإسلام بعد الشهادتين هي الغُسل وأخر مرحلة يغادر بها الإنسان الحياة الفانية إلى الحياة الخالدة أن يُغسَلَ أيضاً ـ مالم يكن شهيداً ـ وما بينهما فإنّه لا صلاة بدون وضوء،ولا جنابة بدون اغتسال .

والطهارة والنظافة من أركان الدين الرئيسية وإذا كانت أولى آيات القرآن الكريم نزولاً تحضّ على العلم والقراءة،وهي قوله تعالى{اقرأ باسم ربك الذي خلق}[العلق 1] فإنّ مابعدها مباشرةً يحضّ على الطهارة والنظافة بقوله تعالى :{وثيابكَ فطّهر}[المدثر 4].

يقول الشيخ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ـ تحت عنوان النظافة والتجمل والصحة ـ ص183):

“على المسلم في كل ساعة من عمره أن يسعى نحو الكمال،وأن يحث المسير إلى الارتقاء المادي والنفسي،فإن مستقبله عند الله مرتبط بالمرحلة التي يبلغها في تقدمه،إن أدركه الموت وهو في القمة كان من أصحاب الفردوس الأعلى،وإن أدركه وهو مقتصد ينقل خطاه في السفوح القريبة كان بحسبه أن ينجو.وإن أدركه وقد رجع القهقرى وضل الغاية تخطفته زبانية العذاب الأليم،ومن كان في هذه أعمى حشر يوم العرض أعمى،ومن كان قذراً بعث كذلك.

وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرجل الحريص على نقاوة بدنه ووضاءة وجهه ونظافة أعضائه يبعث على حاله تلك، وضئ الوجه،أغرّ الجبين،نقي البدن والأعضاء.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم زار المقابر،فقال:السلام عليكم دار قوم مؤمنين،وإنا إن شاء الله بكم عن قريب لاحقون.وددت أنا قد رأينا إخواننا،قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي،وإخواننا الذين لم يأتوا بعد،قالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: أرأيت لو أن رجلاً له خيل غرّ محجلة بين ظهري خيل دهم بهم،ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله،قال: فإنهم يأتون غرّاً محجلين من الوضوء[رواه مسلم].

ويتابع الغزالي رحمه الله:

“إن صحة الأجسام وجمالها ونضرتها من الأمور التي وجه الإسلام إليها عناية فائقة،واعتبرها من صميم رسالته،ولن يكون الشخص راجحاً في ميزان الإسلام،محترم الجانب إلا إذا اعهد جسمه بالتنظيف والتهذيب،وكان في مطعمه ومشربه وهيئته الخاصة،بعيداً عن الأدران المكدرة والأحوال المنفرة،وليست صحة الجسد وطهارته صلاحاً مادياً فقط ،بل إن أثرها عميق في تزكية النفس،وتمكين الإنسان من النهوض بأعباء الحياة. وما أحوج أعباء الحياة إلى الجسم الجَلِد والبدن القوي الصبور”.

إنّ كثيراً من التعاليم والأوامر وردت في الإسلام بشكل فروض وسنن، ومنها ماهو داخل في صلب العبادة،أو مشروط بصحتها ، ومنها ماورد بشكل قواعد صحية عامة.

يقول الأستاذ محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ص184):

“كرم الإسلام البدن،فجعل طهارته التامة أساساً لابد منه لكل صلاة وجعل الصلاة واجبة خمس مرات في اليوم،وكلف المسلم أن يغسل جسمه كله غسلاً جيداً في أحيان كثيرة تلابسه غالباً، وتلك هي الطهارة الكاملة،وفي الأحوال المعتادة اكتفى بغسل الأعضاء والأطراف التي تتعرض لغبار الجو،ومعالجة شتى الأشغال،أو التي يكثر الجسم إفرازاته منها:{يا أيها الذينَ آمنوا إذا قُمتُمْ إلى الصلاةِ فاغسلوا وجُوهَكُم وأيدِيَكُم إلى المرافقِ وامسحوا برؤوسكم وأرجُلَكُم إلى الكعبين وإن كنتم جُنباً فاطّهروا..}[المائدة 6].

والطريقة التي شرعها الإسلام لإبقاء الجسم نظيفاً في كل وقت تقوم على ربط الغسل الواجب بأحوال الطبيعة المادية في الإنسان.فلو كان الإنسان روحاً فقط ما احتاج إلى متابعة الغسل والتنقية والتطهير.أما وهو مستقر في هذا الغلاف المادي المتكون من تربة الأرض،تلك الأرض التي يحيا فوقها،ويتغذى من نباتها وحيوانها،ويترك فضلات معدته فيها،ويثوى آخر الأمر في ثراها  ـ أما وهو كذلك، فقد ناط الإسلام الوضوء المفروض بأعراض هذه الطبيعة المادية،وبكل ما ينشأ عن دورة الطعام في الجسم من نفايات وغازات”.

يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي (ـ موقع القرضاوي ـ):

“اعتاد مصنفوا الفقه الإسلامي من قديم أن يبدأوا كتبهم بباب الطهارة،أو كتاب الطهارة،وذلك باعتبارأنهم يبدأون بفقه العبادات قبل فقه المعاملات بناء على أن أعظم الحقوق على المخلوق هو حقّ خالقه عزَّ وجَلَ،وهو حقُّ عبادته وحده لاشريك له،وهذه العبادة هي الغاية الأولى التي لأجلها خلق الله المكلفين من عباده، كما قال تعالى:{وما خلقت الجنَّ والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات 56] ،ثم تأتي حقوق عباده،لهذا كان الحديث عن العبادة أولاً ثمّ إنّ أولى العبادات وأعظمها هي الصلاة عمود الدين،وإنّ أول شروط الصلاة هو الطهارة .

ويتابع الشيخ القرضاوي:”والطهارة معناها في لغة العرب: النظافة،وفي اصطلاح الفقهاء :نظافة من نوع خاص،فيها معنى التعبد لله تعالى فهي من الأعمال التي يحبها الله من خلقه،كما قال تعالى في الثناء على صنف من الرجال:{فيه رجال يحبون أن يتطّهروا والله يحب المطهرين} [التوبة 108] ،وقال تعالى في شأن النساء الحُيض:{ولا تقربوهنَّ حتى يطهرن فإذا تطهرنّ فأتوهنَّ من حيث أمركم الله إن الله يحبُّ التوابين ويحبُّ المتطهرين}[لبقرة222] . وقال صلى الله عليه وسلم : “الطَّهورُ شطرُ الإيمان“[ رواه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري وهو من أحاديث الأربعين النووية الشهيرة ].

ويتابع الشيخ القرضاوي:

“وقد يراد بالطهور أو الطهارة: الطهارة الحسّية التي تدرك بالبصر،وقد يراد بها الطهارة المعنوية التي تدرك بالبصيرة ويقابلها النجاسة وهي  أيضاً حسّية تُزال بالماء والمُطّهرات الحسّية،ومعنوية لا تُزال إلا بالإيمان والتوبة، كنجاسة الشرك والمعاصي  كما قال تعالى:{إنّما المشركون نجس} [التوبة 28] .

والمراد بالطهارة في مجالنا هذا : الطهارة الحسّية التي تستخدم الماء والمطهرات الحسّية لتحقيق أثرها .ولهذا جعلت الطهارة مقدمة للصلاة،ومفتاحاً لبابها،فمفتاح الجنّة: الصلاة،ومفتاح الصلاة: الطهور.وفي الحديث الصحيح “لايقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول [رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما] .

(والغلول:الأخذ من المال العام بغير حق  فهو ضرب من الخيانة،فمن تصدّق به لم يقبل منه).

واشتراط الطهارة في الصلاة موافق للحكمة وللفطرة،فالناس لا يقابلون رؤساءهم وكبراؤهم إلا على أحسن حال،فكيف بلقاء ربِّ الناس،ملك الناس،إله الناس؟

والطهارة نوعانطهارة من الخَبث،وطهارة من الحَدَث .

والطهارة من الخَبث تعني: التَطّهر من نجاسة عَينية حِسّية تصيب الأبدان والأمكنة ولها طعم ولون ورائحة .

والطهارة من الحّدّث فتعني: التطهّر من نجاسة حكمية،أي لا يوجد لها في الخارج شئ حسّي  تبصره العين،أو تلمسه اليدّ، أو يشّمه الأنف،أو يذوقه اللسان، بل هي أمر حكم الشرع به ـ   يوجب الوضوء إذا كان حدثاً أصغر ،أو الغُسل إذا كان حدثاً أكبر ـ  وقد تميّز الإسلام بالحرص على التطهروالتطهير،حسّاً ومعنى، وكان من أوائل ما نزل من القرآن {وثيابك فطهر} [المدثر4 ] بل زاد على ذلك التزين والتجمل،فكان من أوامر القرآن المكي {يابني آدم خذوا زينتكم عند كُلِّ مسجد} [الأعراف 31] ،وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم”إنَّ الله جميل يحبّ الجمال”[ رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ].

ولم يهتم دين بالطهارة والنظافة عموماً كما اهتمّ دين الإسلام،فاهتمّ بنظافة الإنسان ونظافة البيت ونظافة الطريق ونظافة المسجد، وغير ذلك  حتى شاع بين المسلمين دون غيرهم: النظافة من الإيمان،في حين كان بعض رجال الأديان في العصور الوسطى ـ كالرهبان في الغرب ـ يتقرّبون إلى الله بالقذارة والبعد عن استخدام الماء،حتى قال أحدهم: “يرحم الله القديس فلاناً،لقد عاش خمسين سنة ولم يغسل رجليه!!!وقال آخر : “لقد كان من قبلنا يعيش أحدهم طول عمره لايَبلُّ  اطرافه بالماء ولكنا أصبحنا في زمن يدخل فيه الناس الحمامات!!! كما ذكر ذلك العلامة أبو الحسن الندوي في كتابه”ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”  انتهى كلام الدكتور يوسف القرضاوي .

إنَّ كثيراً من العبادات المفروضة والمسنونة يؤدي بالإضافة إلى الثمرات الروحية والإجتماعية فإنّه يؤدي أيضاً إلى فوائد صحيّة  فالطهارة مثلاً هي نظافة ووقاية فُرضت لأداء كثير من العبادات كالصلاة والطواف ومسّ القرآن، وغيرها من العبادات ورأس العبادات في الإسلام أي الصلاة لاتقبل إلا بوضوء،والماء ضروري لوضوء الإنسان واغتساله ونظافة بدنه قال تعالى {ويُنزّل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به}[ الأنفال 11] ،وهو أيضاً ضروري لنظافة مسكنه وحوائجه،وكذلك للنظافة العامة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلملا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدثَ حتى يتوضأ”.[رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه وصححه الألباني]

ولا يُكتفى بطهارة البدن من الحدَث بل لابدّ من طهارة البدن والثوب والمكان معاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الطَهور شطر الإيمان ،والحمد لله تملأ الميزان،وسبحان الله والحمد لله تملآن  مابين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان،والصبر ضياء،والقرآن حجةٌ لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائعٌ نفسه، فمُعتقُها أو مُوبقها”[صحيح الجامع عن أبي مالك الاشعري رضي الله عنه].

ومن السّنة النبويّة إسباغ الوضوء أي إتمامه وإفاضة الماء بشكل خاص في الرسغين والكاحلين، قال أبي هريرة رضي الله عنه وكان يمرُّ والناس يتوضئون من المطهرة،أسبغوا الوضوء،فإن أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال”ويلٌ للأعقاب من النار“[صحيح البخاري] ،ويقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي رواه الشيخان:إنّ أُمتي يُدعون يوم القيامة غرَّاً محجلين من أثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يُطيل غرّته فليفعل

(الغرّة والتحجيل : بياض في وجه الفرس وقوائمه وهذا يحسّنه ويزينه، فاستعاره للإنسان وجعل أثر الوضوء في الوجه واليدين والقدمين كالبياض الذي عند الفرس)

وقال صلى الله عليه وسلم: “لايحافظُ على الوضوء إلا مؤمنٌ”[ رواه الدارمي وابن حبان عن ثوبان رضي الله عنه].

والغسل هو فرض من الجنابة لقوله تعالى:{وإن كُنتم جُنُباً فاطَّهروا} [المائدة 6].وقد سُنَّ الغسل في مناسبات عديدة ومنهاغسل يوم الجمعة”من أتى يوم الجمعة فليغتسل”[متفق عليه عن ابن عمر رضي الله عنهما]،كما يُستحب غسل العيدين،والغسل عند الإحرام للحجّ والعمرة ولصلاة الكسوف،والاعتكاف،وعند تغير رائحة البدن،وحضور المجالس.

جاء في الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه :حقُّ الله على كُلِّ مُسلمٍ أن يغتسل في كُلِّ سبعةِ أيامٍ: يغسلُ رأسَهُ وجسده”.

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي ـ موقع القرضاوي ـ :

” إنَّ الإسلام شرّع صلاة الجمعة والجماعة في المساجد،وفيها تتجمع أعداد كبيرة،ولأوقات قد تطول،ولاسيما في الجمعة،وقد حرص الإسلام على أن يكون الناس في حالة من الطهارة والنظافة والزينة بحيث لا يؤذي بعضهم بعضاً بقذارته أو بسوء رائحته،ولهذا أوجّب الغسل أو سَنّه،وقال  صلى الله عليه وسلم : من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا،أو ليعتزل مسجدنا[صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ]وقال صلى الله عليه وسلم ” من أكل من هاتين  الشجرتين الخبيثتين ـ يعني الثوم والبصل ـ فلا يقربنّ مسجدنا،فإن كنتم لا بدّ آكليهما فأميتوهما طبخاً”.[المصدر نخب الأفكار وإسناده صحيح]

وعن عمرو بن عبسة قال: قال رسول الله صلى الله  :” ما منكم رجل يقرب وضؤه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرّت خطايا وجهه وفِيه وخياشيمه،ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خَرَت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء،ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرّت خطايا يديه من أنامله مع الماء ،ثم يمسح رأسه إلا خرّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء،ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء [أخرجه مسلم] .

يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في  كتابه”وحي القلم:

“فإذا قمت إلى وضوئك فأيقن في نفسك،واعزم في خاطرك على أنَّ في هذا الماء سرّاً روحانياً من أسرار الغيب والحياة،وإنّه رمز للسماء عندك وأنك إنّما تتطهر به من ظلمات نفسك التي امتدت على أطرافك،ثمَّ سَمِّ الله تعالى مفيضاً اسمه القادر الكريم على الماء وعلى نفسك معاً، ثمَّ تمثل أنك غسلت يديك مما فيهما ومما تتعاطاه بهما من أعمال الدنيا وأنك أخذ فيهما من السماء لوجهك وأعضائك وقرّر عند نفسك أنّ الوضوء ليس شيئاً إلا مَسحة سماوية تسبغها على كل أطرافك ليشعر بها جسمك وعقلك،وأنك بهذه المسحة السماوية تستقبل الله في صلاتك سماوياً لا أرضياً،فإذا أنت استشعرت هذا وعملت عليه وصار عادة لك فإنّ الوضوء حينئذ ينزل النفس منزل الدواء كلّما اغتمّمت أو تكرهت أو تسخطّت أو غشيك حزن أو عرض لك وسواس،فما تتوضأ على تلك النيّة إلا غسلت الحياة وغسلت الساعة التي أنت فيها من الحياة،وترى الماء تحسبه هدوءاً ليناً لين الرضى،وإذا هو ينساب في شعورك وفي أحوالك جميعاً ويتابع الرافعي رحمه الله:”وإذا الوضوء في أضعف معانيه هو ما علمنا من أنه الطهارة والنظافة، أما في أقوى معانيه فهو خاصة من السماء فيها التقديس والتزكية،وغسل الوقت الإنساني مما يخالطه كلما مرت ساعات وابتداؤه للروح كالنبات الأخضر ناضراً مطلولاً مترطباً بالماء “.

ويقول الاستاذ عبد الله الخياط :

“عندما عُني الإسلام بإصلاح العقائد وتطهيرها وتنقيتها من شوائب الشرك والبدع والمعاصي،عالج الجانب الحسّي في المسلم فوجهه إلى العناية بتطهير المظهر ليكون المسلم نظيفاً في مظهره كما هو نظيف في مخبره،فعندما أمر الله سبحانه الرسول صلى الله عليه وسلم تعظيم الرب جل وعلا بالتوحيد أردف ذلك بتطهير الثياب قائلاً : {يا أيُّها المدثر* قُمْ فأنذر *وربَّك فكبر* وثيابك فطهر}،وعندما فرض سبحانه الصلاة شرع لها الوضوء قبلها وهو طهارة من الحدث ونظافة من القذر، ثم في جميع الأغسال التي أوجبها الشرع كغسل الجنابة،والغسل من الحيض والنفاس،أو ندب إليها كالغسل عند الإحرام،والغسل للوقوف بعرفة، وفي ذلك كله مظهر بارز للتطهير، وكذلك الحضّ على الغسل يوم الجمعة، ولبس أحسن الثياب، بل ندب الرسول  صلى الله عليه وسلم إلى اتخاذ ثوبين للجمعة سِوى ثوبي المهنة كما صحَّ عنه أنه قال  :ما على أحدكم  إن وجد سَعةً  أن يتخذ  ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته”[صحيح ابن ماجة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وصححه الألباني]

ويقول الاستاذ أحمد أمين في كتاب “فيض الخاطر (الجزء الأول ص 85):

“لو جرى الأمر على المعقول لكان المسلم من أنظف الناس في العالم فقد ربطت صلواته الخمس بالوضوء،وفرض عليه الاستحمام في أوقات، وكان أول باب من أبواب الفقه باب الطهارة، ويتابع:”وأغتبط إذ أسمع وصف ابن سعيد لمسلمي الأندلس فيقول فيهم : “إنّهم أشدّ خلق الله اعتناء بنظافة ما يلبسون وما يفرشون وغير ذلك مما يتعلق بهم،وفيهم من لايكون عنده إلا ما يقوته يومه فيطويه صائماً ويبتاع صابوناً يغسل به ثيابه ولا يظهر على حالة تنبو عنها العين “.

ويقول الأستاذ محمد الغزالي:

” ولاشك أنّ المسلمين أيام ازدهار حضارتهم كانوا أطهر اهل الأرض أبداناً وثياباً،وأنّ استخدامهم للمياه في الأغسال المتنوعة جعل انسانيتهم أرقى،أما غيرهم من الأوروبيين فكانوا دونهم مكانة وكرامة، وقد حرص البعض في هذا العصرعلى استكمال أسباب النظافة، ونحن لا نوازن بين عادات وعادات، وإنّما نتعرف على مطالب ديننا وننشئ العادات التي تنسجم معها، ويتابع رحمه الله: “وأما مانراه اليوم من ابتعاد المسلمين وللأسف عن الطهارة والنظافة فيعود إلى عدّة عوامل ومنها الجهل بالشريعة، ومنها الفقر وقلة موارد المياه،ومنها انتشار الكثير من العادات السيئة في بعض المجتمعات والتي لا علاقة لها بالإسلام،وللأسف لقد تغير الحال في المجتمعات الإسلامية والتي تخلّت عن كثير من تعاليم الإسلام،وتخلّت عن روح الإسلام، ولجأت إلى الكثير من العادات التي لاتمت للإسلم بصلة، وبعد ان كان يضرب المثل في المسلمين في النظافة والطهارة، أصبحت وللأسف الشديد الكثير من المدن الإسلامية رمزاً للقذارة والوساخة”.

ويقول الأستاذ أحمد أمين  ـ نفس المرجع السابق من فيض الخاطر ـ :

“ويؤلمني أشدّ الألم ماذكره ابن سعيد نفسه ـ الذي تكلم عن نظافة أهل الأندلس ـ وقد زار القاهرة وركب فيها حماراً إلى الفسطاط إذ يقول فأثار الحمار من الغبارالأسود ما أعمى عيني ودّنّس ثيابي وعانيت ما كرهت وقلت :

لقيت بمصر أشدَّ البوار                        ركوب الحمار وكحل الغبار

ألم من منظر الفسطاط ،وقال إنه رأى شوارعها غير مستقيمة ورأى حول أبوابها من التراب الأسود والأزبال ما يقبض نفس النظيف ويغض طرف الطريف، رأى البياعين يبيعون في مسجد عمرو بن العاص والناس يأكلون فيه ورأى في زوايا المسجد العنكبوت قد عظم نسجه في السقوف والأركان والحيطان ورأى حيطانه مكتوباً عليها بالفحم والحمرة بخطوط قبيحة مختلفة، ويتابع أحمد أمين:

“يظن الناس أنّ النظافة غالية وأنها مرتبطة بالغنى، وهذا خطأ  بيّن فكم من غني قذرومن فقير نظيف، والأمر يتوقف على تعوّدا لنظافة أكثر مما يتوقف على المال فليس النظافة ان تلبس أغلى اللباس،وأن تأكل أفخم الطعام، وإنّما النظافة أن تلبس نظيفاً ولو كان أحقر الثياب، وأن تأكل نظيفاً ولو كان أحقر الطعام ،ويتابع أحمد أمين:”وقد تفشّت وللأسف الكثير من العادات السيئة التي لاتمت للإسلام والتي أصبحت ملازمة لكثير من المسلمين وهي عادات مُقزّزة وكريهة “.

ويقول الأستاذ الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في كتابه(مع الناس ص104):

“ومثلها الرجل النظيف الذي لا يستطيع أن يتحمل الوسخ في فمه ولا في أذنه،ولا أن ينتظر حتى ينفرد بنفسه فلا تزال إصبعه تدور في أنفه وفي أذنه وهو في المجلس الحافل ينكش أسنانه بعوده،وربما فعل أشنع من ذلك فنكشها بظفره ثم مسحه بالمقعد أو أخذ جريدة أو ورقة فطواها ونظّف أسنانه بطرفها “.

إنّ هذا يبين اهتمام الإسلام بالطهارة والنظافة،وهو كما ذكرنا أمر لا يُدانيه فيه أي دين سماوي أو وضعي قديم أو حديث ،وإنّ مطالعة بعض الكتب والمقالات التي تتحدث عن أوروبا في العصور الوسطى يُظهر لنا أن مفهوم النظافة كان غائباً عنها ولسنوات طويلة حتى أنه انتشر فيها في تلك العصور ما يُسمى ظاهرة”الخوف من الماء“.يقول أحد الكتاب الألمان في كتاب له أن الكاتب المشهور “بلزاك”وفي عام 1873 م اعتزل في منزله لكتابة إحدى رواياته ،وكان يعمل ليلاً ونهاراً فيأكل قليلاً ولا يغسل نفسه ،وأنه بعد شهر كامل أخرج روايته المُسماة “الأنثى الفائقة”،ولأول مرة وبعد فترة طويلة قال عليّ أن أخذ الآن حَماماً!!

ويتابع هذاالكاتب فيقول “لقد كان الخوف من الماء ظاهرة ملموسة في أوروبا حتى مطالع القرن التاسع عشر،وكان الكثيرون يُفضّلون أن تُلامس البودرة والعطور أجسامهم على أن تلامسها قطرات الماء!!ويتابع الكاتب:”لقد كانت تصدر عن الملك هنري الرابع ملك فرنسا روائح كريهة مُنفرّة كرائحة الجيفة النتنة لابتعاده عن الماء، وكذلك لودفيغ الثالث عشر الذي كان يقول أفعل ما فعل أبي وكان لا يلامس جسده الماء وكانت تصدر عنه روائح كريهة “.

يقول الداعية أبو الحسن الندوي في مقالته”طبيعة الحضارة الغربية وتاريخها”:

“ظلَّ تعذيب الجسم مثلاً كاملاً في الدين والأخلاق في أوروبا العصورالوسطى إلى قرنين من الزمن ،وكانوا يعدّون طهارة الجسم مُنافية لنقاء الروح، ويتأثمون عن غسل الأعضاء وأزهد الناس عندهم واتقاهم، أبعدهم عن الطهارة، وأوغلهم في النجاسات والدنس”!

وبهذ كله يجعل الإسلام مسألة النظافة مسألة عقيدة وسلوك ملزم للمسلم في كل شؤون حياته، وإنّ ابتعاد المسلمين عن جوهر وروح الإسلام جعلهم يتراجعون عن قيادة ركب الحضارة وأن يكونوا في ذيله وفي مؤخرة الأمم ،يقول الكاتب الأيرلندي جورج برناردشو في كتابه “حيرة طبيب:””عندما ابتدأت بريطانيا في استعمار العالم الإسلامي فإنّها أجبرت بعض سكان بعض الجزر من المسلمين على ترك الإسلام، فما أن نجحت في ذلك حتى بدأت الأوبئة الفتاكة تظهر بينهم لإبتعادهم عن تعاليم النظافة في الدين”.

الجلد تشريحياً ووظيفياً

يؤلف الجلد سترة الجسم الظاهرة فهو يغطي جميع الأقسام المكشوفة من البدن ويتمادى حذاء الفوهات الطبيعية بأغشية مخاطية كما في الشفة والأنف والعين والشرج وصماخ البول.

والجلد هو مرآة الجسم،ويؤدي وظائف عديدة في الوقاية من الأمراض،وتنظيم حرارة الجسم،والتعرق،والمشاركة في الإحساسات بجميع أشكالها،وهو قد يعكس أحياناً وجود أمراض في البدن ومنها الأمراض الخبيثة،وقد يتأثر بالعوامل الخارجية من الضياء والاشعة والمطهرات وعوامل البيئة.

تبلغ سماكة الجلد حوالي 3مم،ولكنه من حيث الحجم يعتبر أكبر أعضاء الجسم،حيث يبلغ محيط الجلد عند الإنسان الكهل حوالي 8 مترمربع ويصل وزنه إلى حوالي 2 كغ .

يتألف الجلد تشريحياً من ثلاث طبقات :القرنية،والبشرة ،والأدمة .

الطبقة القرنية أو البشرة (Epiderm):

هي بسماكة 2،مم وتتألف من الخلايا القرنية،وهذه تُشكل الطبقة القرنية المتوسفة والتي تتّجدّد خلال ثلاثة إلى أربع أسابيع ، وتنشأ عن هذه الطبقة مادة القرنين(الكيراتين)،والتي تتشكل من الخلايا المتموتة لطبقة القرنية .

إنَّ طبقة القرنية تكون بشكل سميك جداً في الأماكن التي تتَعرّض للضغط والاحتكاك المستمر،ولذا تكون هذه الطبقة شديدة السماكة في باطن القدم، وراحة اليد، وعلى العكس تكون هذه الطبقة رقيقة جداً في جفن العين، وتنعدم تماماً في الأغشية المخاطية

وتوجد بين الخلايا القرنية في الطبقة القرنية خلايا تُسّمى “لانغرهانس”وهي خلايا تابعة للجملة المناعية، وتساعد في عملية البلعمة (للعوامل الممرضة) وتحمي الجلد من العوامل الدخيلة .

ويفصل الطبقة القرنية عما تحتها (أي البشرة) مايُسمى الغشاء القاعدي والذي يتم من خلاله عملية التبادل للأغذية والعناصر المعدنية وطرحها ومابين خلايا الغشاء القاعدي تتوضع الخلايا الصباغية، والتي تعطي الشكل لونه،أبيض أو أسمر أو أسود.

إنّ الطبقة القرنية السطحية لا تحتوي  على ألياف عصبية أو أوعية دموية،وبالتالي تكون قليلة الحساسية للمنبهات الألمية، وقليلة النزوف في الآفات السطحية .

تلعب الحموض الأمينية الحرة في الخلايا القرنية دوراً في منع وصدّ تأثير الحموض والقلويات على الجلد.

طبقة البشرة(الكوريوم):

وهي طبقة سميكة تتألف بدورها من طبقتين : سطحية متماسكة، وسفلية متخلخلة .

وهذه الطبقة المتخلخلخة هي المسؤولة عن مرونة الجلد، وتوجد فيها الخلايا المفرزة للعرق والخلايا الدهنية، وتوجد فيها البصلات الشعرية، والألياف العضلية الملس للأشعار، وتوجد فيها الأوعية الدموية، والألياف العضلية، والنهايات العصبية، وخاصة مستقبلات الضغط،واللمس، والألم، والحرور، ومستقبلات الحكّة .

ويعلل اسوداد الجلد في حلمة الثدي وفي اللعوة(المنطقة المحيطة بالحلمة) وغيرها من أماكن الجلد لوجود مادة القتامين(الميلانين) والتي توجد بشكل خاص في الطبقة القاعدية من بشرة الجلد.وهذه الخلايا يزداد عملها ونشاطها عند التعرض لأشعة الشمس ولاسيما منها فوق البنفسجية.

وإن لون الجلد له علاقة بثلاثة عناصر رئيسية:العنصر الوراثي،وحالة العروق الدموية،وأخيراً نسبة صباغ القتامين.

والقتامين يعتبر وسيلة الدفاع من قبل الجسم تجاه تعرضه للحرارة المرتفعة وخاصة أشعة الشمس،لأن الصباغ يمتص الحرارة فتسخن بشرة الجلد وتتنبه النهايات العصبية فيها مما يؤدي لتوسع العروق الدموية،وينشط افراز الغدد العرقية،وإذا ما تبخر العرق من سطح الجلد فإنه يؤدي إلى برودته وبالتالي يتم تنظيم الحرارة.

والقتامين يتشكل في الخلايا الصباغية التي توجد في الطبقة القاعدية من بشرة الجلد،كما يوجد بتراكيز عالية في شبكية العيني،وفي السحايا الدماغية.وطليعة القتامين هو حمض التيروزين وهو أحد الخموض الأمينية،ويتدخل في تركيبه خميرة التيروزيناز،وهي إحدى الخمائر الحاوية على النحاس،وتُفعل بالضياء،أو الاشعة فوق البنفسجية،لأنها توجد بحالة غير فعالة في الجلد.

طبقة الأدمة:

وهذه طبقة تتألف بشكل خاص من نسيج شحمي، فلها وظيفة التغذية والتدفئة .

إنّ الخلايا الشحمية في هذه الطبقة تحتوي على المدخرات الشحمية، والنسيج الشحمي يختلف حجمه من موضع لآخر في الجسم ، ويرتبط وظيفياً بعدة عوامل ومنها :الجنس،والعمر، والهرمونات،والوراثة،وحالة التغذية .

الناحية الوظيفية للجلد 

للجلد عدّة وظائف هامة :

أولاً:الحماية والوقاية:

حيث أن الجلد يمثل الحاجزالواقي للجسم مع المحيط الذي يعيش فيه الإنسان، ويحمي الجسم من الأذيّات المختلفة مثل الإشعاعات  والعوامل السميّة، والأنتانية،وعوامل أخرى مثل الضغط والصدمات والاحتكاكات …

ثانياً:هو عضو حسّاس :

يحتوي على المستقبلات العصبية التي لها علاقة شديدة وهامة مع الألم، والحرارة والبرودة،والضغط..

حس الحرارة:

توجد مستقبلا حسية جلدية تتأثر بعامل الحرارة الموضعي،وإن كان هناك بؤر جلدية تتحسس للحرارة أكثر من مناطق أخرى.وهذه البؤر الجلدية الشديدة التأثر للحرارة تسمى البقع الحرارية Warmspots،ويقابلها بقع أقل تأثراً وتسمى البقع الباردة.

ويعتقد أن وجود النوعين من البقع له علاقة مع درجة الكثافة الوعائية في مناطق الجلد المختلفة،حيث أن الأوعية الدموية تساهم في عملية الحس الحروري.

وهناك جسيمات ومستقبلات في أدمة الجلد تلعب دوراً هاماً في الحس الحروري للجلد وتسمى جسيمات روفيني.

حس اللمس:

حيث يساعد هذا الحس على التمييز بين الأجسام القاسية والناعمة الملمس،ويساعد أيضاً على معرفة شكلها وقوامها.وهناك مناطق في الجلد أكثر حساسية لموضوع اللمس من مناطق أخرى.

إن بقع اللمس تتوزع بصورة خاصة وكثيفة حول الأجربة الشعرية،وإن كل جذر شعري يحاط بشبكة من الألياف العصبية.وتوجد مستقبلات حسية خاصة للمس تسمة جسيمات باشيني.

حس الألم:

إن الألم الناجم عن تنبيه الجلد له صفات مختلفة ومنها حس الوخز،أو الحرقة،أو الحكة،..

وقد وجد أنه بعد تنبيه الجلد بمنبه ألمي يحدث في البدء الشعور بالوخز يليه الشعور بالحرق،والأول ينجم عن تنبيه الألياف العصبية كبيرة الحجم،والثاني عن تنبيه ألياف لا نخاعينية.ويبدو أن الألم يستدعي تشكيل بعض المركبات المحدثة للألم في ناحية الجلد وخاصة مادة البرادي كينين.

ومن الإحساسات الأخرى للجلد حس الضغط الموضعي،والاهتزازVibration،وحس الشعور بالحكة الموضعية أو العامة(مثل وجود داء اليرقان)،…

ثالثاً:هو عضو إنشائي:

حيث يتم تشكيل بعض المواد الهامة والحيوية في الجلد ونذكر منها بشكل خاص تشكيل الفيتامين د،وذلك تحت تأثيرالأشعة فوق البنفسجية .

رابعاً: عضو مناعي:

حيث يعتبر الجلد أحد عناصر الدفاع والمناعة في الجسم، فهو من جهة يشكل حاجزاً ميكانيكياً، ومن جهة أخرى فإنّ الجلد يحتوي على خلايا وعناصر مناعية تهاجم العناصر الممرضة ،وكذلك فإنّ الجلد يقوم بإفراز بعض المركبات المناعية كمواد السيتو كينين، ويحتوي الغلوبولينات المناعية، أضف إلى ذلك فإنّ بيئة الجلد الحمضيّة لاتساعد على نمو الجراثيم وكثيرمن العناصر المرضية .

يعتبر الجلد مخزناً كبيراً للكثير من الجراثيم والفطو، ويكثر معظمها على البشرة وعند جذور الأشعار،ويتراوح عددها من عشرة ألاف إلى مائة ألف جرثومة في كل سنتمتر مربع من الجلد الطبيعي،ويزداد العدد في الاماكن المكشوفة من الجلد وفي الأماكن الرطبة مثل المغبنين وتحت الإبطين.ومن خلال الوضوء والاغتسال وخاصة إذا ترافق مع تدليك الجلد يمكن التخلص من أعداد كبيرة من هذه الجراثيم والفطور.

خامساً: الجلد مرآة  الجسم:

حيث يبين الحالة النفسية والمَرضية للجسم، كالشحوب المرافق لفقرالدم وكثير من الأمراض الحادّة والمزمنة الإلتهابية أو الورمية ..واليرقان مع اصفرار الجلد الذي يعتبر من أهم أعراض الإصابات الكبدية الحادة والمزمنة ..والنزوف الجلدية التي قد توجّه لوجود مرض نزفي على مستوى الصفيحات الدموية أو أمراض نزفية أخرى كالناعور، او بسبب تناول ممُيعات الدم ،أو كتاثيرات جانبية لبعض الأدوية…

سادساً : عضو امتصاص:

حيث يتم امتصاص بعض المواد عن طريق الجلد،ومنها بعض الأدوية مثل مركبات النتروغليسرين التي تعطى بشكل لصقات(فلاستر)في معالجة أمراض القلب بنقص التروية،وإعطاء بعض المركبات الأستروجينية عند النساء،وإعطاء بعض المركبات الخافضة للدم وغير ذلك من المركبات الدوائية التي تعطى بشكل موضعي عن طريق الجلد .

وهناك أيضاً بعض السموم الخطيرة التي تمتص عن طريق الجلد وتكون ذات تأثيرات خطيرة بل ممُيتة على الإنسان ومنها التسمم بمادة الفوليدول الذي يستعمل في رشّ بعض المواد الزراعية..

وكذلك عن طريق الجلد قد تمتص بعض المطّهرات الموضعية إذا طُبِقّت بتراكيز عالية ومنها مادة اليود(الميكروكروم أي الدواء الأحمر) وهذا له تأثيرات سمية على الكبد والكلية،وكذلك استعمال الكحول(الغول) بتراكيز عالية موضعياً،وكذلك فإن استعمال مراهم الكورتيزون بتراكيز عالية قد يؤدي إلى امتصاصها موضعياً..

سابعاً: الجلد عضو يساعد على تنظيم حرارة الجسم

وذلك عن طريق التَعرّق والتبخربواسطة الغدد العرقية .

ملحقات الجلد

ونعني بها :الغدد الدهنية،والغدد العرقية ،والأشعار،والأظافر.

الغدد الدهنيّة:

وهي غدد توجد بأعداد كبيرة جدأ في طبقة البشرة في الجلد،ووظيفتها الرئيسية هي :الإفرازات الدهنية التي تنشأ عنها .وتقدر كمية الإفرازات الدهنية يومياً وفي الحالات العادية حوالي 2 غرام يومياً.ويوجد حوالي 600 غدة دهنية لكل سم مربع من الجلد في فروة الرأس وحوالي 100 في المناطق الأخرى من الجلد.

تتكون الغدد الدهنية في الشهر الخامس من الجنين داخل الرحم،وهذا يفسر لنا وجود الطلاء الدهني عند المواليد وهي طبقة دهنية تحمي الجنين داخل وجوده في السائل الصائي أثناء الحياة داخل الرحم،كما أن هذا الطلاء الدهني يسهل خروج الجنين عند الولادة.

وهذه الإفرازات الدهنية لها وظائف عديدة وهامة:

فهي تحمي الجلد من الجفاف، وتشكل غطاءً واقياً للجلد،كما أنها تساعد على ترطيب الجلد، كما ان الإفرازات الدهنية الحمضية تمنع أو تقلل من نمو الجراثيم والعوامل الممرضة الخارجية …

ومن جهة اخرى فإن ازدياد هذه الإفرازات الدهنية في بعض الحالات ولأسباب هرمونية أو وراثية أو نفسية …قد يؤدي لبعض الحالات المرضية ومنا الإكزيما الدهنية والتهابات الجلد وسقوط الأشعار،وقشرة الرأس، وازدياد الأمراض الفطرية والالتهابية الجرثومية ..

إنّ كمية الإفراز الدهني في ناحية معينة من الجسم له علاقة مع عدّة عوامل،ومنها كثافة وعدد الغدد الدهنية في هذه الناحية من الجسم ،وكذلك له علاقة ببعض العوامل الداخلية وخاصة منها الهرمونية، والوراثية،والجنس والسن..ويزداد نشاط الغدد الدهنية أثناء البلوغ(حب الشباب)ويهبط في حالات الحمل،ويزداد عملها بإعطاء هرمونات الذكورة(الأندروجينات).ولا يوجد تعصيب للغدد الدهنية أبداً.

توجد الغدد الدهنية بشكل وافر وغزير في ناحية الجبهة،وفي الوجه ،وجانبي الأنف وناحية الذقن، وفي فروة الرأس، وخلف الأذين ، وهذه أكثر أماكن حدوث العدّ(أي  العد:حبّ الشباب) والذي له علاقة مع فرط الإفرازات الدهنية .

وهناك أماكن لاتوجد بها الغدد الدهنية ومنها راحتي اليدين وأخمص القدمين حيث لاتوجد أشعار في هذه النواحي.حيث أنها غدد ملحقة بأشعار الجلد.ولكنها توجد بدون أشعار في الشفتين والصوارين والقضيب والشفرين الصغيرين وحلمة الثدي.ويوجد في الأجفان غدد دهنية تدعى غدد ميبوميوس وهي تنفتح على سطح الجلد وتكون مستقلة لا علاقة لها بالأشعار.

الغدد العرقية:

هناك نوعان من الغدد العرقية:

النوع الأول :وله دور هام في تنظيم حرارة الجسم عن طريق التعرق وعملية التبخر،ويبلغ عدد هذه الغدد حوالي 300 غدّة في كل سم مربع أي حوالي 2 مليون غدّة في جسم الإنسان،وينقص عددها إلى النصف عند المسنين.

وهذه الغدد توجد في كل نواحي الجلد وتكثر خاصة في راحة اليدين وأخمص القدمين والجبهة، وتحت الإبط ،والناحيّة الإربيّة(ثنية الفخذ)..ولاتوجد الغدد العرقية في حواف الشفاه وفي فراش الأظفر.

إن الغدد العرقية لا تتشكل قبل الشهر الثالث من عمر الوليد ولايتم عملها الإفرازي قبل الشهر التاسع وهذا يفسر لنا عدم تعرق المواليد وخاصة الخدج(ولد قبل أوانه) في أشهر الصيف.

النوع الثاني:وهي غدد لاتنمو ولا تعمل وظيفياً إلا بعد سن البلوغ ،وافرازها مرتبط بالهرمونات الجنسية ،وهي ذات رائحة عرق ممُيزّة ،وتوجد في نواحي معينة من الجسم مثل الإبط، وهالة الثدي ،والسرّة ،والناحية التناسلية الشرجية .وينقص عمل هذه الغدد مع تقدم العمر والشيخوخة.وهي غدد يشرف عليها العصب الودي وهرمون الأدرينالين.

وهذا النوع من الغدد يوجد له أشكال خاصة أيضاً ومتميزة وظيفياً ،وخاصة في ناحية مجرى السمع الظاهر حيث تفرز مادة الصملاخ.

إنّ وظائف الغدد العرقية :

تنظيم حرارة الجسم : كما ذكرنا من خلال التعرق والتبخر،وهذا يعتبر من  أهم الوظائف وكذلك فإنّ الإفرازات العرقية: تساعد على تطرية الجلد .

وأما تركيب العرق: فإنّ الماء يشكل النسبة العالية في تركيب العرق، أضف إلى ذلك وجود أملاح حمض البول،والبولة، والنشادر ، وكلور الصوديوم والبوتاسيوم، والحموض الأمينية، ويكاد يخلو العرق من السكر .

والعرق ليس له رائحة، وإنما تنجم رائحة العرق وخاصة ناحية الإبطين عن وجود عملية التخمر بفعل بعض الجراثيم في الجلد.

وإنَّ افراز العرق له علاقة مع السن، فهو عند الكبار اشدّ منه عند الصغار  .

وإنّ عملية إفراز العرق عملية إفراز فاعل وليس منفعل، ومركز التنبيه المركزي يقع في منطقة ماتحت المهاد في الدماغ .

وكذلك فإن العرق يساعد: في طرح الفضلات من الجسم وخاصىة مادة البولة الدموية .

إنَّ إفراز الغدد العرقية يرتبط بعوامل عديدة وخاصة الجهاز العصبي الذاتي(أي مايسمى الودّي ونظيرالودّي)، فيزداد إفراز العرق في حالات الخوف والغضب والإنفعال والألم الشديد، وهذا يلاحظ خاصة في الراحتين والأخمصين والإبطين، وبشكل بسيط في ناحية الرأس والجذع .

إنّ الغدد العرقية يتم تعصيبها بألياف كولينرجية من الجهاز الودّي والناقل العصبي هو الأستيل كولين،ويتم تعصيب كلّ غدّة على حِده وحسب درجة التنبيه  فإنّه يتم تنبيه عدد أقل أو أكثر من الغدد .

وعند تناول بعض الأدوية وهي ماتسمى طبياً “مضادات الكولينرجي”،وهذه تعطى بشكل خاص في أمراض القلب،والقصبات، وبعض أدواء الحساسية، وأمراض المثانة ،فإنه يحدث نقص الإفراز العرقي لدى هؤلاء المرضى ويترافق أيضاً مع جفاف الفم بسبب نقص إفراز اللعاب واضطرابات الرؤية، وهذا لابد من الانتباه إليه لدى هؤلاء المرضى .

وعلى العكس من ذلك يوجد مايسمى “فرط افراز العرق ” وهذا قد يكون موضعياً أو شاملا:

أما فرط التعرّق الموضعي : فهو يشاهد خاصة في الراحتين، والأخمصين، والإبطين والناحية المغبنية، ويحدث بشكل نوّبي اشتدادي، وأهم أسبابه :الانفعالات العصبية،كالخوف، والتوتر،ويزداد بتناول المنبهات كالقهوة والشاي والكولا.

وهناك أيضاً فرط تعرق موضعي ويشاهد خاصة في ناحية الوجه، والرأس، وحول عظم القص في الصدر، وهذا يشاهد خاصة بعد تناول بعض الأطعمة الحرّيفة”التوابل والبهارات” وبعض المشروبات الحارّة ،وهناك في حالات نادرة بعض الأمراض التي قد تسبب فرط التعرق الموضعي مثل داء السهام(التابس) والمرافق لداء الإفرنجي،والفالج الشقي، وبعض الأمراض العصبية المحيطية .

أما فرط التعرق الشامل والعام ، فمن أهم أسبابه :ارتفاع درجة الحرارة في الجو المحيط والجهد الجسمي الشّاق، والأمراض الحُموّية،والاضطرابات الهرمونية كفرط نشاط الدرق، والحمل، وبعض الأمراض الاستقلابية مثل داء السكري، وبعض الأمراض العصبية كداء باركنسون ،وبعض الأورام ،أو بسبب بعض الأدوية مثل الأسبرين ..

الأظافر:

يتركب الظفر تشريحياً من خلايا قرنية متموّتة. وينمو الظفر بمعدل عشر مم يومياً،فإذا ما اقتلع الظفر، فإنّه يتجدّد تماماً بعد فترة ثلاثة أشهر ونصف .ولوحظ أن نمو الظفرأسرع منه صيفاً من الشتاء، وأنّ نمو أظافراليدين اسرع منه من القدمين،ويقلّ النمو مع تقدّم الإنسان في العمر، ويزداد في بعض الأمراض كداء الصدفية.

إنّ الأظافر كالجلد لها دور واق من المحيط ،حيث أنّها تحمي سريرالظفر الحسّاس جدّاً وحيث أنّ هذا السرير يحتوي على حوالي مائة إلى خمسمائة من الأجسام الكُبيّة الشكل وهذه تحتوي على مجموعة كبيرة من الألياف العصبية الحسّية ،وهذا ما  يُفسّر حدوث آلام شديدة في الألتهابات التي تصيب السلاميات النهائية للأصابع كما هو الحال في”الداحس”، ومما يزيد الألم شِدّة أنه لا يوجد في منطقة سرير الظفر أي نسيج شحمي بل إنه يجاوره مباشرة السمحاق العظمي شديد الحساسية للآلام .

إنّ هناك بعض التبدلات التي تصيب الأظافر والتي توُجّه إلى وجود بعض الأمراض الداخلية، ومنها ما يُسّمى أصابع”مطرقة الطبل” وتسمى أيضاً “أصابع بقراط ” وهذه قد تشاهد في بعض أمراض الرئة كمرض توسع القصبات، وفي بعض أنواع سرطانات الرئة،وبعض أمراض القلب الدّسامية، والتهاب الشغاف الجرثومي تحت الحاد، وأمراض تشمع الكبد، وإذا كانت الإصابة وحيدة الجانب فقد تدّل على أُمّ دم الأبهر أو شلل الضفيرة العصبية .

وأمّا عادة طلاء الأظافر باللون الأحمر فيظُن أنها تعود إلى الملكة كليوباترا الفرعونية ،وأما عادة إطالة الأظافر فيظن أنها تعود إلى الصين قديماً

الأشعار:

هي عبارة  عن بنيات قرنية خاصة،تشكلها البصلات الشعرية.

تتكون كل شعرة من جذر، ويسمى أيضاً “بصلة الشعر” وهو الجزء الموجود تحت سطح الجلد، ومن الجذع وهو الجزء الظاهر فوق سطح الجلد .

والبصلة الشعرية هي الجزء الحيّ النشيط، وتحتوي على خلايا وأوعية دموية،وألياف عصبية،وكذلك على الخلايا الصباغية والتي تُعطي الشعر لونه .

وأما الجذع فهو الجزء الخامل من الأشعار،لأنه يحتوي خلايا ميتة،ليس فيها أوعية أو ألياف عصبية .

تنشأ الأشعار من الناحية المضغية الجنينية من الوريقة الظاهرة .

قبل الولادة فإنّ جسم الجنين يكون مغطى بأشعارٍ ناعمة دقيقة كالوبر،وهذه تزول مباشرة قبيل الولادة وتحلّ محلّها الأشعار العادية، ويضاف لها أشعار الأهداب والحواجب والرأس.

ويكون شعر الوليد عند الولادة غالباً أسود اللون،وهذا يسقط خلال عدّة شهورويحلّ محلّه شعر أخر وبلون أخر، وفي سن البلوغ تظهر أشعار الإبط والعانة عند الجنسين ،ويضاف لها الشارب واللّحية عند الذكور.

يبلغ متوسط عدد الشعر في الرأس حوالي مائة الف،وفي الجسم عامّة حوالي خمسة ملايين .

ويبلغ متوسط عدد الشعرات التي تسقط يومياً في الحالات الطبيعية والعادية خمسون إلى مائة،ويقدّر نمو الشعر الطبيعي حوالي واحد سم في الشهر وتتجدّد الشعرة بعد سقوطها خلال ثلاثة أشهر،أما شعر الحاجب فيتكون بعد شهر فقط .

إنّ نمو الشعر له علاقة مع الجنس، فهو أسرع عند الأنثى منه عند الذكر،وخاصة شعر الرأس، كما أنّ له علاقة مع السن، فهو أقلّ نمواً عند الأطفال والمسنين مقارنة مع الشباب،كما أن له علاقة مع ناحية الجسم فهو أسرع نمواً في الرأس منه في ناحية الذقن .

وبشكل عام فإنّ دورة نمو أشعار الرأس ثلاثة إلى خمس سنوات،وبالنسبة للأهداب ثلاثة إلى خمس شهور .

وللشعر دورة نمو خاصة : فلكلِّ شعرة ثلاث فترات من النمو : فترة نشاط يعقبها خمول ثم السقوط ،لذا لايلاحظ أي تغيير في كثافة الشعر ،لأن الشعرات المتجاورة تكون كل واحدة منها في فترة مختلفة من هذه الدورة ،أي أنه ليس كل الشعر ينمو ويستريح ويسقط في فترة واحدة ،وإلاّ لتعرّض الإنسان للصلع كل سنتين أو أكثر في حياته .

إنّ نمو الشعر يتأثر بعوامل عديدة كالغذاء والهرمونات والراحة والصحة الجسدية والنفسية.

وإذا أصيبت بصلة الشعر بشكل دائم فإنه يحدث الصلع،وهذا قد يشاهد في الانتانات الجلدية العميقة الشديدة،الموضعة أو المعممة،كما في بعض الأمراض الجهازية ومنها لاالذئبة الحمامية،وتصلب الادمة، كما يشاهد في الحروق العميقة، أو بعد التعرض للمعالجة الشعاعية.

وقد يشاهد سقوط الأشعار العارض في بعض الأمراض الحموية مثل الحمى التيفية،والخناق،وذات الرئة…وفي بعض الحالات النفسية الشديدة.

يوجد الشعر في كل أنحاء الجسم ماعدا راحة اليدين والأخمصين،وحافة الشفاه ،وحلمة الثدي ،وقسم من الأعضاء التناسلية .

ويوجد هناك ثلاثة أنواع من الشعر:

الشعر الخفيف:ويغطي الوجه والجسم عدا اللحية والشارب

الشعر الطويل:وهو الذي يغطي الرأس واللحية والشارب والإبط والعانة

الشعر الخشن القصير: وهو الذي يغطي الحواجب ،والأهداب، وداخل الأنف ومجرى السمع الظاهر .

إنّ للشعر وظائف عديدة : وأهمها الجمالية ،ومنها حماية جلد الرأس من أذيات أشعة الشمس ولذا فإن المصاب بالصلع يتعرض لأذيات الرأس أكثر من غيره، وكذلك فإنّ الحواجب والأهداب تقوم بوظيفة حماية العين، وكذلك فإنّ أشعار الإبط والثنيات تحمي الجلد في تلك المناطق من الاحتكاكات وما قد تسببه من اكزيما والتهابات .

أمّا تطويل الشعر فقد عُرِفَ عن العرب قبل الإسلام وخلاله ،وقد ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن قالت : “كان شعر النبي صلى الله عليه وسلم فوق الوفرة ودون الجمّة

وعن أنس ابن مالك رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يضرب شعره منكبيه،وفي لفظ “كان شعره ليس بالجعد ولا السبط بين أذنيه وعاتقه”.

وأما تخضيب الشعر والشيب فهو سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

1 ـ عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”إن أحسنَ ماغيرتم به هذا الشيبَ:الحناءُ والكتمُ[رواه  النسائي وقال المحدث  الألباني حديث صحيح].

(الكتم:نبتٌ يُصبغ به وصبغهُ أصفر،وقيل: أسود يميل إلى الحمرة.وصبغ الحنّاء(Henna) أحمر،وإذا خُلطا معاً يخرج صبغهما أسود مائلاً إلى الحمرة)

2 ـ أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثَّغامة بياضاً،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”غيّروا هذا بشىءٍ،واجتنبوا السّوادَ[أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه].

(الثُّغام:نبتٌ شديد البياض،زهره وثمره يُشبّه به الشيب).

3 ـ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:سيّدُ ريحان أهل الجنة الحناءُ“[أخرجه الطبراني واللفظ له وقال الألباني حديث صحيح].

الأنف

الأنف عضو هام من أعضاء الجسم ويتمتع بعدة خصائص ووظائف :

أولاً: عضو تنفس

وهذه هي الوظيفة الرئيسية للأنف،لأنّ التنفس الطبيعي عند الإنسان وسائر الثدييات هو التنفس الأنفي وليس الفموي، ولأن التنفس عن طريق الفم غير كاف من جهة، كما أنه ضار للجهاز التنفسي والبلعوم والحلق من جهة أخرى.

إنّ التنفس عن طريق الأنف يتميز بآليات وعناصر دفاعية ووقائية عديدة بحيث أنّ الهواء المارعن طريق الأنف يتعرّض لعمليات عديدة ومتتالية،وبحيث أن الهواء يصل إلى الجهاز التنفسي السفلي:

مُدّفئاً:مهما كانت حرارة الجو الخارجية،وبحيث يصل إلى القصبات بدرجة تعادل حرارة الجسم العادية .

ومُرّطباً:مهما كانت ظروف الجفاف الخارجية،وبحيث أنّ الهواء الداخل للقصباتلا يحدث تخريشاً فيها .

ومُصَفىً: وخالياً من الغبار والجراثيم،حيث أنّ الأنف وبالتماس المستمروالشديد مع عوامل البيئة فإنّه يمرّ من خلاله يومياً حوالي عشرون ألف ليتر من الهواء، وهذا قبل أن يصل إلى الجهاز التنفسي السفلي وخاصةً الرئة،لابدّ أن يُنقّى ويُصّفى من العوامل السّمُية والضارة، وكذلك الكائنات الدقيقة التي يتم استنشاقها عن طريق الأنف، وهذا كُلّه يتم بعدة وسائل دفاعية واقية:

أولاً:ما يُسمّى المناعة الإفرازية:

حيث توجد في الإفرازات المخاطية مجموعة من الأنزيمات والخمائر القاتلة  للجراثيم ومنها الليزوزوم،والأكتوفيرين، وبعض الغلوبولينات المناعية وخاصة منها مايُسمى الغلوبولين المناعي A.

ثانياً: التصفيّة الهدبية:

حيث توجد في الغشاء المخاطي للأنف أهداب دقيقة وناعمة بالملايين، وهي تتحرك بشكل دائم وتساعد على طرد العوامل الغريبة والضارة، ويُقدّر أنّه في كل خلية من خلايا الغشاء المخاطي يوجد على ما يقرب من ثلاثين هدباً،تتحرك بحركة مستمرة ودائمة وتضرب حوالي 250 مرة في الدقيقة الواحدة،وبذلك يتم طرد الأجسام الغريبة.

ثالثا: التركيب المخاطي :

يعمل كحاجز فيزيائي وكيميائي على احتجاز العوامل الضارة ويفرز الغشاء المخاطي كمية كبيرة من المخاط ،ويُقدّر كمية المخاط المُبتلع منها حوالي 700 سم مكعب، وإنّ تراكم هذا المخاط ،وعدم حركته يؤدي إلى امتلائه بالجراثيم والأقذار، كما أنّ تراكمه يعيق مرور هواء التنفس، وبناء على هذا لابدّ من إزالة ورفع هذا المخاط المتراكم وأفضل مايتم هذا عن طريقة الاستنثار اللطيف،وذلك بعد سدِّ أحد المنخرين بالتناوب لا كليهما معاً ،وأيضاً من خلال الاستنشاق اللطيف للماء النقي، وهذا مايتم من خلال عملية الوضوء اليومي قبل الصلوات.ولابُدّ من التحذير من لجوء بعض الناس إلى الاستنثار الشديد مع سدّ النخرين معاً ،إذ أن هذا قد يؤدي إلى أن يعود جزء من المخاط إلى الخلف مع دخول الأوساخ والجراثيم مما فيه إلى نفير أوستاش الواصل بين البلعوم الأنفي والأذن الوسطى ،وهذا قد يسبب حدوث التهابات فيها وخاصة مع تكرر الأمر عدة مرات يومياً،كما أن هذه العملية قد ترفع الضغط الهوائي على الأذن الوسطى وتحدث ألماً شديداً.وسوف نعود إلى هذا الموضوع لاحقاً عند الكلام عن الوضوء ونظافة الأنف.

ويتم كل هذا بعدّة أليات ومنعكسات مُنظمّة تنظيماً رائعاً ومتناسقاً، فمثلاً إنّ تنبيه الغشاء المخاطي للأنف بواسطة بعض المنبهات الفيزيائية أو الكيماوية كالبرودة أو الجفاف أو وجود جسم أجنبي يثير بعض المنعكسات المحركة الوعائية التي تُعدِّل حالة الشبكة الوعائية للأنف وهذه تشاهد بشكل خاص في الصماخين الأسفل والمتوسط في الأنف، كما يثير بعض المنعكسات الإفرازية والتي تنبّه الغدد المصلية المخاطية المبثوثة في جميع أنحاء القسم التنفسي للغشاء المخاطي مما يستدعي إفراز كميات من المخاط الأنفي ،وهذا كلّه يساعد على طرد الأجسام الأجنبية من خلال منعكس العطاس ،أو تغيير حرارة الداخل إلى الأنف بحيث لا يؤذي الجهاز التنفسي مهما كانت حرارة الجوّ الخارجية .

إذاً فإنَ الوظيفة التنفسية للأنف( الفرجة التنفسية تقع بين القرين السفلي والوترة الأنفية) تتم فيها :

تهدئة الهواء :الداخل من خلال مروره في تعريجات ممرات الأنف

وتدفئة الهواء :بتأثير الشعيرات الدموية المنتشرة تحت الغشاء المخاطي

وترطيب الهواء: من خلال بخار الماء المستمدّ من إفرازات الغشاء المخاطي

وتنقيّة الهواء:بواسطة الشعر الذي يحتجز العوالق والشوائب الكبيرة نسبياً،والمخاط الذي يلتقط الشوائب الأصغر حجماً (تبلغ كمية المخاط المتشكل يومياً حوالي ألف مم مكعب) بما في ذلك المكروبات،والذي يتم تحللها أيضاً بواسطة عمل بعض الانزيمات الخاصة الموجودة مع المخاط الأنفي ،وهذه يتم ومن خلال حركة الأهداب الشعرية الدقيقة ( تتحرك الأهداب الشعرية حوالي 700 حركة في الدقيقة)في الأنف تحريكها وابتلاعها مع الريق إلى المعدة .إن عملية ترطيب وتدفئة وتنقية هواء الشهيق تتم يومياً وتبلغ كمية الهواء المستنشق يومياً حوالي عشرة إلى عشرين ألف لتر،وبالتالي ندرك أهمية وعظمة هذه الوظيفة الأنفية.

إنّ عملية العطاس هي من أهمّ العمليات التي تساعد الجسم على التخلص من الأجسام الضارة والغريبة مثل الغبار والأجسام الأجنبية وبشكل خاص منها الجراثيم والعناصر المرضية .

وسوف نعود إن شاء الله للحديث عن العطس من الناحية الدينية والطبيّة فيما بعد .

ثانياً :الأنف عضو شمّ:

إنّ القسم العلوي من الغشاء المخاطي للأنف(الثلث العلوي من الحفرة الأنفية أعلى القرين العلوي) مُجَهزٌ ببعض الغدد والأعصاب والخلايا الحسّية الخاصة والمتميزة والمجهزة بالأهداب والتي تساعد على التقاط الروائح و القيام بوظيفة الشَمّ.والمحاور الأسطوانية لهذه الخلايا تسير في الطريق الشمي تحت الفص الجبهي لتنتهي في القشرة الدماغية.

حيث ينشأ من الخلايا الشمية في الأنف استطالات تكون الألياف العصبية الشمية،وهذه تكون ما يسمى الحويصل الشمي،ومن هذه الألياف العصبية اللانخاعينية،يتشكل العصب الشمي الذي يدخل تجويف القحف من خلال الصفيحة المثقوبة الغربالية في العظم الغربالي .

ويقدر عدد الخلايا الشمية في تجويف الأنف بحوالي 50 مليون،وهي تتوضع بين الخلايا الاستنادية للغشاء المخاطي للأنف.

إنَّ الشَمّ يتم عن طريق تمييز روائح الأشياء التي يستنشقها الأنف،ولكي تتمّ عملية الشَمّ لابُدّ أن تتوفر بعض الصفات في المادّة المشمومة وأهمها :

أن تكون مادّة طَيّارة كي تتبخر في الهواء لتصل إلى الأنف.

أن تكون قابلة للذوبان في الماء والمحاليل الدهنية وبالتالي تكون ذوابة في مخاط الأنف كي تؤثر في أهداب الخلايا الشمية.

وأن تكون لها رائحة.

ومن شروط حادثة الشم:

1 ـ صفات المادة المشمومة التي ذكرت سابقاً

2 ـ سلامة الفرجة الشمية(وهي المسافة بين القرين المتوسط والوترة الأنفية وهي الحاجز بين جانبي الانف)

3 ـ سلامة الغشاء المخاطي للبشرة الشمية(مثلاً انسداد الأنف باحتقان شديد كما في الرشوحات الشديدة،أو وجود بوليبات أنفية لايمكن الهواء الحامل للروائح أن يصل إلى المخاطية الشمية)

4 ـ سلامة الألياف العصبية الشمية(مثلاً عدم اصابتها بأذيات شديدة وخاصة بعض الفيروسات)

5 ـ سلامة البصلة الشمية والعصب الشمي ( قد تصاب في كسر العظم الجبهي وإصابة الصفيحة الغربالية،أو ورم الفص الجبهي)

6 ـ سلامة المراكز الشمية في قشر الدماغ.

ومن الناحيّة الفيزلوجية يمكن تحليل الروائح إلى سبعة روائح بسيطة أو أوليّة :

الرائحة الكافورية

الرائحة المسكيّة

رائحة الزهور

رائحة النعناع

رائحة الإيثير

الرائحة اللاذعّة

الرائحة النتنة

إنّ عتبة الشَمّ منخفضة جداً،ونعني بذلك الحدّ الأدّنى أو التركيز الأدنى الذي يلزم من وجود مادّة ما كي يستطيع الأنف شَمّها ، فالمادة التي تُسمى ميركبتان الميثيل يمكن أن تُشَمّ إذا وُجِدَ منها جزء من 25 مليون جزء من المغ في لتر من الهواء،ولذا تُمزج هذه المادّة بالغاز الذي يُستعمل في مواقد الغاز المنزلية ليكشف الإنسان رائحة الغاز وبسرعة في حال حصول أي تسرب غازي .

ثالثا :الأنف ذو وظيفة هامة في عملية الذوق

إذ قد يظن بعض الناس أنّ اللسان وبما يحتويه من الحليمات الذوقية هو المسؤول الوحيد عن عملية التذوق،وهذا خطأ شائع .

إنّ حاسة الشم لها دور رئيسي ولا غنى عنه في إحساسنا بمذاق الطعام  فاللسان لا يُميّز إلا أربعة انواع أساسية من الأطعمة : الحلو، والحامض، والمرّ، والمالح، بينما يستطيع الأنف تمييز عددٍ أكبر من الروائح الأساسية والثانوية،وبالتالي فإنّ تذوق الطعام يعتمد على تذوّق اللسان،وعلى مايتلقّاه الأنف من رائحة ذلك الطعام، ولهذا يصعُب تذوّق الطعام في حالات الرشوحات الأنفية والزكام .

رابعاً : الأنف عضو تَصّويت:

إذ أنّ الأنف يشارك الفم والبلعوم في تشكيل ما يُسّمى الأنبوب الرّنان،ولذا فإنّ أي اضطراب في وظيفة الأنف يؤدي إلى اضطراب في عملية التصّويت، وحصول ما يُسّمى “الخنخنة”  أي ينطق المرء الميم والنون والتنوين كأنّها باء،إنّ الأنف يشارك في صدور أصوات الحروف بشكل طبيعي وصحيح وخصوصاً حرفي الباء والميم .

الإستنشاق والإستنثار

ذكرنا أن الغشاء المخاطي للأنف يفرز كمية كبيرة من المخاط يومياً،وأنّ هذا المخاط يحتوي على الاقذاروالجراثيم والغبار والأجسام الضارة ..كما أنه إذا تراكم  في الأنف فإنّه يعيق مرور هواء التنفس،وبناء على هذا وذاك فإنه لابدّ من إزالة ورفع هذا المخاط المتراكم وأفضل مايتم به هذا الأمرعن طريق الاستنشاق والاستنثار اللطيف.

ولقد سُنّ الاستنشاق في كل وضوء وكل غسل .جاء في الحديث الشريف عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه لقيط بن صبرة قال: قلت يارسول الله أخبرني عن الوضوء قال أسبغ الوضوء وخَلّل بين الأصابع وبالغ في الإستنشاق إلا أن تكون صائماً“[رواه ابن ماجة والنسائي وأحمد والترمذي وأبو داود وقال الترمذي حسن صحيح]،وهنا لفتة نبوية كريمة وهي الدعوة إلى المبالغة في الإستنشاق ـ مالم يكن المرء صائما ـ وهذا مهم جداً من أجل نظافة الأنف مما تراكم فيه من المخاط والذي يكون مشبعا بالجراثيم والغبار ..وإن من أهم الوسائل العلاجية حالياً في التهابات الجيوب المزمنة إجراء غسول الأنف ببعض المواد المطهرة أو بالمحلول الملحي الفيزلوجي.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاث مرات فإنّ الشيطان يبيت على خياشيمه [رواه الشيخان] .

وقال صلى الله عليه وسلم :إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر “[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].

ومن السنة النبوية أن يكون الاستنشاق باليد اليمنى والاستنثار باليد اليسرى.

وكما ذكرنا فإنّه من الناحية الطبية ينصح بالإستنثار اللطيف وذلك بعد سدّ أحد المنخرين بالتناوب لا كليهما معاً،وأيضاً بالاستنشاق اللطيف .

وإن بعض الناس يلجأ إلى الاستنثار الشديد وذلك بسدّ المنخرين معاً وهذا يؤدي إلى ارتفاع الضغط على الأذن الوسطى وذلك لوجود نفير أوستاش الذي يربط البلعوم الأنفي مع الأذن الوسطى وهذا قد يسبب ألماً شديداً في الأذن، أضف إلى ذلك أن هذا قد يؤدي إلى أن يعود جزء من المخاط ومافيه من جراثيم وأوساخ إلى الخلف ويمرعن طريق قناة النفير وهذا قد يؤهّب لحدوث التهابات في الأذن الوسطى وخاصة مع تكررالأمر عدّة مرات .

العطاس مابين الطبّ والسنّة النبوية

العطاس من الناحية الطبية هو منعكس لحماية الانف وبالتالي الجهاز التنفسي من الأجسام الغريبة الداخلة عن طريق الهواء الملوث الداخل للأنف ومايحمله من غبار وأجسام غريبة وجراثيم وعوامل ممرضة .

ولقد نبّهت السنة النبوية الشريفة على حمد الله تعالى عند العطس .عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب،فإذا عطس أحدكم ،وحمد الله تعالى كان حقاً على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله ،وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليردّه ما استطاع ،فإن احدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان ” [رواه البخاري].

يقول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله عن العطاس وحكمة تشميت العاطس( في كتاب فتاوى معاصرة) :”

يجب أن ألقي الضوء على الحكمة فيما شرعه الإسلام من أدب العطاس من حمد وتشميت ودعاء :

أول ما يشرع للعاطس أن يحمد الله تعالى فيقول الحمد لله أو الحمد لله على كل حال أو الحمد لله ربِّ العالمين كما جاءت بذلك الأحاديث وهو ما اتفق على استحبابه كما قال النووي.

ومن آداب العاطس أن يخفض بالعطس صوته لئلا يزعج أعضاءه ولا يزعج جلساءه وأن يرفعه بالحمد ليسمع من حوله وأن يغطي وجهه لئلا يبدو من فيه أو أنفه ما يؤذي جليسه .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يده على فِيه وخفض صوته “[ أخرجه أبو داود والترمذي بسند جيد].

ثم يجب على من سمعه يحمد الله تعالى أن يشمته أي يدعو له بقوله”يرحمك الله “كما في حديث عائشة رضي الله عنها والذي رواه أحمد وأبي يعلى :إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله وليقل من عنده يرحمك الله وهذا من حقّ المسلم على المسلم

ويتابع الشيخ القرضاوي:

“والظاهر أنه فرض عين كما أكدّت ذلك عدّة أحاديث بعضها جاءت بلفظ الوجوب الصريح”خمس تجب للمسلم وبعضها بلفظ الحق الدال عليه”حق المسلم على المسلم ست وبلفظ على الظاهر فيه وبصيغة الأمر وبقول الصحابي “أمرنا رسول الله ”

ويجب على العاطس أن يرد من شمته فدعا له بالرحمة ،أن يدعو له بالهداية وصلاح البال كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ورواه البخاري”إذا عطس أحدكم  فليقل الحمد لله وليقل له أخوه أو صاحبه يرحمك الله فإذا قال له يرحمك الله فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم أو يدعو له ولنفسه بالمغفرة كما في حديث ابن  مسعود يغفر الله لنا ولكم ” .

القواعد الصحيّة في الإسلام في الصّحة البدنّية

بعد أن تكلمنا عن الجلد وملحقاته،والأنف من الناحية التشريحية والوظيفية،سوف نتحدث عن بعض القواعد الصحية من خلال السنة النبوية فيما يتعلق بهذا الأمر.

من كمال حرص الإسلام على نظافة البدن والجسم أن جعل من تعاليمه إزالة كل ما يساعد على تراكم الأوساخ والأقذار،وعلى إزالة كل مايؤدي إلى التخمرات الناشرة للروائح الكريهة .

لقد أوصت تعاليم الإسلام الحنيف بتقليم الأظافر،والختان،وحلق شعر العانة(الاستحداد)،وقص الشارب،ونتف الإبط،إلى غير ذلك

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:خمس من الفِطرة الإستحداد،والخِتان،وقص الشارب، ونتف الإبط،وتقليم الأظافر”[أخرجه الشيخان وأحمد والترمذي] .

وعن أُمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:عشرةٌ من الفِطرة قص الشارب،وإعفاء اللحية،والسواك،واستنشاق المياه،وقص الأظافر،وغسل البراجم،وحلق العانة،وانتقاص الماء،ونتف الإبط[رواه مسلم وأحمد والترمذي]

وقال زكريا : قال مصعب : نسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة، وزاد وكيع وانتقاص الماء يعني الاستنجاء .

(البراجم:هي العقد التي تكون على ظهور الأصابع،وهي أماكن قد يتوضّعُ الوسخ فيها)

وقال القاضي عياض في شرحه لمسلم ولعلّ العاشرة الختان لأنّه ذُكر في الحديث الأول .

والفطرة :هي كل مايميل إليه الطبع والذوق السليمان،والمراد فيها هناهي سنن الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام.

جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم “.

واختلف بالمراد من القدوم،فقيل هو اسم مكان وقيل اسم آلة ، وقيل قرية بالشام،ويقول الإمام العظيم ابن حجر العسقلاني :والراجح أنّ المراد بالحديث الآلة .

وعن يحيى ابن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول :إبراهيم عليه  السلام أوّل من اختتن،وأوّل من أضافَ الضّيف،وأوّل من قَلّم أظافره،وأوّل من قص الشارب،وأوّل من شاب،فلما رأى الشيب قال: ماهذا ؟قال وقار،قال يارب زدني وقاراً،وروي بزيادة أيضاً انّه أوّل من استحدّ. وفي شرح الآية الكريمة{وإذ ابتلى ابراهيمَ ربّهُ بكلماتٍ فأتمهنّ}[البقرة 124] اختلف في تعيين الكلمات، فرُوي عن ابن عباس قوله:ابتلاه الله بالمناسك،ورُويّ عنهُ ايضاً:”ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد،أما في الرأس فهي قص الشارب،والمضمضة ،والاستنشاق، والسواك،وفرق الرأس،وأما في الجسد : فتقليم الأظافر،وحلق العانة ، والختان، ونتف الإبط،وغسل أثر البول والغائط بالماء”.

نظافة اليدين بالخاصة:

وخاصة في الحالات التالية:

أولاً : عند الإستيقاظ من النوم:

فإنّ النائم لا يدري أين باتت يده،وماذا لامست أثناء نومه.عن أبي هُريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنّه لا يدري أين باتت.[رواه الشيخان].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:من باتَ وفي يدهِ ريحُ غَمَرٍ فأصابهُ شئٌ فلا يَلُومنّ إلا نفسَه [أخرجه الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه].

(الغمر :هو الدسم والزفر من اللحم)

ثانياً :غسل اليدين قبل تناول الطعام وبعده:

أما غسلهما قبل الطعام فمن أجل إزالة ما علق بهما من أوساخ وتلوث،وهذا ذو أهميّة شديدة للوقاية من الأمراض التي تحدث العدوى فيها عن طريق اليد الملوّثة فالفم فالانبوب الهضمي وخاصة أمراض الحمّى التيفية،والزحار بنوعيه الجرثومي والأميبي ، والهيضة(الكوليرا)وكثير من الإسهالات الإنتانية الحادة …وأما غسلهما بعد الطعام فمن أجل إزالة ما علق بهما من بقايا الطعام، والذي يشكل تربة صالحة لنمو الجراثيم .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:بركةُ الطعام الوضوء قبله وبعده”[ رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقيل حديث ضعيف ](والمراد بالوضوء هنا :غسل اليدين إلى الرسغين)،وجاء في الحديث الشريف”كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يأكل  أو يشرب غسل يديه،ثم يأكل ويشرب“[رواه النسائي عن عائشة رضي الله عنها،وصححه الألباني]،”وصحَّ أنه عليه الصلاة والسلام،أكل كتف شاةٍ فمضمضَ وغسلَ يديه“[رواه ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه].

ثالثاً:غسل اليدين لدى ملامستهما للأقذار وحالات التلوث وخاصة بعد التبول والغائط

وعند الحديث عن غسل اليدين وبشكل عام لابد من الانتباه للأمور التالية:

أولاً: التخليل بين الأصابع:

حيث أنّ الأفوات(المسافات بين الأصابع) تشكل وسطاً صالحاً لنمو الفطوروالجراثيم وخاصة أصابع اليدين والقدمين .وإن كثيراً ممن يصابون برائحة القدمين (ما يسمى القدم الرياضية) تنجم عن حدوث التخمرات مابين أصابع القدمين والناجمة عن تراكم الفطور فيها،وهذا قد يؤدي أيضاً لحدوث التشققات والاكزيما والالتهابات القيحية،والدمامل، وخاصة عند من لديهم استعداد كمرضى السكري مثلاً والذين يمارسون الرياضة وما يرافقها من تعرق غزير ولا يعتنون بالنظافة الموضعية،ومع نقص التهوية وخاصة لارتداء الحذاء الرياضي لساعات طويلة من النهار ومن هنا كانت التسميّة الطبيّة”قدم الرياضي”،قال صلى الله عليه وسلم: “إذا توضأتَ فَخلِّل الأصابع”[ رواه الترمذي عن لقيط بن صبرة رضي الله عنه وهو حديث حسن صحيح]،وجاء في الحديث الشريف “أسبغ الوضوء،وخَلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً”.[صحيح أبو داود عن لقيط بن صبرة وصححه الألباني]

وأما اسباغ الوضوء :هو أن يتجاوز الماء قليلاً لمفصلي الرسغين في اليدين،والكاحلين بالنسبة للقدمين.

وهذا من الناحية الطبية ذو أهميّة خاصة،لأن هذه المفاصل وما فيها من تعاريج وتلافيف وثنيات قد تكون ملاذاً للجراثيم والفطور  وإن اسباغ الوضوء يساعد على نظافتها .

ثانياً : اتباع السّنة النبوية في غسل اليدين :

ومنها استحباب التَيمّن: حيث أن أمور الطهارة والنظافة تكون اليد العليا فيها لليد اليمنى،وأما إزالة الأقذار والنجاسات فلليد اليسرى كما هو الحال بالاستنجاء.

قالت السيدة عائشة رضي الله عنها :كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب “التيمن مااستطاع في طهوره وتَنعلّه وترجلّه [رواه البخاري] .

وعن السيدة عائشة رضي الله عنها “كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه،وكانت يده اليسرى لخلائه،وما كان من أذى [رواه أبوداود باسناد حسن].

وجاء أيضاً في الحديث الشريفإذا بال أحدكم فلا يأخذ ذَكرهُ بيمينه،ولا يستنج بيمينه،ولا يتنفس في الإناء [رواه البخاري ].

(ملحوظة:ولشرف اليمين أنه كانت بها المصافحة،وأخذ العهد،وزادها الله شرفاً اضافتها إلى الله فيقال يمين الرحمن، ومنها أخذ اليمين للقسم ..ويندب التياسر عند دخول منزل الخلاء،والاستنجاء،وخلع النعال ).

نظافة الأذنين

فإن الاذنين قد يعلق بهما الغبار والأوساخ وخاصة في الأشعار الموجودة في مجرى السمع الظاهر،و”صحَّ ان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما وأدخل أصابعه في صِماخ أُذنيه“[ رواه أبو داود عن المقدام بن معدي كرب]، و”صحَّ أنه صلى الله عليه وسلم مسح أُذنيه: داخلهما بالسبابتين وخالف إبهاميه إلى ظاهر أُذنيه فمسح ظاهرهما وباطنهما“[رواه ابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما].

تقليم الأظافر

إنّ تقليم الأظافر من الأمور ذات الأهمية الكبرى من الناحية الصحية ،حيث أنه قد تتراكم الأوساخ تحتها،وهذا قد يؤدي إلى تراكم الجراثيم وبعض العوامل المُمرضة الأخرى،وعند حدوث الحكّة الجلدية يمكن أن تحدث بعض السحجات الجلدية وهذه يمكن أن تتطّعم بالجراثيم مما يؤدي إلى حدوث الالتهابات القيحية الجلدية والدمامل  وهذا يشاهد خاصة عند الأطفال الصغار وإنّ من أهم أسباب التهابات الجلد القيحية والدمامل المعاودة والناكسة هو إطالة الأظافر عند الأطفال .

كما أنه وللأسف أصبحت عادة إطالة الأظافر عند النساء من العادات المستحكمة والمنتشرة وهي مع مخالفتها للسّنة النبوية الشريفة،إلا أنها ذات عواقب صحيّة سيئة أيضاً،حيث أن تحضير الطعام الذي تشرف عليه النساء قد ينقل عن طريق الأظافر الطويلة وما تحمله من جراثيم ومكروبات العدوى والمرض إلى أفراد العائلة،وفي التاريخ الطبي هناك حادثة مشهورة وتسمى “حادثة الطباخة ماري” حيث أنها كانت حاملة لجراثيم الحمى التيفية وبدون إصابتها سريرياً(يسمى طبياً حملة المرضى) ومن خلال عدم الإعتناء بنظافة يديها نقلت المرض لعدد كبير من الناس .

ولعلَ من أكثر الأمثلة التي تبين نقل الأظافر الطويلة والملوثة للأمراض نذكر مايسمى داء “الحرقوص”وهو داء تسببه بعض الديدان، وهو وللأسف داء منتشر،وإن بيوض هذه الديدان تتوضع في حلقة الشرج الخارجية وهي تنضج خلال ساعات وتصبح مُعدية وهي مقاومة للجفاف،وتصبح قادرة على العدوى عدّة أسابيع وهنا تكمن المشكلة في الداء حيث توجد هذه البيوض في ناحية الشرج وبسبب الحكّة الشديدة وهي غالباً ليلية، فإن البيوض تتوضع تحت الأظافر، ومن خلال تناول الطعام تدخل انبوب الهضم مجدّداً،بحيث يحدث ما يسمى “العدوى الذاتية” ومن هنا كانت صعوبة معالجة المرض ونكسه ومعاودته وإعداء الذات والغير،ومن أهم وسائط المعالجة هو تنظيف ناحية الشرج وبشكل جيد ومستمر،وكذلك نظافة اليدين،وتقليم الأظافرعند المصاب .

وجاءت الفطرة والسنّة النبوية تحضّ على تقليم الأظافر،وأن لا تترك فوق الأربعين يوماً.

نظافة الشعر

إنّ شعر الرأس هو زينةٌ،ودرع للرأس،وقَلّما يبقى طبيعياً إن لم يتعهده صاحبه بالعناية والرعاية الدائمين،من نظافة، وترجيل(تمشيط)،وإن إهمال ذلك يؤدي إلى تجمع الأقذار مع المفرزات الدهنية التي تفرزها الغدد الدهنية الملحقة بالأجربة الشعرية،وهذا يؤدي إلى تشكيل طبقة سميكة من القشرة الرأسية،وهذه الطبقة القشرية تعيق وظائف الجلد في تلك الناحية كما أنها تضعف نمو البصلات الشعرية،وتُسّهل سقوط الأشعار، كما أنّ هذا يؤهّب لتخريش الجلد في تلك الناحية،وما يستدعي ذلك من حكّةٍ شديدة،وحدوث تسحجات جلدية يمكن أن تؤهّب لحدوث التهابات جلدية وفطرية، وحدوث الاكزيما الجلدية الدهنية،والإصابة بقشرة الرأس .

إنّ غسل الشعر المتكرر،وتدليك فروة الرأس، واستعمال بعض أنواع “الشامبو”،يساعد على إزالة هذه الترسبات الدهنية،ويساعد على فتح مسام فروة الرأس،وهذا يزيد من تهوية البصلات الشعرية ويقويّها .

كما أن ترجيل وتمشيط الشعر يساعد أيضاً في تدليك فروة الجلد وتنشيط الدورة الدموية وزيادة تغذية بصيلات الأشعار ونموها .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من كان له شعرٌ فليُكرمه [رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه وحسّنه الحافظ ابن حجر ورمز السيوطي لحسنه].

وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال كانت لي جمّة ضخمة،فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يُحسن إليها وأن يترجّل كل يوم. رواه النسائي بإسناد صحيح.(والجمّة من الشعر:ماجاوز شحمة الأذن)

وعن عطاء بن يسار قال كان النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن أخرج كأنّه يعني أن يصلح شعر رأسه ولحيته ففعل ثم رجع،فقال النبي صلى الله عليه وسلم :أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنّهُ شيطان” .[ رواه الإمام مالك والحديث مرسل فيه انقطاع] .

ومما يتعلق أيضاً بنظافة الشعر أمران هامان أيضاً: الإستحداد،ونتف الإبط.

من الناحية الطبيّة فإن الأماكن التي يكثر فيها الأحتكاك كناحية الإبط والعانة،فإن الله عزّ وجلّ قد زودّ هذه الأماكن بأجربة شعرية  لتخفف من درجة الاحتكاك وحتى لاتحدث التهابات موضعية،كما أنه قد جهزهّا بالغدد العرقية والتي تساعد في تطريّة الجلد وتليينه،حتى لاتصاب بالجفاف، بلإضافة إلى أن العرق يحتوي على مواد قاتلة للجراثيم . ولكن من جهة أخرى فإن طول الشعر في هذه النواحي،وعدم الاعتناء بنظافته، وعدم العناية به، بالإضافة إلى حدوث التخمرات العرقية، فإن هذا قد يؤّهب لحدوث نتائج عكسية تتمثل في الإلتهابات الموضعية، والإنتانات الجرثومية والفطرية .

ومن هنا جاءت التشريعات الدينية والسنن النبوية والتي تحضّ وتحثّ على إزالة هذا الشعر القديم ليحل محله شعر جديد ، بالإضافة إلى الإهتمام بعناية الإنسان بالنظافة الموضعية .

وجاءت الأحاديث النبوية توضّح هذا وتدعو المسلم إلى الاستحداد(حلق شعر العانة) ونتف الإبط بفترة لا تتجاوز الأربعين يوماً .

جاء في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: “وقتّ لنا في قص الشارب وقلم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة ألا يكون اكثر من أربعين ليلة” .

وممّا يبين حرص الصحابة رضي اله عنهم على الاقتداء بالسّنة النبوية الطاهرة أن خبيب بن عدي رضي الله عنه وهو أحد أسرى الرجيع وكان محبوساً في مكة بعد أن غُدرَ به وكان محبوساً في دار لبني الحارث واستعار خبيب من جارية لهم موسى ليستحد به لما دنا قتله،وغفلت الجارية عن غلام لسادتها درج حتى أتى خبيباُ فوضعه على فخذه ،فلما رأت هذا المنظر فزعت فزعةً شديدة وقالت في نفسها أصاب والله الرجل ثأره بقتل هذا الغلام  فأدرك خبيب ما حدّثت به نفس الجارية وقال لها : أتخشين أن أقتله؟ ماكنت لأفعل ذلك إن شاء الله .فهو رضي الله عنه كان يريد تطبيق السنة الطاهرة قبل أن يُقتل بإجراء الإستحداد وحلق شعر العانة .

إنّ من أهم أسباب حدوث داء القمل في ناحية العانة هو طول الشعر هناك وعدم النظافة والعناية الموضعية،وهو وللأسف داء منتشر، وشديد العدوى .

جاء في كتاب الأمثال لأبي هلال العسكري(ج2 ص218):

“يقولون “ألزق من شعرات القص”،والقص عظم في منتصف الصدر.وذلك أنه كلما حُلقتْ نبتت،وإنما خصّوا شعر الصدر دون شعر الرأس لأنهم كانوا يوفرون شعر الرأس ويحلقون شعر الصدر”.

نظافة الفم والسواك

نظرة تشريحية وظيفية:

يعتبر الفم القسم الأول من انبوب الهضم،وينقسم إلى قسمين: الخارجي ويدعى دهليز الفم والذي يفصل الشفتين والخدين عن الأسنان واللثة،والقسم الثاني ويدعى الفم بالخاصة،والذي يحده في الأمام والجانبين الأسنان.

وعلى دهليز الفم تصب الأقنية اللعابية وخاصة الغدة النكفية،والغدد المخاطية للشفتين والخدين.وفي حالة شلل العضلات التي يعصبها العصب الوجهي(العصب السابع من الأعصاب القحفية) فإن الشفتين والخدين يبتعدان عن الأسنان واللثة ويتجمع الطعام في دهليز الفم.

وأما الأسنان فهي إما لبنية مؤقتة،وتبدأ بالبزوغ حوالي الشهر السادس من العمر،وتتساقط ما بين السنة السادسة والثانية عشرة.والأسنان الدائمة والتي تبدأ بالبزوغ بعد زوال الأسنان اللبنية.ويتألف السن من قسم ظاهر يدعى التاج،وقسم منغرس داخل السنخ الفكي ويدعى الجذر.

والسن عبارة عن نسيج عظمي يتألف من المينا،والعاج،والملاط،ومن مركز لا عظمي يدعى اللب.

أما المينا:فهو المادة التي تغلف تاج السن،ويعتبر من أقسة أنسجة البدن،ويحتوي على 96% من فسفات الكلسيم،وعلى نسبة بسيطة من مركبات عضوية مثل السكريات البروتينية،وعلى مادة تشبه القرنين.

أما العاج:فيتألف من 70% من مركبات لاعضوية،و18% من مركبات عضوية،ويشكل القسم الجواني من جذر تاج السن.وهو يتألف من مادة أساسية كلسية.

أما الملاط:فهو عبارة عن المينا الذي يغطي جذر السن.

وأما اللب:فهو يحتوي عند الشخص اليافع على لأرومات لليف،مبعثرة ضمن مادة أساسية ليفية متجانسة،وعلى خلايا متوسطية غير متمايزة،وعلى خلايا تدعى الخلايا المصورة للعاج،واللب غني بالأوعية الدموية والأعصاب والأوعية اللمفية.وهي تمتد من الفوهة السنية السفلى إلى تاج السن.

وتقسم الأسنان حسب هيئتها وعملها إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ القواطع:وتستقر في منتصف القوس السنية،وعددها أربعة في كل فك اثنان أنسيان يسميان بالثنيتين،ووحشيان يسميان بالرباعيتين.

2 الأنياب: تستقر وحشي القواطع وهي في كل فك اثنان.

3 ـ الرحى أو الطواحن:تتوضع خلف الأنياب وتعد عشرة في كل فك.

إن إهمال نظافة الفم،وعدم العناية بشكل خاص بنظافة الأسنان يؤدي لأمراض موضعية وعامة،قد يكون لها نتائجها القريبة والبعيدة،وقد تكون ذات عقابيل خطيرة وعواقب مميتة .

إنّ أبسط هذه الاختلاطات الإصابة  بالقلح أو القلاح وهي ترسبات تحدث على الأسنان والتي تؤدي إن لم تعالج مبكراً إلى تسوس الأسنان ومن ثم تنخر الأسنان،والتهاب اللثة، وتخلخل الأسنان،ويقسم إلى القلح دون اللثوي وهو الذي يتوضع أسفل حافة اللثة،أو القلح فوق اللثوي إذا توضع على حافة اللثة ويمكن رؤيته في تجويف الفم.كما أن القلح قد يؤدي إلى حدوث البَخر أي رائحة الفم الكريهة،وإن التهاب اللثة المزمن قد يؤدي إلى انطلاق الجراثيم والتي قد تؤدي إلى التهاب القلب الرثوي والتهاب الشغاف الجرثومي وفي بعض الحالات حدوث التهاب الكبب الكلوية المناعي  وهي كلها أمراض خطيرة ومهددّة للحياة .

ومن الناحية المجهرية فإن القلح يحتوي على جراثيم بشكل طبقات،وعلى بعض الفطور،وخلايا بشرية وسفية،وبقايا أطعمة،وبعض الكريات البيض وأملاح كلسية.

وأما نخرة أو تسوس الأسنان:فهو مرض يصيب أكثر من 90% من الناس،وهو عبارة عن تخرب مزمن في النسيج العظمي للسن،مع حدوث تخرب في النسج العضوية وتعرضها للحل الخمائري والغزو الجرثومي،وإن الحموضة التي تسبب النخرة السنية ناجمة عن الفعل الجرثومي أو الحيوي على بقايا الطعام،وخاصة السكاكر المتخمرة,وأكثر الجراثيم التي تساهم في ذلك العصيات اللبنية والمكورات العقدية.

وأما التهاب اللثة:فهو من أكثر أمراض تجويف الفم شيوعاً،ونقصد به إصابة الأنسجة المحيطة والداعمة للأسنان وخاصة اللثة والغشاء السمحاقي.والتهاب اللثة المزمن ينجم عن تأثير بعض العوامل المرضة كالجراثيم والبقايا الطعامية.وإذا لم يعالج فإن الالتهاب ينتشر إلى الأنسجة المجاورة ويسبب تخلخل الاسنان وتمزيق الأنسجة الداعمة ويمكن أن يسبب التهاب الشغاف الجرثومي.

اللسان وبراعم الذوق:

ومن الناحية الفيزلوجية فإنّ الفم يحتوي على اللسان وفيه براعم الذوق.

حاسة التذوق:

إن مستقبلات الذوق أو مايسمى براعم الذوق والتي يبلغ عددها حوالي 9000 عند الكهل تتواجد على الأقسام السطحية من الوجه الظهري للسان،ويوجد عدد قليل منها في شراع الحنك ولسان المزمار.وعند الأطفال يكون عددها كبيراً وتتوزع بصورة منتشرة في اللسان وباطن الخدين.

الأعصاب الذوقية:

1 ـ الشعبة اللسانية من العصب البلعومي اللساني:وهي تُعصب الثلث الخلفي من اللسان وهي مسؤولة بشكل خاص عن الطعم المر.

2 ـ عصب حبل الطبل:يعصب الثلثين الأماميين للسان تعصيباً ذوقياً .

3 ـ العصب الصخري السطحي الكبير:يعصب ناحية شراع الحنك.

ومن الناحية الفيزلوجية:هناك أربعة أنواع من الطعام:الحلو،والحامض،والمالح،والمر.

إن الخلية الحسية الواحدة لايشترط بها أن تكون حساسة للطعوم الاربعة،وإن بعض الخلايا الحسية الذوقية قد تكون حساسة لبعض الطعام أكثر من غيره.

إن مستقبلات الطعم الحلو توجد بصورة رئيسية عند ذروة اللسان،أما مستقبلات الطعم المر فتوجد في القسم الخلفي من اللسان.أما مستقبلات الطعم الحامض فتوجد في حوافي اللسان،وأما المالح عند ذروة وحواف اللسان.كما يمكن أن نجد مستقبلات للطعم الحامض والمر في شراع الحنك.

الغدد اللعابية:

ويحتوي تجويف الفم على الغدّد اللعابية وهي تنقسم إلى:

الغدد اللعابية الكبرى: وتشمل الغدتان النكفيتان،والغدتان تحت الفك،والغدتان تحت اللسان،وهي تنفتح جميعاً على باطن الفم.والغدة النكفية ذات افراز لعابي مصلي،والغدة تحت اللسان ذات افراز مختلك مصلي ـ مخاطي ولكنه غالباً مخاطي،والغدة تحت الفك ذات افراز مختلط والمرجح أنه مصلي.

الغدد اللعابية الصغرى:وهي مجموعات غدّية عنبيّة متوضعة في الفم والبلعوم والحنك والشفتين .

يتم تشكيل اللعاب بواسطة هذه الغدد الكبيرة والصغيرة معاً،ويقدر مجموع افراز اللعاب يومياً من نصف لتر وحتى اللتر والنصف،ومعظم الإفراز يتم أثناء تناول الطعام،وتقدّر كمية الإفراز أثناء الراحة حوالي عشرين مل في الساعة وينعدم إفراز اللعاب أثناء النوم.

أهم وظائف اللعاب في حفظ صحّة الفم:

أولاً : الترطيب:

إنّ اللعاب يُبقي مخاطية الفم والبلعوم بشكل رطب،وذلك لأن الجفاف يسبب تقّشر المخاطية في تجويف الفم،وهذا الجفاف يُسّهل حدوث الالتهابات المتكررة .

ثانياً :تسهيل المضغ والبلع:

فاللعاب يُرطّب اللقمة الطعامية،ويساعد بلزوجته على ابتلاعها،وتقوم خميرة الأميلاز،والتي تتشكل في الغدد اللعابية على تحليل المواد النشوية والموجودة في الطعام،ويزداد افراز هذه الخميرة مع ازدياد نشاط الغدد اللعابية،وتكون كميتها أكبر في الطرف الذي يقوم بمضغ الطعام ويزداد افرازها عند اتباع الحمية السكرية،وتكون أقلّ افرازاً عند تناول اللحوم والمواد البروتينية  وتركيزها عند الشباب أكثر منه عند المسنين .ومن الخمائر الأخرى التي يحتويها اللعاب نذكر البيتا غلوكورونيداز والهيالورونيداز والكولاجيناز…

ثالثاً: اللعاب مُطهّر وقاتل للجراثيم والعوامل المُمرضة:

حيث تبين أنَ اللعاب يحتوي على بروتينات ومنها مادة المخاطين،وعلى الغلوبولينات المناعية،وهي قاتلة للجراثيم والفطور، ويمكن لهذه البروتينات أن تثبط  فعاليّة بعض الفيروسات،كما أنَ اللعاب له عمل آلي،فهو يساعد على ازالة الجراثيم من الأسنان ومخاطية الفم وحملها عن طريق عملية البلع إلى المعدة حيث تموت هناك،وكذلك فإنَّ اللعاب يحتوي على الكريات البيضاء والتي تقوم بعملية “البلعمة” للجراثيم والكائنات الممُرضة .كما أن اللعاب يحتوي على الجراثيم التي تعتبر من الخملة(الفلورا) الطبيعية للفم وهي تقاوم الجراثيم الخارجية.

وهذه الخملة الفموية الطبيعية عبارة عن كلئنات دقيقة حيوية مصاحبة غير ممرضة في الاحوال الطبيعية.وهي توجد في حالة توازن فيما بينها،وهي ليست ثابتة بل تتغير من حين لآحر.وأكثرها من نوع المكورات العقدية ألفا،والمكورات العقدية اللاهوائية،والعصيات اللبنية،وبعض الضمات وأشباه الجراثيم،وبعض الملتويات،وبعض الجراثيم إيجابية الغرام،والمكورات السلبية الغرام،وبعض الفطور وخاصة الطوقيات(المونيليا)

رابعاً: اللعاب يساعد في عملية الكلام:

وذلك لأنَ الكلام ولفترة طويلة يؤدي إلى تبخراللعاب،ولذلك يحتاج المتكلم لفترة طويلة إلى تناول رشفات من الماء بين الفينة والأخرى.

خامساً:اللعاب يؤثر في عمليات التبريد والتسخين والتمديد:

ويزداد افراز اللعاب بعد تناول الحوامض فَيعدِّل من حموضتها،ويُسَخّن الطعام البارد،ويُبَرّد الساخن،كما أنه يحافظ على التوازن الحمضي ـ القلوي في تجويف الفم .

كما أن اللعاب يحتوي على بعض عوامل التخثر الطبيعية وخاصة العامل الثامن،والتاسع،والعاشر،كما يحتوي عامل هيغمان والذي يسرع من تخثر الدم،ويمنع غزو الجروح من الغزو الطفيلي ـ الجرثومي وهذا مما يدل على مقاومة تجويف الفم للإنتانات.

سادساً: للعاب وظيفة طرح بعض الفضلات:

ويبدو ذلك جليّاً في أمراض الكلية المزمنة،حيث يلاحظ زيادة طرح الفضلات الآزوتية عند المرضى بالقصور الكلوي عن طريق اللعاب،وكذلك يتم عن طريق اللعاب طرح بعض المعادن كالزئبق،والرصاص،والبيزموت،والحديد،والزرنيخ ،في حالات تسمم الجسم بها ،كما يتم عن طريق اللعاب طرح الغول(الكحول)،وبعض الأدوية وخاصة مركبات الستركنين والكينين وبعض الصادات الحيوية(الأنتيبيوتيكا)

إنّ نقص افرازاللعاب قد يكون لأسباب موضعية،أو عامة . وإن نقص الإفراز يسبب جفاف الفم،ومن أهم أسباب نقص إفراز اللعاب تناول بعض المركبات الدوائية،وهناك بعض الأمراض الجهازية العامة مثل أمراض الرثية(الروماتزم) ودا يورجين،وداء السكري،وارتفاع الضغط الشرياني،وأمراض الاكتئاب يمكن أن تسبب نقص افراز اللعاب .

ومن أكثر الأدوية التي تسبب نقص افراز اللعاب: نذكر مضادات الكولينرجية والتي تُعطى بشكل خاص في أمراض الرئة والقصبات،وأمراض المثانة،وبعض خافضات الضغط الدموي… وكذلك هناك بعض المهدئات،ومضادات النُفاس(الأمراض النفسية)،ومضادات الهستامين والتي تعطى في أمراض التحسس ..

إنَ نقص افراز اللعاب يسبب كما ذكرنا جفاف الفم،واضطرابات البلع ،واضطرابات النطق،وحسّ حرقة في اللسان،كما أن الأسنان الصناعية لاتثبت جيداً،وتحدث نخرات سنيّة،وتزداد نسبة اإالتهابات الجرثومية وخاصة بالمكورات العقدية ،والعُصيات اللبنية وكذلك يسهل نمو الفطور وخاصة منها الطوقيات(المونيلا أو الكانديدا)وهذا يسبب حدوث تقرحات في تجويف الفم كما أنَ نقص افراز اللعاب يؤدي إلى نقص حاسة الذوق،وقد يؤدي هذا إلى حدوث الألم بعد تناول التوابل والبهارات والأطعمة الحارة.

وعلى العكس من ذلك قد يلاحظ ازدياد افراز اللعاب،وهذا يشاهد بشكل خاص عند المدخنين،أو عند  المدمنين على استعمال “العلكة”،أو الذين يكثرون من تناول الوجبات الطعامية مع تعددها.

وكذلك لوحظ أيضاً أن التدخين يسبب نقصاً في تشكيل بعض مكونات اللعاب الرئيسية وخاصة مادة المخاطين الواقية من نخر الأسنان،والمضادة للجراثيم .وأكثر الأغذية التي تزيد من افراز اللعاب نذكر الحمضيات وخاصة الليمون والبرتقال،ثم التفاح والجزر، فالعنب، فالشوندر .

من الناحية الأدبية:

ولقد ذكر الشعراء والأدباء اللعاب في غزلهم وشعرهم، فهناك من شَبّه الريق ولعاب المحبوبة بالعسل،والخمرة التي تُسكر المحبوب.وللعاب في اللغة العربية عدّة مسميات ومنها: الريق ،والرضاب ،والبرد،وغير ذلك .

وعبرّ الناس عن تغيرات اللعاب في أحاديثهم عن بعض ما يطرأ على الجسم من بعض الحالات النفسية فيقولون”فلان جَفَّ ريقه”بعد مفاجأة غير متوقعّة، وأخر “لم يستطع أن يبلع ريقه”من الخوف أو التعب، وفلان”سال ريقه” بعدما رأى أطايب الطعام ، وهذا يدّل على علاقة افراز اللعاب بكثير من النواقل العصبية وتأثير الجملة العصبية الذاتية على افراز اللعاب، وقد تمكّن العالم الروسي بافلوف ومنذ زمن بعيد على أن يبين ويبرهن على وجود العلاقة الوثيقة بين افراز اللعاب وقشر الدماغ ـ أي الجملة العصبيةالمركزية ـ.

وجاء في عيون الأخبار لإبن قتيبة:

“قالوا:أطيب الأمم أفواهاً الزُّنج وإن لم تستن(تستاك)،وكل إنسان رطب الفم كثير الريق فهو طيب الفم،وخُلوفُ فم الصائم يكون لخثورة الريق(ضد الرقة)وكذلك الخلوف آخر الليل.

ملاحظة: الفلج:هو شق في الشفة السفلى،وأما في الشفة العليا فيسمى العَلم أو شفة الأ{نب وهذا يسبب صعوبة في الرضاعة عند الوليد.

صحة الفم والتعاليم النبوية

وأما من الناحية الدينية فقد أتت الأحاديث النبوية والتي تؤكد على نظافة الفم،وخاصة استعمال السواك والمضمضة أثناء الوضوء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لولا أن أشقّ على اُمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة”[ رواه مسلم ]، وفي رواية عند كل وضوء [رواه مالك والبيهقي والحاكم ].وعن عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:عليكم بالسواك فإنّهُ مطهرةٌ للفمِ مرضاةٌ للرَبَّ”[رواه البخاري وأحمد والنَسائي والترمذي] .وفي حديث أخر رواه الشيخان عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنّه صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك(أي يدلكه بالسواك)وفي حديث أخر رواه مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته بدأ بالسواك “وصَحَّ عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم  أنه قال “أكثرت عليكم بالسواكوصَحّ عنه “أنّهُ استاك عند موته

وفي السنن عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال:” رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مالا أُحصي يستاك وهو صائم

وروى مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: “أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته يستن بسواك بيده يقول أع أع والسواك في فيه يهوع(أي له صوت من أثر السواك كصوت من يتقيأ من مبالغته في استعمال السواك ووصوله إلى سقف الحنك).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستاك فيعطيني السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك ثم أغسله وادفعه إليه . [رواه أبو داود والبيهقي] .

وجاء عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم “كان يوضع له وضؤوه وسواكه فإذا قام من الليل تخلى ثم استاك . [رواه أبو داود في سننه] .

وروي عن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنَّ النبي صلى الله عليه وسلمكان لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا تسوّك قبل أن يتوّضأ ” [رواه أبو داود].

ويستحب السواك عند صلاة الجمعة،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:الغسل يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلم، وأن يستنّض،وأن يمسّ طِيباً إن وجد”  [رواه مسلم  عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه].

إنّ هذه الأحاديث تدل على استحباب السواك في كلِّ حال، وفي كُلِّ وقت، وأنّه صلى الله عليه وسلم كان شديد الحرص على استعمال السواك عند الصلاة ،وعند الوضوء،وعند قراءة القرآن  وعند الاستيقاظ من النوم  وعند تغير طعم ورائحة الفم مثلاً بعد تناول أكل ذو رائحة مثل الثوم والبصل،ومن شدّة حرصه على السواك صلى الله عليه وسلم أنه تسوّك قبيل وفاته .

ولا داعٍ للحديث عن المواد الطبية القيّمة التي يحتويها السواك فهناك الكثير من المقالات والأبحاث ذكرت ذلك وبشكل مفصل .

وبالنسبة إلى المضمضة: من المعروف أن هناك عدداً هائلاً من الجراثيم وبعض الفطور التي توجد في تجويف الفم،ويقدرعدد الجراثيم في اللعاب حوالي مائة مليون جرثوم في كل مم ،وهذه الجراثيم والفطور تتغذى على بقايا الطعام بين الأسنان،وهي التي بتكاثرها وعدم الإعتناء بنظافة الفم من خلال المضمضة والسواك تسبب أمراض الفم واللثة والأسنان والبخر أي رائحة الفم الكريهة..وقد تبين أنه من خلال المضمضة المستمرة كل يوم وخاصة المرافقة للوضوء فإنه يتم التخلص من عدد كبير من هذه الجراثيم والفطور والقضاء على ماتفرزه من ذيفانات وسموم.

العينان والأجفان والدموع

لمحة تشريحية ـ وظيفية:

العين عضو البصر تتوضع في جوف عظمي يسمى الوقب أو الحجاجOrbita،وتحاط العين بنسيج شحمي غزير يكون لها كالوسادة الشحمية تفصلها عن الجدر العظمية المجاورة،وتتحرك العين داخل جوف الحجاج بواسطة ست عضلات مخططة إرادية.وتحمي العين أيضاً بعض المجاورات مثل الأجفان،والملتحمة والغدد الدمعية،والأهداب والحواجب.

والعين عبارة عن كرة صغيرة،تتركب من ثلاثة طبقات هي من الظاهر إلى الباطن:الصلبةـ المشيميةـ الشبكية.

تحوي الصلبة sclera،فتحة واسعة يسدها غشاء شفاف يدعى القرنية يسمح بدخول النور لداخل العين.

1 ـ الطبقة الصلبة:لونها أبيض،لها وجه ظاهر ترتكز عليه العضلات.ونشاهد فيها فوهات العروق والأعصاب.وفي الخلف توجد فوهة العصب البصري.

2 ـ القرنية:Cornea:هي طبقة شفافة جداً محدبة كبلورة الساعة،وهي شديدة الحساسية للألم،لكثرة ما فيها من نهايات عصبية،ولا تحتوي على العروق الدموية.ويسمى الوصل الذي تلتقي به الصلبة مع القرنية باسم الوصل الصلبي ـ القرني أو اللمLimbusوهذا الوصل له أهمية عند أطباء العيون لأنه المكان الذي ينفذ منه الجراح عند القيام بعمليات الساد المختلفة.

3 ـ المشيمية:Uvea:وهي الطبقة العرقية المغذية للعين،تتمادى في الأمام مع ناحية ملونة مثقوبة تدعى القزحيةIris.

4 ـ الشبكية:Retina:إن القسم الخلفي من الشبكية هو الذي يتحسس بالنور فقط ولذلك تسمى الشبكية المبصرة.وتحتوي الشبكية على الخلايا البصرية وهي نوعان:الخلايا ذات العصيRod cells،والخلايا ذات المخاريط Cone cells.

ويتبع للعين أيضاً مايسمى الأوساط الكاسرة للعين وهي:القرنية،والخلط المائي،والجسم البللوري،والخلط الزجاجي.وهي جميعاً لا تحتوي على شرايين مغذية.وإن الأوكسجين والغذاء يأتي إلى القرنية والجسم البللوري عنطريق الخلط المائي.

وأما الأعضاء الملحقة بالعين فنذكر :الأجفان،والحاجبين.

أما الأجفان:فهي التواءات جلدية تنغلق على بعضها بواسطة العضلة المستديرة الجفنية التي يعصبها العصب السابع،وإن شلل العصب كما في حال اللقوة يمنع انطباق الأجفان.

تكون المقلتان محميتين مما يخرشهما كالعرق والغبار والضوء الساطع بالحاجبين والأجفان.وللأجفان فوق ذلك وظيفة أخرى وهي إبقاء قرنية العين مرطبة باستمرار.فلو أن القرنية لم تكن لتغسل دوماً بالدموع التي تفرزها غدد خاصة وتفرش عليها بفضل الأجفان فإنها سرعان ما تصبح كثيفة عاتمة.

والدموع:هي سائل كالماء،تفرزه الغدد الدمعية والتي تتوضع أعلى ووحشي العين، ليسهل حركة الأجفان عن المقلة ويقيها عواقب التبخر الذي يأخذ مجراه على جزء المقلة المعرض للهواء.وينسكب الدمع في الأقنية المفرغة للغدة الدمعية التي تستقر في القسم العلوي والوحشي من الحَجاج(التجويف العظمي الذي تسكنه العين)ليسيل على سطح الملتحمة والقرنية.أما الجزء الذي لا يتبخر منه فإنه يتراكم في الزاوية الأنسية للعين أي بجوار جذر الأنف في موضع يسمى البحيرة الدمعية.ويوجد في هذه النقطة ثقبان صغيران يدعى كل منهما النقطة الدمعية ويصدر عن كل نقطة قناة صغيرة هي القنية الدمعية،وتنتهي القنيتان الدمعيتان في الجزء السفلي والإنسي من الحجاج في مستودع يسمى الكيس الدمعي أو المَدمع.فالدموع التي تنفذ بالخاصية الشعرية في النقطتين الدمعيتين تنساب في القنيتين لتصل إلى الكيس الدمعي ثم تنساب منه في مجرى نهائي هو القناة الدمعية الأنفية التي تصب في الصماخ السفلي للحفرة ألأنفية حيث يتبخر بسهولة بفضل الهواء الذي يمر في اللأأنف باستمرار.ولهذا فإن الزكام الذي يؤدي إلى منع مرور الهواء عبر الأنف يسبب الدماع أي سيلان الدمع إذ لا تعود الدموع تتبخر فتتراكم في الأقنية وعندما تمتلىء هذه القنوات تفيض من العين.

(ملاحظة:الحجاج هو التجويف العظمي الذي تسكنه العين وفي ذلك يقول طرفة بن العبد:

وعيناهُ كالماوَّيتين استكنّتا            بكهفي حجاجي صخرةٍ قَلْتِ مَورد

(ماوية:المرآة.الحجاج:العظم المشرف على العين والذي هو منبت شعر الحاجب والجمع الأحجة)

ملاحظة:الشتر:انقلاب الجفن،وممن أصيبوا بذلك مالك الأشتر والد إبراهيم بن مالك الأشتر النّخعي،حيث كان فارساً في غزوة اليرموك،وفيها أصيب بجرح في عينيه أثّر في جفونه،وجعلها مقلوبة للخارج فسّماهُ الناس بالأشتر أي مقلوب الأجفان.

والحوص:هو ضيق في مؤخر العينين وسمي الشاعر الأنصاري بالأحوص لحوص في عينيه.

وفي الهدي النبوي:عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر، ويُنبت الشعر”.[أخرجه الترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وصححه الألباني]والمخاطب هنا الأصحاء أما العين المريضة فقد يضرها الإثمد.

نظافة السبيلين

لا يخفى أن السبيلين هما مخرجان لأشدّ مفرغات البدن خطورة من الناحية الصحيّة لاحتوائهما على المواد العضوية والجراثيم العديدة وخاصة البراز، فهو حتى عند الإنسان السليم الخالي ظاهريا من الأمراض فإنّه عدا قذارته يحتوي الكثير من الجراثيم والطفيليات منها العاطل،ومنها الممرض، والعاطل في ظروف معينة قد يصبح انتهازياً ويعرض الجسم للأمراض.

وعن طريق البول والبراز يمكن للإنسان المريض ببعض الأمراض أن ينقلها إلى الناس الأصحاء،وهناك أناس يحملون العوامل الممرضة وينقلونها للأصحاء وحتى بدون ظهور أعراض المرض لديهم وهم من نطلق عليهم في لغة الطب “حملة المرض”.

وتتم العدوى من البراز إلى الأخرين عن طريق اليد،أو الطعام،أو الشراب،أو عن طريق بعض الحشرات كالذباب والصراصيرالملوثة بهذه المفرغات.

ومن أهم الأمراض السارية المعدية التي يمكن أن تنتقل بواسطة هذا الطريق الحُمّى التيفية ونظيراتها والتي تسببها جراثيم السالمونيللا،ونذكر ايضاً الزحار المعوي بشكليه الجرثومي والأميبي وهما داءان منتشران بشكل واسع،وهناك أيضاً العصيات القولونية والتي تسبب الاسهالات والتهاب الأمعاء وخاصة عند الرضع والأطفال،وهناك داء الهيضة(الكوليرا) والذي يحدث غالباً بشكل وافدات،وهناك أدواء الديدان مثل اللامبليا والحرقص وحيات البطن(الأسكاريس)…

وأما البول فهو عند الإنسان السليم وإن كان لايحتوي على الجراثيم ،ولكنه إن بقي خارجاً فإنه يتخمر بسرعة بسبب الجراثيم الخارجية في الجو المحيط وهذا ما يسبب الرائحة الكريهة النشادرية بسبب التخمرات،أضف إلى ذلك فإنّ تأثيره المخرش والمؤذي بسبب طبيعته الحمضية،ولأحتوائه بعض المواد المخرشة مثل البولة وحمض البول كل ذلك يسبب الكثيرمن الأذيات للإنسان.

وأما عند الإنسان المريض فإنّ البول قد ينقل الكثير من الأمراض المعدية ومنها مرض البلهارزيا،وداء السيلان (أحد الأمراض المنقولة بالجنس وتسببه المكورات البنية)، وكذلك يمكن عن طريق البول نقل الحمى التيفية…

لقد جاءت الأحاديث النبوية الشريفة التي تحض على الاهتمام  بنظافة السبيلين وذلك بإحدى طريقتين:

الإستجمار

الإستنجاء

الإستجمار:

هو عرفاً مسح المكان الملوث من الشرج بعد التغوط بالحجر أو الورق أو ما شابه ذلك.

ويمكن القول أنّ الاستجماروحده طريقة غير كافية،وإن كان بالورق النظيف وخاصة في ناحية الشرج وينصح أن يتمم باستعمال الماء مع الورق النظيف .

وفي حال تعذر وجود الماء،فإنه يمكن اللجوء إلى الإستجمارولكن مع التحذير من استعمال الوسائط الوسخة أو المخرشة،كما ينهى عن استعمال الروث لأنه قذر نجس، وينهى عن استعمال العظم لأنه قد يكون دسمأ وملوثأ بالجراثيم

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”لاتستنجوا بالروث، ولا بالعظام، فإنّه زاد اخوانكم من الجن “[ رواه الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهو حديث صحيح].

وفي حديث اخر “إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنّها تجزئ عنه” [أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهو حديث حسن حديث حسن].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستدبره”[أخرجه الشيخان وأبو داود واللفظ له عن أبي هريرة رضي الله عنه]

الإستنجاء:

وهو استعمال الماء،وهذا أدعى للنظافة التامة .

ولابد من غسل اليد المستعملة في الإستنجاء وبشكل جيد بالماء والصابون إن أمكن . أخرج البخاري عن  أنس بن مالك  رضي الله عنه  قال :” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء يستنجي بالماء “. 

وعن معاذة بنت عبد الله العدوية عن عائشة رضي الله عنها قالت:مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم منه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله.[أخرجه الترمذي والنسائي وقال حديث صحيح].

والأفضل كما ذكرنا في الاستنجاء الجمع بين الجامد والماء،فيقدّم الورق أو الحجر ثم يتبعه الماء، وإن أراد الاقتصار على أحدهما فالأفضل الماء لأنه أبلغ في التنظيف وفي إزالة عين النجاسة وأثرها .

وقد أثنى الله عزَّ وجلّ على أهل قباء لأنّهم كانوا يستنجون بالماء،روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نزلت هذه الأية في أهل قباء{فيه رجال يحبون أن يتطهّروا}[التوبة108] كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الأية . [رواه أبو داود ].

ومن سنن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إذا دخل الخلاء قال:اللَّهُمَّ إنّي أعوذُ بكَ من الخُبثِ والخبائث [أخرجه  البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه ]، وإذا خرج قال غفرانك ،الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني  [رواه أبو داود والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما.]

لقد حذّر الرسول صلى الله عليه وسلم من اهمال الاستنجاء وتوّعد صاحبه بالعقاب .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” إنَّ عامَّةَ عذاب القبرِ من البول  فتنزهوا من البولرواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وقال في شرح مشكل الآثار حدبث صحيح]

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين وقال إنّهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول  ـ وفي رواية لايستنزه من البول ـ وأما الاخر فكان يمشي بالنميمة  .[رواه الشيخان]

(ومعنى لا يستتر من البول: أي لايجعل بينه وبين بوله سترة تحفظه من رشاشه).

وهناك كثيراً ما يطرح هذا السؤال هل يجوز البول قائماً أم لا؟

يقول الشيخ علي الطنطاوي في كتاب الفتاوى:”المهم أن لايصيبه رشاش البول،فإن بال على رمل مثلاً أو أرض لينة لا يرتد عنها البول فيصيبه فلا شئ عليه”

ولا بُدّ من التنويه والتذكير إلى أنه لا يجوز للمسلم أن يبول في طريق الناس أو ظلهم أو موردهم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”اتقوا اللاعنين قالوا : وما اللاعنان؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم”[ رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].وعن جابر رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الماء الراكد” [رواه مسلم] .وقال صلى الله عليه وسلم:اتقوا الملاعن الثلاث في الموارد وقارعة الطريق والظل “[ رواه أبو داود] .

وأحبّ أن انوّه هنا بشكل خاص إلى استعمال الماء أثناء الاستنجاء بعد التغوط وخاصة لمن لديهم امراض البواسير والشقوق الشرجية والاكزيما الشرجية  إذ أن الجلد في هذه الناحية يكون مهيئاً للاصابة بالتعفنات والالتهابات وخاصة من جراثيم البراز  فتكون النظافة الموضعية هنا بالماء ذات أهمية خاصة لدى هؤلاء المرضى حتى لايصابوا باختلاطات وعواقب عدم الاهتمام بالنظافة الموضعية في ناحية الشرج.

ولا بد من التعريج على الأدب: جاء في أدب الكاتب لابن قتيبة :

“وقولهم للمسح بالحجارة استنجاء ،وأصله النجوة : وهي الارتفاع من الأرض ،وكان الرجل إذا أراد قضاء حاجة تستر بنجوة ، فقالوا ذهب ينجو ،كما قالوا ذهب يتغوط ثم اشتقوا منه فقالوا قد استنجى إذا مسح موضع النجو أوغسله. والتغوط من الغائط وهو البطن الواسع من الأرض المطمئن ،وكان الرجل إذا أراد قضاء حاجة أتى غائطاً من الأرض، فقيل لكل من أحدث قد تغوط ”

وجاء في عيون الأخبار لابن قتيبة “أنّ أعرابياً علّم بنيه اتيان الغائط في السفر فقال لهم:”اتبعوا الخلاء ،وجانبوا الكلاء ،وأعلوا الضراء  ـأي ماوراك من شجر ـ وأفحجوا فحاج النعامة ،وامسحوا بأشملكم “.

نظافة الملابس

إنّ الإسلام دين النظافة والجمال، وقد أباح للمسلم الظهور بالمظهر الجميل في ملبسه وثيابه، قال تعالى:{يابني آدمَ قد أنزلنا عليكم لباساً يُواري سوآتكم وريشاً}[الأعراف 26وقال تعالى:{يابني أدم خذوا زينتكم عند كلِّ مسجد}[الأعراف 31].

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ المِسك فيمسح به رأسه ولحيته وكان صلى الله عليه وسلم لا يردُّ الطيب[رواه البخاري].وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”طيب الرجال ماظهر ريحه وخفي لونه،وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه[رواه الترمذي والنسائي وصححه الألباني]

وكما اهتمّ الإسلام بنظافة وصحّة البدن والجسم إلا أنّه أيضاً حريص جداً على نظافة ما يحيط بالإنسان من بيئة ومن لباس يواري جسمه .

عن أبي الأحوص الجشمي قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم  وعليّ أطمار  ـ أي ثياب بالية ـ فقال: هل لك من مال ؟ قلت نعم ، قال : من المال؟ قلت: من كل ما أتى الله من الإبل والشاء، قال: فلتر نعمته وكرامته عليك”[ رواه النسائي] .

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله :

” فهو سبحانه يحبّ ظهور النعمة على عبده،فإنه من الجمال الذي يحبه” ويتابع”ولمحبته سبحانه للجمال أنزل على عباده لباساً وزينةً تُجّمل ظواهرهم ،وتقوى تُجّمل بواطنهم” فقال تعالى: {يابني أدم قد أنزلنا عليكم لباساً يُواري سواتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير}[الأعراف 26]، وقال في أهل الجنة:{ولقَّاهُم نضرةً وسروراً وجزاهم بما صبروا جنّةً وحريراً [الإنسان 11 ـ12] فَجّمل وجوهم بالنضرة ،وبواطنهم بالسرور، وأبدانهم بالحرير، وهو سبحانه كما يحبّ الجمال في الأقوال والأفعال والثياب والهيئة ،فإنّه يبغض القبيح وأهله ويحبّ الجمال وأهله ،ويتابع رحمه الله:

“والجمال في الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع منه مايُحمد ومنه مالا يتعلق به مدح ولا ذم ،ومنه مايُذم، فالمحمود منه ماكان لله وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره،والاستجابة له، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يَتجّمل للوفود ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: رأيت على رسول الله أحسن ما يكون من الحلل.[حديث حسن على شرط مسلم]وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”إنكم قادمون غداً على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كالشامة في الناس ،فإنّ الله لايُحبّ الفحش ولا التفحش“[ رواه أبو داود وهو حديث حسن].

ويتابع رحمه الله:

“ويمكن أن نلخص ما شرعه الله من أداب اللباس والزينة والمظهر في النقاط التالية:

أولاً: التوسط والاعتدال في الزينة المباحة قال تعالى{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما}[الفرقان 67]وفي الحديث الشريف: ” كلوا، واشربوا وتصدّقوا ، والبسوا في غير إسراف ولا مَخيلة “[رواه عبد الله بن عمرو وهو حديث صحيح في الجامع الصغير]

ومما جاء في كراهية المبالغة في  الامتناع من الزينة والطيب من الرزق قال تعالى:{قل من حرّمَ زينة الله التي أخرج  لعباده والطيبات من الرزق} [الأعراف 32]وقوله تعالى:{يايُّها الذين أمنوا لا تحرّموا طيباتِ ما أحَلَّ اللهُ لكم ولاتعتدوا إنَّ الله لايحبُّ المعتدين}“[المائدة 87].

ففي هاتين الآيتين نهى الله عزَّ وجَلَّ عن الإفراط في ترك الزينة والطيبات من الرزق ،والقصد تركها زهداً في الدنيا ،وفيهما بيان أن ذلك الترك في نفسه لا يُقرّب من الله قيد أنملة ،فللمؤمن أن يأخذ من الزينة ، ويتناول من الطيبات ما شاء ،

وقوله تعالى:{ولا تعتدوا إنَّ الله لايحب المعتدين} ، إمّا أن  يكون نهياً عن تعدّي حدود ما أحلَّ الله لهم أونهياً عن الإسراف في الحلال ، وفي الإسراف مفسدة .قال ابن عباس رضي الله عنهما “كل ماشئت، والبس ماشئت ، ما أخطأتك خَصلتان:سرف ومخيلة”

ثانياً: المحافظة على النظافة لأنها الأساس لكل زينة حسنة:

وذلك بالحَثِّ على النظافة والتجمل في مواطن معينة ،وخاصة أماكن التجمعات ،وأوقات الأعياد ،والجمعة

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:”ما على أحدكم إن وجدَ سعةً أن يتخذ ثوبين  لجمعتهِ سوى ثوبي مهنته”[روته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأخرجه ابن ماجه واللفظ له،وابن خزيمة وابن حبان وصححه الألباني].

ثالثاً : اجتناب المحرم من اللباس والزينة:

ومنها تحريم الذهب والحرير للرجال،وتحريم لبس ثياب الشهرة والإختيال.

قال صلى الله عليه وسلم :”من لبسَ ثوبَ شُهرةٍ في الدنيا ألبسه الله ثوبَ مذلّةٍ يوم القيامة “[رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد واللفظ له وإسناده جيد].

والمقصود أن يلبس الشخص ثوباً غير معهود ،أو شديد الفخامة ،وباهظ السعر لأجل لفت الأنظار إليه ،أو المباهاة ،والتعاظم والافتخار ،قال تعالى{إنّ الله لايحب كلَّ مختال فخور}[لقمان 18] ، وقال صلى الله عليه وسلم من جرَّ ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة “[ أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما].

ويتابع ابن القيم رحمه الله “وأما ما يحمد ولا يُذَم فهو ما خلا من هذين القصدين وتجرّد عن الوضعين ،عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر، فقال رجل:إنّ الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً فقال صلى الله عليه وسلم :إنّ الله جميل يحب الجمال والكبر بطرالحقّ وغمط الناس ” [رواه مسلم].

المراجع:

مجلة حضارة الإسلام تموزـ آب عام 1971 مقال للدكتور محمود ناظم النسيمي

مجلة حضارة الإسلام كانون الثاني 1972 مقال د محمود ناظم النسيمي

مجلة حضارة الإسلام أذار 1972 مقال د محمود ناظم النسيمي

مجلة حضارة الإسلام أيار ـ حزيران 1971 مقال د محمود ناظم النسيمي

مجلة حضارة الإسلام تموز ـ أب مقال د حسن هويدي

الاستنجاء والاستبراء  مجموعة السفير العدد 1615 ص 1206

فن الصحة د أحمد حمدي الخياط جامعة دمشق

الأنف ووظائفه مجلة السفير جزء 29ـ 30 ص 47 ـ 48

الأراك والسواك مجلة السفير العدد 1211 ص 841

الاستياك مجلة السفير العدد 1615 ص 1219

مجلة حضارة الإسلام اذار 1977 مقال السواك

 

لا تعليق

Schreibe einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind mit * markiert