بسم الله الرحمن الرحيم

الطغاة وحرية القلم

كرّم الله عزّ وجل القلم فقال الله تعالى في كتابه العزيز:{ن والقلم ومايسطرون}[القلم1].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال:

“يقسم الله سبحانه وتعالى بنون،وبالقلم،والكتابة.والعلاقة واضحة بين الحرف”نون” بوصفه أحد الحروف الأبجدية،وبين القلم والكتابة.

فأما القسم بها فهو تعظيم لقيمتها،وتوجيه إليها في وسط الأمة التي لم تكن تتجه إلى التعلم عن هذا الطريق،وكانت الكتابة فيها مُتخلّفة ونادرة في الوقت الذي كان دورها المقدّر لها في علم الله يتطّلب نمو هذه المقدرة وانتشارها بينها،لتقوم بنقل هذه العقيدة وما يقوم عليها من مناهج الحياة إلى أرجاء الأرض،ثم لتنهض بقيادة البشرية قيادة رشيدة،وما من شك أن الكتابة عنصر أساسي في النهوض بهذه المهمة الكبرى،ومما يؤكد هذا أن يبدأ الوحي بقوله تعالى:{اقرأ باسمِ رَبِّكَ الذي خلق*خلقَ الإنسانَ من علق* اقرأ وربُّكَ الأكرم* الذي علَّمَ بالقلم*علَّمَ الإنسانَ مالم يعلم}[العلق1 ـ 5] ،وأن يكون هذا الخطاب موجهاً للنبي الأُميّ الذي قدّر الله أن يكون أُميّاً لحكمة معينة،ولكنه بدأ الوحي منوهاً بالقراءة وبالتعليم بالقلم”.

ويقول الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه ثورة الأدب(لاعلاقة له مع الصحفي محمد حسنين هيكل الرئيس السابق لجريدة الأهرام):

“وذلك بأن القلم هو الأداة لتصوير النفس الإنسانية في التماسها الحقّ والحرية والجمال والخير،والنفس الإنسانية التي تتلمس هذه النواحي المضيئة من حياة الكون هي دائماً نفس قوية لا تقف في وجهها حوائل القانون ولا العادة ولا الطبيعة نفسها،نفس تُحّلق فوق الإعتبارات جميعها لترى مكان الحق الذي تريد إيضاحه،أو الحرية التي تريد نشرها،أو الجمال الذي تعالج تصويره،أو الخير الذي تعمل لبثه وإذاعته، فإذا اهتدت إلى ما ابتغت،نفثت منه عن القلم مايسطره على الورق،وإن الذين يقرؤونه يرون فيه جانباً من جوانب أنفسهم كان محجوباً عنهم ضياؤه، ويرون أن هذا الضياء هو الذي يبعث لهم في الحياة نوراً يجعل الحياة أجمل وأسمى وأقوم وإذا هم ينصرون صاحب القلم إذ يتبعونه،فإذا لم يتبعوه حياً اتبعوه ميتاً”.

يقول الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله:

“القلم بين أهله رحم يجب أن تبل ببلالها،وغير كثير على ذويها أن يتعارفوا وأن يتنازعوا أمرهم بينهم فيمحوا القطيعة بالوصال،وأن يردوا على هذه الحرفة التي يباشرها القلم هيبتها في القلوب وتأثيرها في النفوس ومكانتها بين الناس،وأن يثلموا بهذه الأدوات الضعيفة قوّة الأقوياء،ويُلينوا بها قسوة القساة،وأن يردّوا بها حجّة السيف داحضة والسيف مفلولاً، وأن يتساموا بهذه الطائفة من حملة الأقلام عن تدنيس نفسها بالمطامع وتسخير قواها للشهوات الدنية،فتتجافى عن الهزل في الزمن الجاد،وعن الإسفاف في حين احتياجنا إلى السمو،وعن التدّلي في عصر الترقّي،وعن الطمع في وقت أحد أسلحتنا فيه التعفّف عما تقدمه لنا يد العدو من مطاعم كلها مطاعن،ومشارب كلها إلى الموت مسارب،وملابس كلها محابس،وأفكار كلها للموبقات أوكار،وعلوم كلها في ديننا ومقوّماتنا كلوم”.

ويتابع رحمه الله:

“حملة الأقلام فينا كثير،ولكن المُصيب المُسدّد منهم قليل،وكما يحتاج السيف إلى ساعد قوي يحتاج القلم إلى فكر مسدّد،وإن أقلامنا اليوم كالسيوف التي قال فيها الأول:

فهذي سيوف ياعدي بن مالك           كثير ولكن أين بالسيف ضارب

وإنّ كثيراً ممن يحترف هذه الحرفة بيننا اليوم ممن يصدق عليهم قول الشاعر:

تبّاً لدهر قد أتى بعجابِ                    ومحا فنونَ الفضل والآدابِ

وأتى بكُتَّابٍ لو انبسطت يدي              فيهم رددتهم إلى الكُتّاب

وإن منهم لأدعياء يتقحمون عريناً نامت آساده،فكأنّ القائل عناهم:

لقيط في الكتابة يدّعيها                     كدعوى آل حرب في زياد

فدع عنك الكتابة لستَ منها               ولو لَطَّختَ ثوبك بالمداد

ويتابع رحمه الله:

“إن القلم ذو نسب عريق في دينكم وفي آدابكم،فأيّ دين من الاديان السماوية مجدّ القلم كما مجدّه الإسلام أو وضعه في منزلة مثل المنزلة التي وضعه فيها القرآن؟ فقد وضعه في منزلة لايرقى إليها المتطاول،ولا تنالها يدُ المتناول،نسبهُ الله إلى نفسه وجعله أحد الرواميز الأربعة إلى قوته وكمال قدرته وإحاطة علمه: العرش واللوح والكرسي والقلم، ثم زاده تشريفاً فأقسم به عزّ وجلّ فقال:{ن والقلم ومايسطرون} ولا يقسم الخالق العظيم إلا بمخلوق عظيم، وعظمة المخلوقات من عظمة آثاره في النفع والخير،ثم زاده رفعاً فجعله أداة تعليمه لخلقه:{علّم بالقلم* علّم الإنسان مالم يعلم}”.

نعم،إن أمانة القلم أمانة عالية غالية،وإن مايكتبه الإنسان ومايسطره قلمه له أو عليه،وإن القلم قد يفعل أحياناً مالا تفعله السيوف،وقد يكون تأثير السيف وقتياً آنياً ولكن ليس نادراً أن يكون تاثير القلم أبدياً سرمدياً،وقديماً قالوا:”صرير الأقلام أشدّ من صليل الحسام”.

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد641):

“لقد كانت معركة(عين جالوت) مثلاً،أجلّ خطراً،وأعظم اثراً،وأبرك على الحضارة،وأجدى على الإنسانية،من موقعة(الحدث)،ولكنها لم تجد الشاعر المارد الجبار الذي ينهض بها،ويرفعها بيمينه يلوح بها في طريق التاريخ،ليراها الناس ابداً،أمّة بعد أمّة،وجيل عقب جيل ،كما صنع المتنبي بموقعة(الحدث) حين فتح لها في الشعر فتحاً ولا فتح سيف الدولة في بلاد الروم،وبنى لها في البلاغة صرحاً ولا ما بناه الحمداني(فأعلى والقنا يقرع القنا،وموج المنايا حوله متلاطم)،بنى هذا البيت وإنه لقلعة باقية،على حين قد خرب الدهر تلك القلعة،فكان من معجزات الشعر(وإن في الشعر لإعجازاً)أن خلّدت هذه الموقعة،وحلت وملأت الأسماع والأفواه والقلوب،ونسيت مواقع أعظم منها،ولولا قصيدة ابن الحسين ما عرفت طريق الخلود.

ولقد كان فتح عمورية عظيماً في الفتوح،ولكن فتح حبيب في بائيته أعظم منه.وإني لأكرم القراء أن أسيء بهم ظني فأرى بهم حاجة إلى سرد الأمثلة،وإقامة البينات،على أمر ما بهم جهله ولا نكرانه،فلولا الأدب ما خلدت المكرمات،ولا ذكرت البطولات.وربّ قصيدة تجيش بها نفس شاعر منكر مجهول،قد شغل الناس عنه سناء الأمير ورواه،أبقى على الدهر من هذا السناء وهذا الرواء.

ويتابع رحمه الله:”وفي كل يوم تنبت أقلام غضّة فلا يتعهدها أحد بسقي ولا رعاية فتجف وتموت.وتحطم عواصف الأيام وأرزاؤها اقلاماً متينة كأشجار السنديان طالما أظلت وبسقت فلا يبكي عليها أحد.وتزهر أقلام ثم تؤتي أكلها ثمراً ناضجاً حلواً نافعاً فلا يستبشر بها أحد،ويقولون بعد ذلك لماذا لا ينتج الأدباء؟

فيا أيها الحاكمون! اذكروا أنكم تحتاجون إلى الأدباء ليكسبوكم الخلود،وليفيضوا على أمجادكم الحياة،أما هم فلا يحتاجون إليكم،لأنهم يستطيعون أن يخلقوا بأدبهم ملوكاً وابطالاً،وينشئوا عالماًنويقيموا لأنفسهم وللناس دنيا،إن تكن من الوهم،فربّ وهم فعل في نفس صاحبه من الحقيقة،وأثبت من الواقع”.

ولقد عرف العرب قيمة القلم والكتابة، فقالوا:”القلم أحد اللسانين” وأشادوا بصاحب القلم المعّبر المؤثر الذي يستطيع ببلاغته، وحسن أسلوبه وجمال تصويره ,أن يعبّر عن ضمير الأمة وعن أحاسيس الشعب،يقول سهل بن هارون:”القلم لسان الضمير،إذا رعف أعلن أسراره،وأبان أثاره.

وقال ابن القريّة:”خط القلم يقرأ بكل مكان، وفي كل زمان، ويترجم لكل لسان، ولفظ الإنسان لايجاوز الآذان”.

وانظر إلى شعراء العرب قديماً وحديثاً يعبّرون عن هذا أجمل التعبير وبأصدق التصوير.

يقول ابن الرومي:

لَعمرُكَ ما السيفُ سيفُ الكميِّ          بأخوف من قلم الكاتبِ

لهُ شاهدٌ إن تأمّلتهُ                       ظهرت على سرهِ الغائبِ

أداة المنيّة في جانبيه                   فمن مثله رهبة الراهبِ

سنان المنيّة في جانب                  وحدّ المنيّة في جانبِ

ألم ترَ في صدره كالسِّنان             وفي الرِّدفِ كالمُرهفِ القاضبِ

وقال أبو الفتح البُستي:

إذا أقسمَ الأبطالُ يوماً بسيفهم         وعدّوهُ مما يُكسب المجدَ والكرم

كفى قلمُ الكُتّابِ مجداً ورفعةً          مدى الدهر أنّ الله أقسم بالقلم

وانظر إلى هذه الأبيات الجميلة لأبي تمام يمدح أحدهم:

لكَ القلمُ الأعلى الذي بِشَباته            تُصابُ من الأمر الكُلى والمفاصلُ

لعابُ الأفاعي القاتلات لُعابهُ           وأريُّ الجنى اشتارته أيد عواسل

(الشباة: الحد،أري الجنى:العسل،العواسل: مخرج العسل)

لهُ ريقةٌ طَلٌّ ولكن وقعها               بآثارهِ في الشرقِ والغربِ وابلُ

فصيحٌ إذا استنطقتهُ وهو راكبٌ      وأعجمُ غن خاطبتهُ وهو راجلُ

إذا ما امتطى الخمسَ اللِطافَ    وأُفرغت عليه شعابُ الفكر وهي حوافلُ

أطاعتهُ أطرافُ القنا وتقوّضت        لنجواه تقويض الخيام الجحافلُ

رأيتَ جليلاً شأنهُ وهو مرهفٌ        ضنىً، وسميناً خَطبهُ وهو ناحلُ

وأمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله يقول:

سبحانكَ اللهم خير معلم               علّمتَ بالقلمِ القرونَ الأولى

أخرجتَ هذا العقلَ من ظلماته          وهدّيتهُ النورَ المبينَ سبيلا

أرسلتَ بالتوراةِ موسى مرشداً        وابنَ البتولِ فعلّمَ الإنجيلا

وفجّرتَ ينبوعَ البيانِ محمداً            فسقى الحديث وناول التنزيلا 

ولكي يستطيع القلم أن يعبّر عن أحاسيس النفس ومشاعرها،وجهادها من أجل الخير والحقّ والجمال فلابد أن يتاح له جوٌّ من الحرية، فحرية القلم والرأي هامة جداً من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل،وقد عرف الطغاة في كل عصر ومصر وقصر هذه الحقيقة فكان أول مالجأووا إليه هو تكميم الأفواه،والحجر على العقول والتضييق على أصحاب الرأي والقلم.

يقول الأستاذ العلامة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(جدّد حياتك ص152):

“وحرية الرأي هي حارسة العدالة في الشعب،والسياج الذي يكف الحاكم أن يستبد بأمور الناس،ولاقيام لحكم الطاغية إلا على الاذهان الممسوخة والأفكار الراكدة البلهاء،والحجر على ذوي الرأي أن ينظروا إلى الأمور إلا من الزاوية التي يراها لهم الطاغية، وقد أدرك فرعون مصر قديماً تلك الحقيقة فأعلن إلغاء حرية الرأي بقوله:{ما أُريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}[غافر29].أي انه اعتزم تعطيل ملكة الرأي فيهم، فلا يسمح أن يكون لهم رأي من الأمور غير مايرى هو فيها،وذلك من مسخ المواهب وتغيير خلق الله”.

ويقول الأستاذ الأديب محمد حسين هيكل “في كتابه ثورة الأدب”:

“أما أن يحارب البغاة القلم وحرية أربابه فلهم في ذلك كل العذر،فحرية القلم هي المظهر الأسمى لحرية الإنسان في أسمى صورها ومظاهرها،وحرية القلم إنما تكون حيث يمسك القلم ربٌّ من أربابه لاعامل من عُماله،ربٌّ تؤتيه الطبيعة من قوة الخلق والإنشاء ما لا سبيل إليه إلا في جو الحرية المطلقة،وتدفعه ليخلق هذه الحرية حوله خلقاً،ولو أُلقي به في غيابات السجون ،بل تدفع ذكراه لخلق هذه الحرية إذا هو غُيّب بين صفائح القبور”.

وقد لجأ الطغاة إلى عدّة وسائل وأساليب في محاربة دعوة الحق، وحرية الرأي والتعبير، واستعانوا بكل الأفكار الشيطانية، والأساليب الوحشية والحيل الدنيئة من أجل التعتيم على حرية الرأي والمفكرين الأشراف.

يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان في مقال له بعنوان”مصرع الصحافة العظيمة في ظل النظم الطاغية”(مجلة الرسالة العدد98):

“تلقى الصحافة أشد محنة عرفتها،وتسحقها النظم الطاغية التي رأت أن تتخذها مع باقي القوى العامة،أداة لتحقيق برنامجها وتوطيد سلطانها.وفي هذه البلاد التي يسود فيها الطغيان المطلق لم يبق رأي حر يستطيع أن يتنفس، ولا رأي عام يستطيع أن يعبر عن شعوره أو يحدث أثره المشروع في الحياة العامة،ولا تستطيع أن تخرج من الصحافة إلا بصورة واحدة مكررة وهي إرادة الطغاة ومزاعم الطغاة،تفرض على ملايين من الناس لاحق لهم في مناقشة أو تذمر،ولا يسمح لهم بغير التأييد الأعمى.وتزعم هذه الحكومات الطاغية دائماً بأنها تحظى بتأييد الأمة المطلق،وتحاول دائماً أن تتخذ من إجماع الصحافة المُصفدة المُسيّرة دليلاً على هذا التأييد،ولكن كيف يُعرف رأي أمة لايسمح لها بإبداء الرأي، وكيف يُوصف شعور أمة نحو الطغاة، وهي ممنوعة بالقوة عن إبداء هذا الشعور؟إن حكومات الطغيان تسن من القوانين الاستثنائية مايكفل إخماد كل صوت وكل رأي معارض، ثم هي لاتقف عند هذه القوانين، بل تلجأ في أحيان كثيرة إلى إجراءات الهوى، فتنزل باؤلئك الذين يجرءون على معارضتها أشنع العقوبات من قبض واعتقال ومصادرة،بل ومن إعدام، كل ذلك من  دون قانون ودون تحقيق أو محاكمة،وليس من المبالغة أن نقول إن الحياة البشرية في هذه الأمم، أضحت كالحريات العامة، دون ضمان وطمانينة”.

ولعل أبسط هذه الوسائل كانت في إصدار ما يُسمى قانون المطبوعات، والذي يمنع الحريات ويصادر الصحف والمجلات إذا كانت آراء أصحابها وأفكارها لا تتناسب مع أفكار السلطة الحاكمة، وقد عبّر شاعر النيل حافظ إبراهيم رحمه الله عن جَور هذه القوانين فقال:

إنّ البليّة أن تُباع وتُشترى             مصرٌ وما فيها وأن لا تنطقا

فتقيدت فيه الصحافة عنوةً            ومشى الهوى بين الرعية مطلقا  

كانت تواسينا على آلامنا               صُحفٌ إذا نزل البلاءُ وأطبقا

فإذا دعوتُ الدّمع فاستعصى بكت     عنا أسىً حتى تغصَّ وتشرقا

كانت لنا يوم الشدائد أسهماً           نرمي بها وسوابقاً يوم اللّقا

كانت صِماماً للنفوس إذا غلتْ        فيها الهموم وأوشكت أن تزهقا

كم نفسّت عن صدر حرٍّ واجدٍ         لولا الصمام من الأذى لتمزّقا

مالي أنوحُ على الصحافة جازعاً     ماذا ألمَّ بها، وماذا أحدقا؟

قصّوا حواشيها وظنوا أنهم         أمِنوا صواعقها فكانت أصعقا

وأتوا بحاذقهم يكيد لها بما            يُثني عزائمها فكانت أحذقا

فإذا لم تنفع هذه الوسائل”البسيطة” وهذه الأساليب “المرنة” عمد الطغاة إلى وسائل أخرى، تارةً بالترغيب، وأخرى بالترهيب.

يقول الدكتور محمد حسين هيكل” في كتابه ثورة الادب”:

“في عصور الظلمة التي تمرّ بالأمم آناً بعد آن يعمد الباطشون البغاة إلى تقييد حرية القول والكتابة،وفي سبيل هذا التقييد يُصلونَ أرباب الأقلام حرباً لارحمة فيها ولا هوادة، فمن إرهاق إلى سجن،إلى نفي وتشريد،وهم في حربهم هذه يندفعون ضد الكتّاب، كاشرةً أنيابهم، محمرّة عيونهم،مفتحةً خياشيمهم،أشبه الأشياء بالكواسر المفترسة حين يغريها منظر الدم، فيهيج فيها كل غرائزها الوحشية،ولايهدأ لهم من بعد ذلك بال ولا يطمئن لهم خاطر إلا إذا اطمأنوا إلى أنهم حطموا تلك الأقلام إلى غيرعودة إلى الكتابة،وأذلوا نفوس حملتها إذلالاً لاقومة لهم من بعده،وهذه الغرائز المفترسة التي تهيج في نفوس البغاة لحرب القلم وحملته لاتهيج فيهم لمحاربة أية قوة أخرى من القوى بالغاً  مابلغ أصحابها من العز والمكانة”.

وتارةً يلجأ الطغاة إلى الترغيب بإغداق الأموال،ومنح الرتب،وإعطاء المراكز لهؤلاء الكتاب، ولا يكتفون بذلك بل يصنعون لأنفسهم كُتّابا وأقلاما ويُنشئون لأنفسهم صحفاً ومجلات، تُقدّس ذكرهم وتُنزّههم عن العيوب والنقائص ويقوم على تحريرها والإشراف عليها صنائعَ مأجورون يعملون للطاغية،يأمرهم فيأتمرون،ًويدعوهم فيلبون،أمرهم من أمره،وسلطانهم من سلطانه،يتكلم بالسنتهم،ويبطش بأيديهم.

يقول الدكتور محمد حسين هيكل :

“وللطغاة في تكثيف الظلام الذي ينشرونه حولهم أساليب عُجب،فهم يخلقون الطوائف يطلقون عليها أسماء أضدادها ليسخروا من الناس وليزيدوهم ظلماً،يطلقون على طائفة اسم العلماء، والعلم منهم براء،وكل الغاية التي تُكّلف هذه الطائفة بها إنما هي نشر التُرهات وترويج الأباطيل، ومحاربة العلم الصحيح بدعوى أنه السحر أو الكفر،أو ماشاء لهم خيالهم المجرم ،ويطلقون على طائفة الكّتاب ،وماهم بكّتاب وإنما هم منافقون متملقون لايعرفون غير المدح يكيلونه جزافاً لسادتهم،وغير الطعن الجارح يواجهون به من يعرف سادتهم منهم نزعة إلى الحق وإلى الحرية، هؤلاء ليسوا كتّاباً وإنما هم كالكلاب تبصبص بأذنابها لمن يلقي إليها بطعام أو بعظم من العظام، وتنبح من يطلقها عليه صاحبها لنبحه،وهؤلاء لن يكونوا كتاباً ولن يطلق عليهم هذا الإسم أو أي اسم يتصل به،لأن الكاتب تصدر عباراته عن قلبه وعن إيمانه ،وأما المنافقون فتصدر كتاباتهم عن بطونهم وعن شهواتهم الخسيسة السافلة”.

وصاحب القلم أمام أمرين لاثالث لهما:

ـ إما أن يمشي في ركب هؤلاء الطغاة، فيرى مايرون،ويُعّظم مايُعّظمون، فلو قالوا له أن الصبح ظلام! أجابهم بل إنه شديد الحلكة!! ولو قالوا له أن الجمل يطير ولايسير!! لقال: بل إنه يسبق الطائرة النفاثة!!

ـ وإما أن يُرضي الحقّ والضمير، ويقف في مواجهة الطغاة ولو كان على حساب روحه ومكانته وماله وعائلته.

يقول الأستاذ أحمد امين رحمه الله(فيض الخاطر ج2 ص113):

“إن قلت في التاريخ من أول عهده إلى اليوم ما يُرضي الحكام والولاة والشعوب فرفعت من شأنهم ولو زوراً، وغلوت من مفاخرهم ولو كذباً،وسكت عن مساويهم ولو كانت صارخة،وعمدت إلى اتجاه عواطفهم فسرت معها،وقصدت إلى الأوتار التي تطربهم فغنيت عليها،وشهرت بخصومهم، وقلّلت من شأنهم ،وكذبت في إنكار فضلهم، وكان لك من البلاغة ما استطعت به أن تقلب الحق باطلاً والباطل حقاً،وتجعل الأرض سماءً والسماء أرضاً،والحلو مراً والمرّ حلواً،واستطعت بفصاحتك أن تظهر مهارتك في اختراع حجج تُشوّه بها وجه الصدق ،وتُجمّل بها وجه الكذب،فهذا جمل يطير، إن قلت به فأنت المؤرخ وأنت البطل وأنت البليغ، وأنت الذي يُغدق عليه المال، وأنت الذي يُمنح خير الألقاب، وأنت الحقيق بأن يقام له تمثال”.

ويتابع أحمد أمين رحمه الله:

“وإذا اتخذت إمامك الرأي العام ،تُنكر ما يُنكر،وتؤيد ما يؤيد،وسرت وراء الزعماء إن انحرفوا يميناً انحرفت يميناً أو يساراً فيساراً،وإن قالوا قولاً ظاهر البطلان، قلت:إن لهم غرضاً لاندركه،وغاية لا نتبيّنها إلا بعد حين.وإن كان الساسة يرون الحرب قلت الحرب، وإن قالوا السلم قلت السلم،إن قالوا الحرب في هذا الجانب قلته ،وإن قالوا في الجانب الأخر قلته،وإن قالوا عدونا فلان، قلت: إنه عدوٌ لدود، وإن قالوا :صديقنا فلان،قلت: إنه صديق حميم، واستعملت في كل ذلك حنجرتك إن كنت من ذوي الحناجر، وقلمك إن كنت من ذوي الأقلام، ومالك إن كنت من ذوي الأموال، فهذا كله جمل يطير”.

ويتابع رحمه الله:

“وأما إن أنت لم تعبأ بميول الحكام والولاة وعواطف الشعوب،فأخذت تُحلّل كل خبر وتُبين بواعثه ودوافعه،كما يُحلّل الكيماوي المادة في معمله،وتُصدر حكمك لاتراعي فيه إلا الحق، فتارة يُرضي العواطف وتارة يُغضبها،وأحياناً يُرضي الرأي العام وأحياناً يُغضبه ويهيجه ،وأنت لايهمك أرضي أم غضب،وكره أم أحبّ،ولايهمك إن اتفق رأيك ورأي الناس أم خالفه ،وتعمد إلى مايعدّه الناس وثائق فتهزأ بها،وإلى الإشاعات فتتحراها وتركزها في بوتقتك وتشعل تحتها النار فتبخرها،وتصدر حكمك على من يسميه الناس بطلاً فتنكر بطولته، وعلى مايعدّه الناس سافلاً فتعرضه نبيلاً،وإن فعلت ذلك فهذا جمل يسير، فأنت الفقير،وأنت المتفلسف وأنت المتعجرف،وأنت الذي يُطرد ويُشرّد”.

ويقول الأستاذ الأديب محمود محمد شاكر رحمه الله(الرسالة العدد 321):

“يقول المتنبي:

مازلت أضحك إبلي كلما نظرت              إلى من اختضبتْ أخفافها بدم

أسيرها بين أصنام أشاهدها                    ولا أشاهدُ فيها عفة الصنم

والمتنبي  يقول ذلك في صفة أصحاب السلطان الأدبي والسياسي من أهل عصره، ولا يزال هذا ينطبق إلى اليوم على البلاد الشرقية والعربية إلا قليلاً قليلا.لقد أذكرتني أشياء رَمَت إلى ما كنت أسوس النفس على تناسيه ونبذه والتباعد عنه، ولكن صناعة الأدب هي من بين الصناعات أشدُّها التحاماً بالحياة…لان بل بالأصول النفسية التي تقوم عليها وبها أسواق المجتمع الإنساني، وهيس ترمي بالأديب في تنور متسعّر من نزاع الغرائز والشهوات والأحقاد،وهو بين اثنتين: إما أن ينحط في هوى غرائزه التي تثيرها هذه النار الآكلة،فيفسد بفسادها، وإما أن يتحصن دونها،فيروض غرائزه الوحشية، حتى تالف وتنقاد لحكم العقل النبيل والعواطف السامية.فكذلك يوطن نفسه على الحرمان والألم والتفرد والوحشية…ثم على الصراع الذي لا رحمة فيه ولا هوادة بين تضرّم النزعات المستبيحة،وبين زهادة النفس المتورعة المطمئنة.

وكان أحق الناس بالتسامي ومطاولة الغرائز في هذه الحرب الموقدة  ـ الأدباء ، فالأدب في أصله تنزيه للنفس وكبحٌ من جماحها،ورفق في سياستها، فإذا انقلب الأدب تضرية للوحوش الرابضة في الدم من الطبائع والغرائز،خرج عن أصله وفقدت ألفاظه معانيها، وصارت أسواق الأدب تعمد في معاملتها على البغي والظلم والعدوان والتهجم والاستبداد.وفقدت كل معاني الحرية والعدل والإنصاف والتمييز بين الخبيث والطيب، وهي أصول الفطرة الأدبية السامية.

ويتابع الأستاذ شاكر رحمه الله:”إن الأديب الحر ينتفض تقززاً واشمئزازاً كلما انبعثت روح حقارة المجتمع من وراء الرّمم الأخلاقية المموّهة بالنفاق،والتي أقيمت عليها أصنام منصوبة للعظمة الباطلة الجوفاء،وهو أشد انتفاضاً وانتقاضاً  حين يرمي ببصره إلى الأدب والعلم وهذه المعاني السامية فيرى الأدباء والعلماء أذلاء مستعبدين قد خضعت أخلاقهم للحاجة والضرورة والبؤس،فهم نواكس الأبصار إلى الأرض بين يدي فئة منهم قد أخذوا عليهم أفواه الطرق المؤدية إلىبعض الرزق،حين واتاهم القدر ببعض السلطان والجاه والسيطرة،وأقامتهم الشهرة الذائعة أنصاباً تهوي إليها الأغراض،وتناط بها الوسائل،وتعتمد عليها الحكومات في تقدير العلم والأدب وأهلهما والعاملين عليهما،وكذلك من لا يستطيع أديب أو عالم أو فيلسوف أن يجتاز إلا بإجازة من أيديهم وبأختامهم،وإلا أن يشهدوا له شهادة التقدير،وأن يعبروا له السِّعر في (تسعيرة) السوق الأدبي الذي أقامتهم الحظوظ عليه حكاماً ومقوِّمين.

ويتابع:” إن هذه التجارة التي تقوم على استعباد العلم والعلماء والأدب والأدباء تجارة باغية ينبغي أن تفنى نخاستها وأن تغلق أسواقها،وينبغي  أن يتحرر الأدباء والعلماء المستعبدون قليلاً من أغلال الضرورات المستحكمة ليحاربوا بغي هذه التجارة بالنبل والسمو والترفع،وليهتكوا تلك الأستار الحريرية الرفيعة المسدلة على بيوت الأوثان الجاهلية التي تستعبد  الأحرار باستغلال ضراعة الضرورة والحاجة والفقر”.انتهى كلام الاستاذ شاكر.

والغالبية من أصحاب القلم ياصاحبي ـ وللأسف ـ تخضع للسلطان،وتخنع لبريق الذهب، وتركع أمام إغراءات المنصب والجاه،وهؤلاء الناس تجدهم قد جَرّدوا اقلامهم وانتضوا يراعهم من أجل خدمة هؤلاء السادة والحكام،واتخذوا الكتابة وسيلة للتكّسب، يمدحون ويتزلفون وينافقون ويتملقون،يُبطلون الحق، ويُحّقون الباطل،ويزيفون الأمور، قد لبسهم الهوى فأنطق قلوبهم وأقلامهم بما يُعصى،واستعبدتهم الشهوات فألقت بهم في المتاهات وألغت ضمائرهم وجرّدتهم من إنسانيتهم فأصبحوا عبيداً للقلم بدلاً من أن يكونوا أمراءه،وأصبحوا إمعات للسلطان بدلاً أن يكونوا نصحاءه،وأصبحوا من أنصار الباطل بدلاً من ان يكونوا أعداءه.

إن أمثال هؤلاء القوم تجدهم في كل عَصر ومِصر وقصر، صفاتهم واحدة لاتتغير مهما تبدّل الزمان أو تغيّر المكان،إغراق في المديح حتى الإسفاف،وتفنن في البديع حتى الإتلاف،وإفراط في وصف الحاكم بحسن الصنيع،وتحطيم الشريف وإعلاء الوضيع،يمدح سيدهم إذا أتى بالخير،ويقرظ إذا أتى بالشر.

فعطاؤه كرم يفوق كرم الديم والسحاب،والكلمة التي ينطق بها دررٌ وحكم، وقتل الأبرياء شجاعة وحزم، والإنهماك في الملذات ظرف وتسلية، والعفو عن المظلومين شهامة،يُطرون ظُلمه ويُسبحون بحمده،ويخلعون عليه من الصفات مايتجاوز الملائكة الأطهار،والأنبياء الأبرار،فهو أبلغ من سحبان وائل وإن كان في حقيقته أعيا من باقل،وهو أجود من حاتم وإن كان في جوهره أطمع من اشعب،وهو صاحب الوعد المحافظ على العهد وإن كان في قرارته أخلف وعداً من عرقوب،وهو صاحب الحلم والعقل والرأي، وإن كان أخفّ حُلماً من عصفور،وهو صاحب العزّة والشأن وإن كان في حقيقة نفسه أذل من وتد بقاع،وهو صاحب البصر والبصيرة وإن كان أعمى من الخفاش، وهو صاحب العدل والإنصاف وإن كان أروغ من ثعلب، وأظلم من ذئب.

إن مما يبعث على القلق،بل والخوف على مستقبل الأمة العربية والإسلامية،أننا نعيش في هذا الزمن والعصر وبسبب “شعراء”و”أدباء”و”كتاب” السلاطين من أمثال هؤلاء،والذين يُنسبون لحاكم أو سلطان أو ملك أو أمير،ويَنسبون إليه من المناقب والمآثر والصفات مالم تتوفر في الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم!!.وإننا نعيش في هذا العصر والزمان مايُسمى”تأليه الطغاة”،فالحاكم في بعض الأقطارـ  إن لم نقل في معظمها من عالمنا العربي والإسلامي ـ هو رمز الاستقرار،ورمز الوحدة الوطنية،ورمز الاستقلال،وهو رمز الاستمرار في الحفاظ على القوت اليومي واستمرار الرزق واستمرار الحياة!!!

هذه الأقلام الخائنة،والألسنة الخادعة،أقلام العبيد،وألسنة العبيد،والتي لاتفتر ليلاً ونهاراً عن التسبيح والتمجيد بالطغاة والطغيان،وترسل الأناشيد والقصائد،وتبعثها موجات إثر موجات من المديح الزائف،والتغني بهؤلاء الأصنام من البشر والذين ليس لهم عفة الأصنام!!هؤلاء المنافقون المزيفون الخادعون والمخدعون يقال عنهم يا صاحبي أنهم من قادة الفكر في الأمة،وأنهم شعار الحرية والمساواة والعدالة!!!وهؤلاء يكرمهم الطغيان وأعوانه وأزلامه ويمنحونهم أعلى المناصب،وأرقى المراكز ويمنحون الأوسمة التي تثقل الصدور بحملها!!ويعطون أعلى المراكز الجامعية والتربوية فمنهم العميد ومنهم الأستاذ ومنهم المربي ومنهم ومنهم…

إن هؤلاء العبيد،وعبيد العبيد بأقلامهم الزانية وضمائرهم الفانية،عندما تبحث عنهم ليقولوا كلمة الحق ـ وهم لايعرفونها ـ عندما ترتكب الجرائم الوحشية،والفظائع الدموية بحق الأمة وشعوبها وأفرادها، لاتجد لهم أثر،ولايثور لهم ضمير،ولاترف عين،ولايرتعش قلب،ولايهتز شعور لواحد من هؤلاء ـ وما أكثر هؤلاء ـ وهم يشاهدون الضحايا والأشلاء والجثث متناثرة هنا وهناك وهنالك،والتي مثّل بها الطغيان غيلة وغدراً،سراً وجهراً، ليلا ونهارا،وعلى مرأى من الجميع…

وأصبحنا نرى ونسمع كيف تخرج الشعوب بمئات الألوف إن لم نقل بكل ملايينها إلى الشوارع والساحات،تزخر بها ،كالبحر المتلاطم الأمواج،يموج بعضهم فوق بعض،في مظاهرات تأييد وتحية لهذا الحاكم أو ذاك ناسيةً هذه الجموع أو متناسية، غافلة أو متغافلة،عن أن سبب ماهي فيه من الظلم والفقر والأذى والحرمان ..هو من جراء جرائم هذا الحاكم وزبانيته وأعوانه على مرّ سابقات الأيام ولاحقات الاعوام.

يقول نزار قباني:

والشعرُ..ماذا سيبقى من أصالته؟

إذا تولاه نصابٌ…ومدّاحُ

وكيف نكتبُ؟ والأقفالُ في فمنا؟

وكلُّ ثانية،يأتيك سفّاحُ

حملتُ شعري على ظهري فأتعبني

ماذا من الشعر يبقى حين يرتاحُ؟

وإن تعجب يا صاحبي فلتعجب معي كل العجب على ما فعله فينا حكام هذا الزمان،ومن ورائهم كُتّاب الظَلام والظُلّام،وما زرعوا فينا من الصفات التي لم يخطر مثلها على بال البشر وأصحاب البصيرة وأهل العِبر،وأهمها يا صاحبي ما يُسمى”نفاق الحكام”،فهذا أصبح أحد مكّونات دمائنا،يسري في عروقنا،ويغذي أنسجة وخلايا أبداننا ودماغنا،وهو كسكر الدم ياصاحبي،قد يزدداد عند بعض البشر إلى درجة التلف،وأصبح من التكوينات والمقومات الرئيسية في تركيب أجسامنا،ولنقل أنه أيضاً أصبح كأحد النواقل العصبية الهامة التي تنشط بعض المنعكسات ولنسمها اعتباطاً”منعكسات النفاق،فكما أن هناك منعكسات للشم،واللمس،والرؤية،والسمع،والتوازن…فإنه قد أضيف إلى تركيب أجسامنا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية هذه المنعكسات التي سميناها “منعكسات النفاق”،وهذا المنعكس يُحرّض يا صاحبي بمجرد أن يذكر اسم الحاكم في مكان عام أو خاص،ويتجلى انعكاسياً بموجات لا تنتهي من التصفيق الشديد المستمر لعدة دقائق أو ربما أطول ،ويترافق مع سيل من الصيحات و النداء والهتاف والتحيات بحياة هذا الرئيس الخالد المعصوم ،الواحد في صفاته ،الذي لم يخلق مثيل له على مستوى البلاد ولم يشاركه في هذا أحد من العباد.

ويختلف نشاط هذا المنعكس يا صاحبي باختلاف الأشخاص وقدرة كل منهم على التهريج والتملق والتزلف والنفاق.وإذا كان من صفات بعض المنعكسات الطبيعية عند الإنسان أنها تتراجع وتضعف مع تكرار المنبهات أو المحرضات،إلا أن هذا المنعكس يا صاحبي لا يضعف ولا يتراجع ولا يتوقف إلا بتوقف  قلب صاحبه عن الخفقان أو عودة عقل صاحبه إلى جادة الإتزان!!

والقاعدة يا صاحبي ،أنه كلّما تقدم الإنسان في العمر،كلما ازداد نضجاً وحكمة وخبرةـ باستثناء من يُردّ إلى أرزل العمر ويصاب بالعته والخرف ـ وهذا يعني أنه في الحالات الطبيعية فإن دماغ الإنسان هو المسؤول والمدير والموجه لمنعكسات الجسم والبدن،ويُملي عليها إرادته ورغباته،أما عند الطفل الرضيع فإنه تتحكم فيه سلسلة من المنعكسات التي لاسيطرة للدماغ عليها ـ تسمى المنعكسات الودية الذاتية ـ والطفل معذور في ذلك،فهو لم يصل بعد إلى درجة النضج والكمال.ولكن أن تتحول بعض الأمم والمجتمعات بفضل رجالها ومفكريها وقادتها ـ والمفروض أنهم في سن النضج والبلوغ  وتركوا سن المراهقة والطيش ـ وأن تظهر عليهم وهم في سن النضوج والشباب والاكتهال أعراض العته والخرف وتتحكم منعكساتهم في دماغهم وتصرفاتهم وحركاتهم وليس العكس فهذا لعمري ما نسميه النكوص إلى مرحلة الرضاعة والطفولة الأولى، وهذا لاتفسير له طبياً عندي ياصاحبي، فالمعذرة كل المعذرة أنني حائر كطبيب في تفسير هذه الظاهرة المرضية ولعل الأيام الحبلى بالحوادث والظواهر تجيبنا على سؤالنا عندما تتمخض وتأتينا بالجواب!!!

يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(فيض الخاطر ج5 ص25):

“وكل حاكم سيّد الوجود في زمانه،آت بالمعجزات في أعماله،معصوم من الخطأ فيما يأتي به . يبتز مال الناس غصباً فلا يُلام على ماغصب ولكن يُمدح على ما أنفق!ويقتل من يشاء فلا يُسأل عمّن قتل،ولكن يُشاد بفضله إذا عفا!الفن والأدب والشعر والنثر موسيقى لطربه وبهلوان لتسليته،وعبيدٌ مُسخرة لنهش أعدائه ومدح أوليائه”.

ويتابع رحمه الله:

“حكام كل ولاية يحكمون البلاد بعقول ضيقة،وشهوات واسعة، فخفخة في المظهر وسُخف في المَخبر،لايقيدهم قانون ولايردعهم عدل،ولايرون للشعوب حقاً إلا أن تؤمر فتطيع وتُنتهب فتصبر،بل لا يكفيهم الصبر على المصيبة، وإنما يتطلبون المدح والثناء عليهم في ظلمهم وطريقة حكمهم،فمن امتعض من ذلك فهو ثائر،ومن شكا فهو كافر، فأورث ذلك الهجرة لمن احتفظ بإبائه،والذل والهوان عند من لصق بأرضه”.

ويعبر الشاعر الكبير أو العلاء المعري فيصف هذه الحال فيقول:

إذا وصف الطائي بالبخل مادرٌ         وعيّر قساً بالفهاهة باقلُ

وقال السُّها للشمس: أنت خفية        وقال الدُّجى:ياصُبح لونكَ حائلُ

وطاولت الأرض السماء سفاهةً      وفاخرت الشُّهب الحصى والجنادلُ

فيا موتُ زُر إنّ الحياة ذميمةٌ          ويا نفس جِدي إنّ دهرك هازلُ

ويقول الشاعر الكبير شاعر السيف والقلم محمود سامي البارودي رحمه الله:

وأَقتلُ داءٍ رؤيةُ العين ظالماً          يُسيئُ ويُتلى في المحافلِ حمدهُ

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في هؤلاء الكتاب الذين باعوا أقلامهم وضمائرهم من أجل خدمة السلطان والطغيان(الرسالة العدد 691):

“والسخط على أولئك الكتاب والصحفيين،الذين يقال عنهم أنهم قادة الرأي في البلاد،وأنهم أباء الشعب الروحيين،أولئك الذين يسخرون أقلامهم وذممهم وضمائرهم لهذا الجيل من الساسة،فيضربون بأقلامهم ذات اليمين وذات الشمال،وينهشون سمعة هذا السياسي أو ذاك،ثم يعودون فيبيضون ما سودوا وقد يقفون مادحين في حفلات تكريم تقام لأولئك الساسة الذين قالوا عنهم من قبل:إنهم مجرمون قذرون منحطون منخوبو الضمائر فاسدوا الذمم،لا استصلاح لهم بحال من الأحوال!والشعب ينظر ويعجب:إما أن يكون هؤلاء القادة الروحيون كاذبين في الماضي،وإما أن يكونوا كاذبين في الحاضر.وهم في كل حال لا يؤمنون على قيادة الشعب الروحية،وتلك ذممهم وهذه ضمائرهم بين حال وحال!”.

يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

“عندما يكون الطغيان في بلدً محدوداً أو جزئياً،يتكلم متكلمون وينقد ناقدون ،ويعارض معارضون، وعندما يزداد الطغيان شدّةً  يصمت أكثر المتكلمين والناقدين،ويختفي أكثر المعارضين ،وعندما يبلغ الطغيان غاية شدّته وعنفه يتحول النقد عند الأكثرين إلى ثناء،والمعارضة إلى ولاء،والسواد القاتم كلّه إلى بياض،فإذا رأيتم المظلومين يُثنون على الظالمين،والمقهورين يُوالون الجلادين،فاعلموا أنّ الطغيان والبطش قد بلغ حدّه الأقصى، وأن كل كلمة مدح وزلفى هي في الحقيقة كلمة هجاء وشكوى، عجزت عن نطقها الشفتان، وقلبها الخوف والفزع والاضطرار أو الجبن والطمع والصَغار…إلى مديح”.

يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله واصفاً حال كتاب عصره المنافقين والمنتفعين في زمان الملك المخلوع فاروق (الرسالة العدد 1018 بتاريخ الخامس من كانون الثاني عام 1953ن):

“كان الأدب في العهد البائد صوراً متنافرة من القلق والملق والنفاق والتقية والجبن،لأن الأديب لم يجد رعاية من الملك لأنه جاهل،ولا عناية من الشعب لأنه غافل،فاضطر إلى أن يهاوى أصحاب الحكم ليسلم،ويصانع رجال السياسة ليغنم،ويتملق دهماء الناس ليعيش.وكان الملك على جهله بالأدب وبعده عن الدين،تنظم في مدحه القصائد الغرّ،وتحرر في فضله الفتاوى البكر،وتركب وزارة الأوقاق ونقابة الأشراف المركب الوعر لتجد لسليل الترك والفرنسيين نسبة مباشرة إلى الرسول العربي القرشي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم!ولم يكن كل ذلك سبيل الزلفى إليه ولا التفوق لديه،وإنما كان السبيل إليهما مهارة في الصيد،أو براعة في القمارنأو كفاية في كسب المال،أو لباقة في جلب المراء.والناس على دين ملوكهم.والأدب يكون كما يكون الناس”.

وشعراء السلاطين قديماً وحديثاً قد بالغوا في المديح والإطراء والثناء، بحيث فاقت صفات ومناقب الحاكم عند أمثال هؤلاء أحياناً الأنبياء!!

وقديماً مدح أحدهم وهو ابن هانئ الأندلسي سلطان مملكته من الفاطميين فقال فيه هذا الكلام الذي نستغفر الله العظيم من محتواه ونبرئ النفس من فحواه ومعناه يقول فيه:

ماشئتَ لا ماشاءت الأقدار          فاحكم فأنت الواحد القهار

وكأنّما أنتَ النبيُّ محمد             وكأنّما أنصارك الأنصار

أنتَ الذي كانت تُبشرنا به          في كتبها الأحبار والأخبار

ويقول فيه أيضاً:

إمامٌ رأيتُ الدين مرتبطاً به        فطاعته فوزٌ وعصيانهُ خسرُ

أرى مدحهُ كالمدح لله إنّهُ         قنوتٌ وتسبيحٌ يُحطُّ به الوزرُ

(ملاحظة: ولقد مات هذا الشاعر أبشع ميتة وهو في قاقلة من أملاكه حيث قضى عليه قطاع الطريق، هذا عقاب الدنيا وأما عقاب الأخرة فعلمه عند الله) .

ومثال أخر لتزلف الأدباء والشعراء، وأنهم يميلون مع النعماء حيث تميل الشاعر المعروف أبو عبادة البحتري، كان من أشد المقربين من الخليفة العباسي المتوكل ،الذي أغدق عليه من العطايا والهبات، وجعله من المقربين من مجلسه مجلس الثقات، وقد كان في مجلسه يجاذبه أطراف الحديث والسمر مع الفتح بن خاقان،وزير المتوكل، وحين حلت الكارثة قام الوزير الشجاع بما يفرضه عليه واجب الشهامة والرجولة ففاضت روحه وهو يدافع عن سيده  بعد أن هجم المنتصر ابن المتوكل عليه ومعه زمرة من الخونة من حاشية قصره،وفرّ البحتري إلى حمام مهجور في القصر واختبأ فيه وبعد ذلك جاء ليكذب على الناس فيقول في اختلاق ذميم:

أدافع عنه باليدين ولم يكن             ليثني الأعادي أعزل الليل حاسره

ولو كان سيفي ساعة الفتك في يدي   درى الفاتك العجلان كيف أساوره

ويقول البحتري بعد ذلك شعراً يمدح القاتل المنتصر ويهجو الخليفة المقتول المتوكل بالرغم مما أغدقه عليه من خير عميم :

حججنا البلية شكراً لما                   حبانا به الله في المنتصر

تلافي البرية من فتنة                    أظلهم ليلها المعتكر

ولما ادلهمت دياجيرها                   تبلج فيها مكان القمر

ولو كان غيرك لم ينتهض               بتلك الخطوب ولم يقتدر

رددت المظالم واسترجعت               يداك الحقوق لمن قد قهر

بقيت إمام الهدى للهدى                   تجدد من نهجه ما اندثر

والبحتري هذا هو من قلب للمنتصر ـ ولي نعمته الثاني ـ ظهر المِجّن وهجاه هجاءً شديداً بعد مقتله، وتزلف من الخليفة الثالث المستعين بالله يمدحه ويقول له متظاهراً بالولاء:

لقد نصر الأمام على الأعادي               وأضحى الملك موطود العماد

أمير المؤمنين اسلم فقد ما                   نفيت الغي عنا بالرشاد

تدارك عبدنا الدنيا فقرت                   وعمّ نداك أفاق البلاد

 

هذا قديماً، وانظر معي إلى هذا الشاعر الذي عاش في النصف الأول من القرن العشرين يمدح الملك فاروق ملك مصر،وما أدراك ماالملك فاروق!! رمز الفساد والانحلال والرذيلة، يقول فيه هذا الشاعر

وبدا العرشُ قد حلَّ به                 يفرع الشمسَ ويعلو الأنجما

ورأى بعد سليمان له                  مشبهاً في عدله إن حكما

حين عزَّ الدين والملك به             هنأ المنبر فيه العلما

لاترى العين به إلا عُلا                كلّما تسمو له العينُ سما

أين شعري وفنوني من مدى         لو مضى حسان فيه أفحما

ولندع الكاتب الناقد الدكتور محمد مندور يعلّق على هذا الشعر ويجيب شاعرنا هذا على افتراءته، حيث يقول في كتابه(الشعر المصري بعد شوقي):

“قولٌ سخيف، ففاروق يفرع الشمس ويعلو الأنجما،وكلما سما له العين سما وكأنّه بالون!!وهو يَفضل على المأمون والمعتصم، بل ومناقبه أسمى من مناقب النبي صلى الله عليه وسلم التي استطاع حسان(بن ثابت) أن يبلغ بشعره مداها،بينما لو حاول بمناقب فاروق لعجز وخانه الشعر،وإنه لمما يحزن ألا يكتفي هذا الشاعر بكل هذا الإسراف والسخف ولكنه أيضاً يكشف عن دافعه غير الكريم وبه يختم قصيدته فيقول:

أنا في فيض له متصل           أنعمٌ تمضي فألقى أنعما

ليس بِدعاً أن زها شعري به    يزدهي الروض إذا الغيث هما

وكانه يقول للفاروق زدني عطاءً أزدك شعراً!!

ونقول إن هذا الشاعر ذاته، يناقض ذاته في قصيدة أخرى له حيث يطلب من الشعراء أن يكون شعرهم حقاً نابعاً من النفس فيقول:

والنفس إن لم تكن بالشعر شاعرةً     ظنته كل كلام جاء موزونا

ويقول أيضا :

لو مدحنا من لايحق له المد               ح لوى الشعر رأسه فهجانا

ونحن نتركه لشعره هذا يحكم عليه!!

وشاعر آخر عاش في النصف الأول من القرن العشرين، انظر إليه يمدح ملك الإنجليز، وما أدراك ما إنجليز، أصل البلاء، ورمز العناء،وأصل النكبات في عالمنا العربي والإسلامي، يقول هذا الشاعر مهنئاً ملك الإنجليز بمناسبة شفائه من المرض:

صاحب التاج أنت بالقوم أعلم               هم يودون أن تعيش وتسلم

ويميناً لولاك عاث طغاة                      في بلاد من جورهم تتظلّم

ظعن الجور عن بلادك لما                   نصب العدل في ذراك وخيّم

إننا نعرف الملوك ولكن                     إن عددناهم فأنتَ المُقدّم

ونحن ياسيدي الشاعر نعرف ملوك وحكام إنجليز، ونعلم ماقدموه ويقدمونه لشعوبنا العربية والإسلامية في كل مكان من أرجاء المعمورة ونسترّوح نسمات عدلهم ونستنشق هواء إنصافهم وخاصة مافعلوه في فلسطين والبوسنة والعراق وكوسوفو والهند ..!!

وشاعرنا هذا يناقض ذاته حيث يقول في قصيدة أخرى:

اجهر برأيك إنّ الحقّ قد غلبا             هذا يراعك يحكي السيف ما كتبا

أرى المضلين قد زاغت بصائرهم        ومن يظن الدّجى صبحاً فقد كذبا

سِر في طريقك لاتحفل بذمتهم            ولايهزك مغرور إذا غضبا

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في قصيدة جميلة له، تعبر عن الكتاب والشعراء والفنانين الذين ضلّلوا الناس بنفاقهم وزيفهم وتملقهم للحكام،وما أكثرهم في هذا الزمان وكيف جعلوا من بعضهم ملائكة وهم في حقيقتهم أرباب الشياطين،وكيف جعلوا منهم سادة وهم في حقيقتهم أذل من العبيد وكيف جعلوا منهم حكماء وهم في حقيقتهم أجهل الجاهلين، يقول رحمه الله:

هُبــــــــــــــــــــــلٌ…هُبـــــــــــــــــــــلْ

رمزُ الخيانة والجهالة والسخافة والدّجلْ

هُتافـــــــــــــهُ التهريج ما ملّوا الثنـــــــاء

زعموا له ماليس……عند الأنبيــــــــــــاء

ملك تجلبب بالضياء وجاء من كبد السماء

هــــــــــــو فاتحٌ……هـــــو عبقري ملهم

هــــــــو مرسلٌ………هــــو عالمٌ ومعلم

ومــــــــــــن الجهالـــــــــــــــة مـــا قتـــل

هُبـــــــــــــــــــــــــل……..هُبــــــــــــــــلْ

رمــــزُ الســــــخافة والجهالــــة والدّجـــــل

لا تســـــألن ياصـــــاحبي تلـــك الجمــــوع

لمـــــــن التعبــــــد والمثوبـــة والخضـــوع

دَعهــا فمــا هـــي غيرُ خرفـــان…..القطيــع

معبودهــــا صنــــم يــــراه…..العـــمُّ ســـــام

وتكّفـــل الدولار كـــي يضفي عليه الاحــترام

وســــعى القطيـــع غبـــاوة……… يا للبطـــل

وهؤلاء الشعراء أو الكتاب والذين يتملقون الطغاة ويتزلفون إليهم، هم كالأفاعي ياصاحبي، تُغيّر جلودها حسب تغير الظروف والأحوال!!وليس من النادر،بل هو الحاصل أن ينقلب شديد الثناء عند هؤلاء إلى أقبح الهجاء،وأن يتحوّل هذا الشاعر أو الكاتب من النقيض إلى النقيض إذا غاب هذا الحاكم أو الطاغية لاسباب طبيعية أو غير طبيعية!!!

حدّث إبراهيم بن عبد الله الكّجي قال: قلت للبحتري:ويحك! تقول في قصيدتك التي رثيت بها أبا سعيد:

يرمونَ خالقهم بأقبحِ فِعلهمْ       ويُحرفون كلامهُ المخلوقا

أصرتَ قدرياً معتزلياً؟ فقال لي:كان هذا ديني أيام الواثق(يعني أيام كانوا يقولون بخلق القرآن) ثم نزعتُ عنهُ في أيام المتوكل(أي حين نزعوا عن هذا القول) فقلت له: يا أبا عُبادة، هذا دينُ سُوءٍ يدورُ مع الدّول.

ألا ترى معي أننا في هذا الزمان نشكو من كثرة أمثال هؤلاء الكتاب والشعراء الذين يمدحون حاكماً أتى بمثابة”عودة الروح للأمة والمجتمع وأنه بعد رحيله يذمونه أبشع الذّم ويُكيلون له أشدّ السباب والشتم،وحجتهم في ذلك بأنه”عودة الوعي” إلى العقول والضمائر،بل إن بعضهم قد تغنى بالوطنية والقومية والأمجاد الثورية التي أحياها فيهم هؤلاء”الثوار و”البطل اللي جابه القدر وانقلبوا بعد وفاته يذمون عهده وزمانه ويتحولون من “أهل المعارك” إلى أرباب السلام والتطبيع”وخلي بالك من زوزو” ويتحولون عن”المسؤولية” إلى التغني”بالدنيا ربيع والجو بديع وقفّل لي على كل المواضيع”!!!

بل إن أحدهم الذي وصف “الزعيم الخالد“بأنه “معجزة  بلا أنبياء وأنه”دورة ارض بغير سماء قد ذمّ زمانه وحياته وصار يبكي “على يوم مولده” الذي ملأ حياته حزناً وبكاء!!

إنّ أمثال هؤلاء وما أكثرهم في هذا الزمان،يذكرونني بما قاله أحدهم في الأمس البعيد بعد وفاة أحد السلاطين حيث قال فيه:”وقد كانت سيوفك لاتجف،ونقمتك لاتؤمن، ومدائنك لاترام، وعطاياك لاتبرح، وضياؤك لايخبو،فأصبح ضؤوك قد خمد،ونقمتك لا تُخشى،وعطاياك لاتُرجى، وسيوفك لا تنتضى ومدائنك لاتمنح….لقد كنت بالأمس لا يأمنك أحد، ولقد أصبحت اليوم وما يخافك أحد”.

وليست الخطورة في هذه الأقلام المأجورة، محصورة في إطراء الحاكم والثناء عليه بالحق والباطل،والطلب إلى الشعب أن يسبح بحمده ويشكره على آلائه ونعمه،وأن يشكروا الله بكرة وأصيلاً على أنه أرسله إليهم،وخصّهم به من دون الشعوب والحكام، ومن غير الأمم والاقوام!! بل إن هؤلاء الكتاب يفسدون أيضاً الأخلاق والآداب، ويعلمون الناس الكذب والنفاق،ويقلبون المعايير والمقاييس ،فيجعلون المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، كما أنهم يثيرون الغرائز ويشجعون على الشهوات وينشرون الإباحية…ويساعدهم في ذلك وسائل الإعلام العديدة المضللة، والتي سخرها الحاكم وزبانيته لأمثالهم،وهذه الوسائل تتسلل إلى قلوب وعقول كثير من الناس، وتهاجمهم بافكارها البلهاء وسمومها السوداء،في عقر منازلهم ومكاتبهم ومدارسهم…أضف إلى ذلك دور الصحافة والطباعة ودور النشر ووسائل الترفيه من مسارح وسينما….

يقول الدكتور محمد حسين هيكل في “ثورة الأدب”:

وإذا كنا بسبيل الكتّاب،ورجال العلم،فإن المنافقين والمتملقين ممن يظهرون في عصور الطغيان هم على الإنسانية بلاء دائم وشرٌّ مستطير،يفسدون الآداب والأخلاق ،ويعلمون الناس الكذب والنفاق، وينزلون بأدب الكتابة إلى أحطّ درجاته،وهم مع ذلك من الطاغية موضع إعزازه وإن شاب الاعتزاز احتقار!!ثم هم لن ينزل بهم حيف أوينالهم بسبب إفسادهم الخَلق والأدب واللغة أيّ اذى، بل إنك لتراهم حثالة السفالة المجسمة موضع الإكبار من بطانة الطاغية لأنهم يعتقدون ان في الزلفى إليهم والقرب منهم وسيلة لاستعادة الجاه الكاذب والمال المسروق”.

ويقول الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله(الرسالة العدد116 بتاريخ 23 إيلول عام 1935):

“أرى العصر الحاضر مفتوناً كل الفتنة بالأهواء،مستكلباً على الشهوات،قد فتحت له من الملاهي أبواب،ومدت له إلى الغي أسباب،فشغلت من الحياة جانباً.هذه الملاهي والمراقص والحانالت والمواخير.ورأى كثير من الناس هذه الدور مجلبة ربح عظيمن ووسيلة مال وفير، فاقبلوا عليها إقبالاً، وافتنوا فيها افتناناً،واستعانوا على تزينها وجلب الناس إليها بكل ما أنتجت الحضارة من علم وفن،ولم يدعوا حيلة في الاستهواء إلا اتخذوهانولا وسيلة إلى تهافت الناس عليها إلا توسلوا بها.

ويتابع:” ووراء هذه جماعة من تجار الكتب ، والفسقة المفسدين، يريدون أن ينالوا رغائبهم بشريعة،ويفسدوا في الأرض على علم فيكذبون على الجمال والفن والحرية ما شاءت مآربهم،ويحرفون الكلم عن مواضعه،ويسمون الرذائل بغير أسمائهانفالفسق إعجاب بالجمال،وكل خليعة فنانة،وكل خليع أستاذنويتنافس اصحاب المجلات في كتابة ما تحبه النفوس المريضة،وعرض الصور التي يهفو إليها الشبان،لا يبالون في سبيل المال أن تصلح الأمة وأن تفسد،وتعمل التجارة عملها حتى تجد الرجل الحريص على الفضيلة،الداعي إليها إذا ابتلى بمجلة أغضى عن مفاسدها،فصار له رأي في نفسه،وفي غير مجلته، وعمل آخر تجاري في المجلة.وقد عجبت لبعض الكتاب المعروفين بالغيرة على الأخلاق، والتنديد بالخلاعة والمجون، وبدع العصر الحاضر،إذ رأيت المجلة  التي يشرف عليها تنشر من الصور والكلام مالايلائم آراءه، ويوافق مواعظه”.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات(من وحي الرسالة ج1 ص163):

“ويطغى الأدب كما طغيت يانيل فلا يكترث للقواعد،ولا يَعوج بالأصول،ولايحفل بالمنطق، ولايأبه للخلق،ثم يرغي بالبذاء، ويُزبد بالهراء،ويطفح باللغو، وكان الأدب الطاغي مثلك يانيل عذب الشمائل سهل الشريعة،فروي الناس من نبعه،وبردت أكبادهم على نداه،ثم انتكس المجتمع وانقلبت الأوضاع وفسدت المقاييس، واستفاضت الدعوى ،وتبجح الغرور،واستبهم الأمر،فرأى سلاطة اللسان أجدى عليه من براعة الذهن والتواء الفكر أنفع له من سلامة القياس،ولؤم الوقيعة أشد لسلطانه من كرم النفس، وشهوة الجدل أقرب إلى قلبه من حب الحقيقة. وفي العهود التي تسطو فيهااليد،ويستخذي القانون، يسلط فيها اللسان ويستكين المنطق! ثم يكن لمثل هذا الطغيان تكرُّم الأدباء على مقام المسافهة، ضناً بأخلاقهم على الغمز،وفي التاريخ السياسي والأدبي يانيل أمثال واشباه! ولكنها تنحسر كلها عن جوهر الحق ومحض الخير ولباب الجمال، كما تنحسر أنت عن هذه السواحل والجزر والقرى بحكم الطبيعة ومشيئة الله”.

ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(مجلة الثقافة العدد 345 ):

“إذا رأيت المهاترات الصحفية تنزل إلى الحضيض في السباب والشتائم والفضائح ورأيت إقبال الجمهور عليها كثيراً وأنها تقابل بالترحيب فاحكم على ذوق الأمة الأدبي بالضعف كما تحكم على الأسرة التي يتساب أطفالها بكل ألفاظ الهجر على مسمع من آبائهم بالانحطاط،لأن الذوق الراقي لا يحب الهجاء الصريح ولا الهجاء العنيف،إنما أقصى ما يسمح باللمحة الدالة والإشارة المفهمة.

كذلك إن رأيت مجلات الجمهور إنما تعنى بالمسائل الجنسية أكثر مما تعنى بالناحية الثقافية،وبالصور الخليعة أكثر مما تعنى بالصور الرفيعة دل هذا على انحطاط الذوق الأدبي للجمهور،لأن هناك في الحياة أموراً أكثر من نظرة الرجل إلى المرأة أو المرأة إلى الرجل”.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في مقال له بعنوان:كلمة في الأدب:

“نعم ، أنا أقدّر الأدب،ولكن هل تريدون مني أن أقدّر شعر بودلير وقصص أندريه جيد،وأن أقدّر بيرون الذي بدأ بالحب قبل أن يتعلم أحرف الهجاء،ففسق وهو في السابعة وأحبّ الغلمان الحسان الأماليد،ثم انتهى به الأمر أن أحب أخته،أخته ياسادة،حباً أثمر حَبَلاً؟! أتريدون أن أغتفر له هذا كله وأن أصفق له وأعدّه مع العباقرة الخالدين،لأنه استطاع أن يصف هذه الأعمال بكلام بليغ؟

إن كان هذا هو الأدب فاشهدوا عليَّ أن طلقت الأدب طلاقاً ثلاثاً لا رجعة فيه،وسامحكم الله بالسنين الأربعين التي أنفقتها في تحصيله وفي صنعه.

لعنة الله على الشعر الجميل والوصف العبقري إن كان لا يجىء إلا بذهاب الدين والفضيلة والعفاف،وعلى كل أديب يُفسد عليَّ ديني ويَذهب بعرضي ويحقّر مقدساتي ليقول كلاماً حلواً.وهل تعوّض عليّ لذتي بحلاوة الكلام،الدينَ الذي فسد والعرضَ الذي ذهب والمقدسات التي مُرّغت بالوحل والتراب”.

ويقول الأستاذ توفيق الحكيم(الرسالة العدد 93):

“قرأت لتسع سنوات خلت قصة فولتير التمثيلية(محمد)،فخجلت أن يكون كاتبها معدوداً من أصحاب الفكر الحر.فقد سبّ فيها النبي صلى الله عليه وسلم سباً قبيحاً عجبت له.وما أدركت له علة،لكن عجبي لم يطل،فقد رأيته يهديها إلى بنوا الرابع عشر(بابا النصارى) بهذه العبارات:”فلتستغفرقداستك لعبد خاضع من أشد الناس إعجاباً بالفضيلة،إذا تجرأ فقدم إلى رئيس الديانة الحقيقة ما كتبه ضد مؤسس ديانة كاذبة بربرية.وإلى من غير وكيل رب السلام،والحقيقة أستطيع أن أتوجه بنقدي قسوة نبي كاذب وأغلاطه؟فلتأذن لي قداستك في أن أضع عند قدميك الكتاب ومؤلف،وأن أجرؤ على سؤالك الحماية والبركة.وإني مع الإجلال العميق أجثو وأقبل قدميك القدسيتين”[فولتير 17 أغسطس 1745).

وعلمت في ذلك الحين أن جاك روسو كان يتناول بالنقد أعمال فولتير التمثيلية،فاطلعت على ما قال في قصة(محمد)علني أجد ما يرد الحق إلى نصابه،فلم أر هذا المفكر الحر أيضاً يدفع عن النبي ما ألصق به كذباً،وكأن الأمر لا يعنيه،وكأن ما قيل في النبي لا غبار عليه ولا حرج فيه،ولم يتعرض للقصة إلا لامن حيث هي أدب وفن.ولقد قرأت بعد ذلك رد البابا بنوا على فولتير،فألفيته رداً رقيقاً كيساً لا يشير بكلمة واحدة إلى الدين،وكله حديث في الأدب.فعظم عجبي لأمر فولتير،وسألت نفسي طويلاً:أيستطيع عقل مثقف كعقل هذا الكاتب العظيم أن يعتقد ما يقول.دين تبعه آلاف الملايين من البشر على مدى الأجيال،هو في نظره حقاً دين كاذب؟ومبادىء إنسانية كالتي جاء بها الإسلام،هي عنده حقاً مبادىء بربرية؟أم أنه التملق والزلفى والنفاق.وإن الزمن والتاريخ يضعان أحياناً أقنعة زائفة على نفوس تزعم أنها خلقت للدفاع عن حرية الفكر…

منذ ذلك اليوم وأنا أحس كأني فجعت في شىء عزيز لدي:الإيمان بنزاهة الفكر الحر.ولقد كنت أحياناً ألتمس الأعذار لفولتير،وأزعم أنه قال ما قال لا عن مجاملة أو ملق،بل عن عقيدة وحسن طوية استناداً على علم خاطىء بأخبار النبي،ولكن كتابه إلى البابا كان يتهمه اتهاماً صارخاًنويدع مجااً للشك في دخية أمره.إني قرأت لفولتير كتباً أخرى كانت تكشف عن آراء حرة حقيقة في مسائل الأديان،وتنم عن روح واسعة الآفاق تكره التعصب الذميم،فما باله عند عرض لذكر محمد والإسلام كتب شيئاً هو التعصب بعينه،تعصب لدينه ،ذهب فيه إلى حد السجود وتقبيل الأقدام، لا لربّ العزة والخلق،بل لبشر هو رئيس الكنيسة التي ما أرى فولتير كان في ذات يوم من خدامها المخلصين.هي الأطماع التي كانت تدفع فولتير إلى التمسح بأعتاب الملوك والبابوات،ولقد يقدم ثمناً لذلك أفكاره الحرة أحياناً.منذ ذلك الحين وفولتير عندي متهم،ولن أبرئه أبداً،ولن أعده أبداً من بين أولئك العظام الذين عاشوا بالفكر وحده وللفكر.وأحسب أن التاريخ العادل سوف يحكم عليه هذا الحكم،فينتقم للحق بما افتراه على نبي كريم ظلماً وزوراً”.

 

ويقول الأستاذ احمد حسن الزيات رحمه الله ” تحت عنوان أدب السندوتش(مجلة الرسالة العدد 206 بتاريخ 14 حزيران عام 1937):

لعلك تقول لنفسك سائلاً أو هازلاً ما علاقة الأدب بالسندوتش؟ولو كنت أريد الأدب الذي تعارفه أو الجد من الناس لأعيا نفسك وأعياني أن ندلك على هذه العلاقة.ولكنني أريد الأدب الذي تتأدبّه ناشئة اليوم،والسندوتش أو الشطيرتان بينهما الكامخ كما يريدون أن نقول، لقيمات تشتريها وأنت واقف في المطعم، وتأكلها وأنت ماش في الطريق،وتهضمها وأنت قاعد في المكتب،فلا تجد لها بين ذهول العجلة وتفكير العمل هناءة في ذوقك ولامراءة في جوفك.وهذا الضرب من الطعام القائم على القطف والخطف جنى على الأسرة فحرمها لذة المؤاكلة ومتعة المنادمة وأنس العشرة،وجنى على المائدة فسلبها فنها الطاهي وذوقها المنظم وجلستها البهيجة،وجنى على الصحة فأضعف الشهوة وأفسد الهضم ونقص العافية.والثقافة الأدبية اليوم لاتختلف في سرعتها وتفاهتها وفسادها عن هذا النوع الجديد من الأكل،فهي نتفات من الكتب،ولقفات من الصحف، وخطفات من الأحاديث، ومطالعات في القهوة أو في الترام أو في السرير يلقط الكلم فيها النظر الخاطف،كما يلقط الحب الطائر الفزع،ثم نتاج مختصر معتسر كجنين الحامل أسقطته قبل التمام،وصراخ مزعج في أذني هذا السقط ليستهل وهو مضغة من اللحم المسيخ لا تشعر ولاتنبض، وأصبح مآل غرفة المكتب في البيت كمآل غرفة الطعام وقاعة الجلوس فيه،بغى عليها سندوتش الصحيفة كما بغى على هاتين سندوتش البار والقهوة.

ويتابع رحمه الله:

“يقول أنصار السندوتش في الحياة:إن المائدة لاتتفق مع الزمن الدافق والعمل المتصل والتطور المستمر والحركة السريعة،فإن في طول الجلوس إليها،وقواعد الأكل عليها،وتعدد الألوان فيها،واحتفال الأسرة لها،إضاعة للمال والوقت،وقتلاً للنشاط والحركة،وجلباً للسقام والمرض.

ويقول أنصار السندوتش في الأدب:إن قواعد اللغة قيود لاتوافق حرية العصر،وأساليب البلاغة عوائق لاتجاري قراءة السرعة،وبدائع الفن شواغل لاتساعد وفرة الإنتاج.

والحق الصريح أن آكلي السندوتش أعجلتهم محاقر العمل ومشاغل الرزق عن النعيم الآمن، والجمام الخصب، والبيت المطمئن، فجعلوا صعلكة المطاعم نظاماً وفلسفة،وأن قارئي السندوتش صرفتهم وعوثة الطريق وتكاليف الغاية عن اكتساب الملكة، وتحصيل الأداة وتوفير المعرفة،فقنعوا بهذا الفتات المتخلف ثم تجشئوا من غير شبع،وتشدقوا من غير علم ،وطلبوا محوا القيود والحدود والمقاييس ليصبح الأدب كوناً عاماً والفن حمى مباحاً،فيسموا راوي الأقاويل قصصياً ووزان التفاعيل شاعرا،ونهاش الأعراض ناقداً،وسلاب القرائح نابغة،ولكن الطبيعة التي تحفظ سر الكمال،وتحمي ندرة البلوغ، وتبغي بقاء الأصلح، تأبى إلا أن يظل قراء السندوتش وآكلو السندوتش فقراء ذوي عمل، أو أغنياء ذوي لهو،لاتهيئهم الحياة المضطربة إلى زعامة في أمر ولا إلى نبوغ في فكرة.

ويتابع رحمه الله:

“إن رسالة الأدباء كرسالة الأنبياء فيها عبقرية وجلالة وسمو.فإذا لم يكن الكاتب أو الشاعر خليقاً أن يسيطر على العقول والميول بمكانه في العلم وسلطانه في الأدب ورجحانه في الرأي كان أشبه بمن يدعي النبوة في مكة،أو بمن يمارس الشعوذة في لندن”.

ويُعّقب الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد على كلام الأستاذ الزيات(الرسالة العدد 209):

“أدب السندوتش هو أدب الفاقة والعجلة،وأدب المائدة هو أدب اليسار والوقار، كما سماهما الكاتب البليغ الأستاذ الزيات وأصاب في التسمية.لأنها تسمية وتوصيف وتعليل في وقت واحد.

وفي العالم كله نوازع شتى تنزع بالناس إلى الأدب الرخيص أو أدب السندوتش أو أدب الفاقة والعجلة.

وفي البلاد الفاشية يتحكم المستبدون في أذواق الكتاب والشعراء فلا يذعن لعسفهم واستبدادهم إلا طائفة من المرتزقة المتزلفين الذين لايقدرون على الأدب القيم،ولو أبيح لهم أن يطرقوه ويتوسعوا فيه، فهم أحرى أن يعجزوا عنه وهم مكبوحون مسوقون بالرهبة والإغراء”.

ويقول العقاد في مقال آخر(الرسالة العدد 211):

“شر الآداب هو أدب الموافقة والمجاراة،لكننا نخطئ إذا حسبنا الحكومات الغاشمة علّة هذا الأدب دون سائر العلل التي تفرضه على الكتاب والقراء.

فالأدب التجاري أدب موافقة ومجاراة وإن لم تفرضه حكومة ولم يطلبه حاكم غاشم.لأن الذي يكتب للرواج يكتب ما يوافق الأذواق ويجاري الأهواء ولايكتب ما ينبعث من سليقة حرة وقريحة شاعرة،والذنب في ذلك على الأخلاق لا على القوانين.

والأدب الضعيف أدب موافقة ومجاراة وإن لم تفرضه ولم يطلبه حاكم غاشم، لأن النفس الضعيفة لن تهتدي إلى القوة ولو أخلى لها الحاكم طريقها.فهي توافق وتجاري عجزاً عن الخلاف والانفراد،لا خوفاً من التفكير المطلق والقول الصريح.

والأدب الجامد أدب موافقة ومجاراة،لأنه ينافر الحركة ويوافق السكون والركود.

والأدب الذليل أدب موافقة ومجاراة،لأن الذليل لايحسن غير التمليق والازدلاف،ولن يكون الملق إلا بالموافقة ولو كانت غير مأجورة،وبالمجاراة ولو كانت غير مشكورة.

وما من عيب تعيله على أدب من الآداب إلا انتهى في قراره إلى أن يكون ضرباً من الموافقة ونقصاً في الحرية والإبداع،فالموافقة لاجديد فيها ولا حاجة إليها ولادوام لها،وإنما تولع النفوس بالأدب لأنها متغيرة وليست براكدة، ولانها متطلعة وليست بعمياء، وكيف يتفق التغير والمطابقة؟وكيف يتمشى التطلع والاستقرار؟”.

ومن بعض أشكال الأدب المجاري والمنافق مايكون من خلال بعض الكتاب والفنانين والصحفيين حيث يسمح لهم الحاكم باستعمال بعض الرموز من كتابة أو قصة أو فيلم أو مسرحية أو مسلسل.. ويتخلل بعض ذلك من استعمال النكت والسخرية من أجواء السلطة والمتحكّمين ـ وبدون طبعاً التصريح أو التلميح برأس السلطة ـ ويكون ذلك بقدرٍ معيّن ومساحة محدودة وتعابير مضبوطة.

إنهم يدعون للمستبد القاهر ويثنون عليه، على الرغم من أنه أحمق مأفون بليد الطبع، يستحق الصفع ولكنه لايجد اليد الغليظة التي تصفعه،وهم يعلمون أن هذا المستبد المتسلط لايحب الوعاظ ولا يألف العلماء والحكماء، ولكنه يحب المهرجين والمسخاء ويألف المتزلفين المداهنين ،وقرّب منه الثرثارين الأفاكين.

يقول العقاد في مقال له(الرسالة العدد288):

“إن النكتة تلطف وطأة الظلم وتوهم المظلوم أنه ينتقم لنفسه بعض الانتقام فتهوّن عليه الشدائد وتروضه على الصبروالانتظار،فهي من ثم معين للحكام على المحكومين.

إلا أن النكتة قذ تزري بالمهابة وتعصف بالرهبة وتجعل الحاكم المخيف أضحوكة في الأفواه ومهزلة للسامرين ،فهي من ثم مضعف لسلطانه ومجرئ على مقامه ومحرض على الثورة والانتفاض.

هي بلسم للمظلومين فهي مقبولة.وهي سلاح للمظلومين فهي مرهوبة.

فماذا يحسن بالحاكم المستبد أن يصنع مع هؤلاء المازحين؟

ليس لهذا السؤال جواب فاصل فيما أحسب،ولكني أقرر الحقيقة إذا قلت إن المحكومين لايحاربون الظلم بالفكاهات والنكات إلا إذا كان للصبر بقية،وفي قوس الاحتمال منزع كما يقولون ،وإن الحاكمين لايتسمحون في قبول الفكاهات والنكات إلا إذا كان للقوة بقية وللثقة بدوام السلطان مجال فسيح.

أما إذا ضاقت الصدور ونفذت الحيل فالمحكومون لا يعتصمون بالفكاهة والتنكيت بل يغضبون ويثورون.

وكذلك إذا ضاعت ثقة الحاكم بدوام سلطانه لم يصبر على السخرية والمزاح،وعالج الحجر عليها عسى أن يستعيد شيئاً من المهابة والامتناع”.

وأحد أشكال الأدب في عهود الفاسدين المفسدين،والإباحيين الظلاميين ما يسمىأدب اللذة“، ولنترك الكاتب الكبير أحمد حسن الزيات يحدثنا عنه(الرسالة العدد 882 بتاريخ 29 أيار عام 1950):

“والمراد بأدب اللذة هو الأدب الذي يلذ ولايفيد،ويسوغ ولايغذي، ويشغل ولاينبه،كالذي تقرأه في أغلب الصحف وفي بعض الكتب من غرائب الأخبار، وطرائف النوادر، وتوافه المعارف،مما يجذبك عرضه ويلذك تصويره ويلهيك موضوعه،فإذا فرغت من قراءته وصحوت من خدره، لا تجد له أثراً في نفسك ولا حاصلاً في ذهنك”.

ومن أحد أشكال أدب العبيد مايسمى أيضاً “أدب المجون،يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات(الرسالة العدد 883 بتاريخ الخامس من حزيران عام 1950:”

“أدب المجون يختلف عن أدب اللذة في الدواعي التي تدعو إليه، وفي الدواهي التي تنجم عنه.فمن دواعي أدب اللذة عامية الذهن، أو سطحية الفكر،أو سآمة الجد،وهي أعراض طارئة مصيرها إلى الزوال، وانحراف عن الطبيعة مآله إلى الاعتدال.ومن دواهيه أنه يلفظ أهله على ساحل الحياة فلا يخوضون العباب ولا يغوصون في الجوهر، ويدفعهم إلى هامش الوجود فلا يكون لهم في متنه مكان يرمق ولا شأن يذكر.

ولكن دواعي أدب المجون تنفيس عن رغبة مكظومة، أو التعبير عن عاطفة جائشة،والتحرر من التزامات مقيدة،وهي خواص في طبع الإنسان،تلزم لزوم البكاء والضحك له،وتدوم دوام الجد والهزل فيه.وأقل دواهيه أن تزول الحدود بين المعروف والمنكر،فلا يكون فارق بين حلال وحرام ،ولا بين نظام وفوضى،ولابين إنسان وحيوان.

أدب المجون إذن خاصة تلزم لا عرض ينفك.وذلك أن حياة الإنسان من لوازمها الحياء والوقاحة،والعفة والفجور،والاحتشام والتبسط، والتصون والتبذل، والأدب صورة لهذه المتناقضات جميعاً.فالفنان الشاعر أو الكاتب أو المصور لابد أن يعبر بطريقته الخاصة عن كل مايجول في نفسه أو يقع تحت حسه، وكلما كان هذا التعبير صادقاً كان أدخل في باب الفن،وأوغل في طريق الكمال.من أجل ذلك كان أدب المجون ثابت الوجود في أدب العالم كله.وهو في الأدب العربي عريق الأصل، ظهر منذ قال العرب الشعر ورووا منه لامية امرئ القيس،ودالية النابغة،ورائية بشار،وغزوات ابن أبي ربيعة،وفواحش أبي نواس،ومنتديات ابن الياس،ومخازي ابن سكرة،وأحماض ابن حجاج.وظل الأدباء في كل زمان ومكان ينظمون المجون وينثرونه”.

ويتابع الأستاذ الزيات(الرسالة العدد884):”هتك بشار في بعض شعره ستر الحشمة فنقم الناس منه ذلك وتمنوا موته صوناً للعذارى وغيره من المخدرات.وقال مالك بن دينار:”ماشيء أدعى لأهل هذه المدينة إلى الفسق من أشعار هذا الاعمى الملحد”وانتهى المجون ببشار إلى أن أمر به الخليفة المهدي فضرب بالسوط حتى هلك.واستهتر أبو نواس في الغزل واسترسل في الفجور حتى حبسه الخليفة الأمين، ولم يكاد يخرج من ظلام الحبس، حتى دخل في ظلام الرمس”.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله في مقال بعنون”الأدب الحرام”: نشره في مجلة الرسالة العدد 1111 بتاريخ 29 نيسان عام 1965م:

“الأدب عطر النفس الزكية وشعاع الروح اللطيف،ينفح الحس فيزكيه،ويضىء العقل فيهديه،وهو الجزء الروحي من كل نفس،والقبس الإلهي في كل قلب،والخصيصة الإنسانية التي تميز بها آدم من كل حي.بلغت رسالات الله إلى خلقه بلسانه،وانجلت عمايات النفوس بنوره،وهدهدت آلام الخليقة بأنغامه،ورسمت المثل العليا للناس بوساوس أحلامه:

ولولا خِلال سنّها الشعر ما درى     بناة المعالي كيف تُبنى المكارم

على أن هذه الملكة اللطيفة قد تنحرف باختلال العقل أو انحلال الخلق فتصبح فناً لا أدباً،وهوىً لا عقلاً وغريزةً لا خُلقاً،وصناعةً لا طبيعة.وحينئذ تنزل إلى دنيا الواقع،فتصور المباذل بريشة الفنان،وتصف الرذائل بقلم الأديب.

هذا الانحراف الأدبي قد فشا في أوربا بعد الحربين العالميتين فنشأ عنه نوعان من الأدب أحدهما أدب اللذة وأمره يسير،والآخر أدب المجون وأثره خطير.

فأما أدب اللذة :فهو أدب يلذ ولا يفيد،ويسوغ ولا يغذى،ويشغل ولا ينبه،كالذي تقرأه في أكثر الصحف وبعض القصص مما يجذبك عرضه ويلذك تصويره ويلهيك موضوعه فإذا فرغت من قراءته لا تجد له رجعاً في نفسك ولا حاصلاً في ذهنك…

طغى هذا الأدب على الأقلام في أوربا بعد الحرب فهزم الكتاب النافع،وطرد البحث المفيد،فثارت ثائرة أقطاب الكتابة وأنحو بالنكر على معالجيه ومروجيه،وحاولوا أن يفتحوا أعين الناس على أخطاره بما نشروا وأذاعوا،ولكن العلة كانت أفدح مما ظنوا،فإن الأعصاب التي أوهنتها الحرب بفظائعها وفواجعها وتوابعها لم تعد قادرة على معاناة الجد واحتمال التقصي،فرجعوا يتحاورون ويتشاورون ويطلب بعضهم إلى بعض أن يدسوا الفائدة في اللذة،ويمزجوا المرارة بالحلاوة تهويناً على الأعصاب المنهكة وتسكيناً للنفوس القلقة.

ذلك هناك.أما هنا فالأمر مختلف:لا أعصابنا موهونة من حرب ولا نفوسنا قلقة من ضيق.إنما هي الثقافة الضحلة والأمية الفاشية والتربية المهملة والصبر الفارغ والطبع السئوم والوقت المضيع،والحياة الهازلة.

خير ما في المدرسة الألعاب،وخير ما في المجلس النكت،وخير ما في الكتاب الأفاكيه،وخير ما في الصحيفة الصور،وخير ما في النزهة التهريج!

وأما أدب المجون أو الفحش:فيختلف عن أدب اللذة في الدواعي التي تدعو إليه،وفي الدواهي التي تنجم عنه.

فمن دواعي أدب اللذة عامية الذهن أو سطحية الفكر أو سآمة الجد.وهي أعراض طارئة مصيرها إلى الزوال،وانحراف عن الطبيعة مآله إلى الاعتدال.ومن دواهيه أنه يلفظ أهله على ساحل الحياة فلا يخوضون العباب ولا يغوصون على الجوهر،ويدفعهم إلى هامش الوجود فلا يكون لهم في متنه مكان يرمق ولا شأن يُذكر.

ولكن دواعي أدب المجون التنفيس عن رغبة مكظومة أو التعبير عن عاطفة جائشة والتحرر من التزامات مقيدة.وهي خواص في طبع الإنسان تلزم لزوم البكاء والضحك،وتدوم دوام الهزل والجد،وأقل دواهيه أن تزول الحدود بين المعروف والمنكر،فلا يكون فارق بين حلال وحرام ولا بين نظام وفوضى ولا بين إنسان وحيوان.

أدب المجون اذن خاصة تلزم لا عرض ينفك.ذلك لأن حياة الإنسان من لوازمها الحياء والوقاحة والعفة والفجور والاحتشام والتبسط والتصون والتبذل.والأدب المطلق صورة لهذه المتناقضات جميعاً فالفنان الشاعر أو الكاتب أو المصور لابد أن يعبر بطريقته الخاصة عن كل ما يجول في نفسه أو يقع تحت حسه”.

ومن بعض أشكال عبيد القلم أتباع الطغاة وعبيد الهوى مايسمى “أدب الانحلال” ولنترك الشهيد سيد قطب رحمه الله يحدّثنا عنه في مقالة له تحت عنوان “أدب الانحلال”(الرسالة العدد999 بتاريخ 25 أب عام 1952):

“أدب الانحلال هو في الغالب أدب العبيد،عبيد الطغيان أو عبيد الشهوات حين تستذل النفس البشرية لطاغية من طغاة الارض، أو لشهوة من شهوات الجسد،فإنها تعجز عن التحليق في جو الحرية الطليق، وتلصق بتراب الارض، وترتكس في وحل المستنقع، مستنقع الشهوات أو مستنقع العبودية سواء،فأدب الإنحلال على هذا هو أدب العبودية، وهو لايروج إلا حين تفرغ الشعوب من الرغبة أو من القدرة على الكفاح في سبيل مثلٍ أعلى،مثل أرفع من شهوة الجسد، وأعلى من تملق الطغيان،لتحقيق مطمع صغير أو مطمع حقير،أي عندما تصبح الدنيا سيجارة وكأساً أو تصبح الحظوة عند الطغاة أمنية المتمني في دنيا الناس”.

عندئذ يظهر في الأمة كتاب، ويظهر في الأمة شعراء،ويظهر في الأمة فنانون…يلبون هذا الفراغ من المثل العليا، ويمثلون هذا الرتكاس في حمأة الشهوة أو حمأة العبودية، وعندئذ يستمع إلى هؤلاء الكتاب والشعراء والفنانين، لأنهم يصورون مشاعرهم، ويصورون أحلامهم، ويزينون لهم الراحة من الكفاحن والاطمئنان إلى الدعة،والإخلاد إلى حياة الفراغ والترهل والانحلال.

إن هؤلاء الكتاب والشعراء والفنانين ليقومون حيئذ بمهمة تخدير الشعوب وتنويمها.سواء سبحوا بحمد الطغاة، أو سبحوا بحمد الشهوات. فأما حين يسبحون بحمد الطغاة فهم يزيفون الواقع عن الشعوب، ويخفون عنها شناعة الطغيان وقبحه،ويصدونها عن الثورة عليه أو الوقوف في وجههز وأما حين يسبحون بحمد الشهوات، فهم يخدرون مشاعر الشعوب،ويستنفدون طاقتها في الرجس والدنس،ويدغدغون غرائزها فتظل مشغولة بهذه الدغدغة،لا تفكر في شأن عام،ولاتحس بظلم واقع،ولاتنتفض في وجه طاغية لتناديه:مكانك. فنحن هنا!فالشعب المستغرق في ذلك الخدر اللذيذ ليس هنا،وليس كذلك هناك!

والتاريخ يشهد أن الطغيان يميل دائماً لهذا الصنف من الكتاب والشعراء والفنانين،ويهيء لهم الوسائل،ويخلق لهم الجو الذي يسمح لهم بالعمل. جو الفراغ والترف والانحلال.

عندما أراد الأمويون أن يأمنوا أهل الحجاز، وأن يستبدوا دونهم بالملك،وأن ينحوهم عن الحياة العامة،غمروا سادتهم وأشرافهم بالمال والإقطاعيات والهبات،وجلبوا إليهم المغنين،والملهين والجواري وزينوالهم  حياة الدعة والترف. وأطلقوا عليهم الشعراء يمدحون الملوك الطغاة ويسبحون بحمدهم،ويصوغون حولهم الهالات.

والتاريخ يعيد نفسه.وهكذا كان في حاضر الأوان.كان في مصر طاغية صغير، كان يعبد ذاته،ويقدس شهواته.وكان يريد أن يحول هذا الشعب إلى عشرين مليوناً من العبيد.

عندئذ انطلق كتاب وشعراء وفنانون يسبحون بحمد الطاغية الصغير، ويسجدون له من دون الله. ويخلعون عليه من صفات الله. سبحانه! مالا يجرؤ مسلم أو مسيحي على النطق به. حياء من الله.

وحينئذ انطلق كذلك كتاب وشعراء وفنانون يسبحون بحمد الشهوة، ويعبدون اللذة. وعندئذ استمع الناس إلى أغنيات تقول:”الدنيا سيجارة وكأس”، و”انسى الدنيا” وما إلى ذلك من أدناس وأرجاس.

إن التسبيح بحمد الطاغية، والتسبيح بحمد الشهوة، لم يكونا منفصلين، ولا غريباً أحدهما عن الآخر..لقد كانت فترة انحلال. وأدب انحلال. إنها العبودية ذات طبيعة واحدة. عبودية الشهوة أو عبودية الطغيان.

فإذا نحن أردنا أن نكافح أدب الانحلال فيجب أن نكافح أولاً أسبابه في حياة الأفراد أو حياة الشعوب.يجب أن نكافح روح العبودية في الضمير الإنساني. نكافح عبودية الشهوة فنحرر الضمير البشري من الخضوع لها. فالإنسان إنما صارإنساناً بتعاليه على ضرورات الحيوان.والتربية الدينية هي الطريق الأنجع والأقرب إلى تقوية روح الإنسان،وتساميه على ضرورات الحيوان.ونكافح عبودية الطغيان. فالطغيان يحمل معه دائماً تشجيع الانحلال والدعة والترهل.كي يبقى هو في أمان من انتفاض الكرامة وانبثاق الحرية، والانتقاض على العسف والطغيان.

لقد عاد الذين كانوا يسبحون بحمد الطاغية الصغير،ويملون له في البغي والعدوان،ويمجدون اسمه ويخلعون عليه من صفات الله الواحد القهار…عاد هؤلاء هم بأنفسهم يلعنون الطاغية ويطلقون ألسنتهم فيه، ويمزقون عنه أردية المجد الزائفة التي ألبسوها إياه.

هذا نفسه لون من ألوان الانحلال.وصورة أخرى لأدب الانحلال.هؤلاء لم يخرجوا في الأولى أو الثانية عن أن يكونوا عبيداً منحلين. عبيداً يحنون ظهورهم لسوط السيد يلهب به جلودهم. فلما أن سقط السوط من يده ـ رغم أنفه ـ التقطه العبيد وادروا به يبحثون لهم عن سيد جديد! سيد يلهب جلودهم بالسوط، ليحرقوا له البخور، وينثروا من حوله الزهور”.

ومن وسائل النظم الاستبدادية والطاغية أنها تدفع بعض المنتفعين ممن يسمون حملة “الأقلام الحرة”وما هم بأحرار وماهم بكتاب،وإنما يتصدون لبعض المواضيع الدينية والخلقية والتي تعتبر من الأصول المتعارف عليها ولا ينتطح فيها عنزان،ويأتي هؤلاء مدفوعون بالشهرة وكسب المنصب واسترضاء الحاكم ليدلوا بدلائهم ويشهروا اقلامهم ويثيروا المجتمع عليهم من أجل الربح السفيه والمنصب السخيف،عرفنا هذا يوم كتب طه حسين كتابه “في الشعر الجاهلي” والذي أقام عليه الأدب والدين في مصر حتى أن علماء الأزهر كفروه إن لم يتراجع عن أرائه،والتي أخذها واستقاها من المستشرقين الحاقدين على الإسلام والدين،وهناك في عصرنا الحاضر وفي كل العصور الكثيثر من أمثال هؤلاء الذين يبيعون ضميرهم وقلمهم من أجل حفنة من الدولارات!وهؤلاء لايلقون الدعم المادي والمعنوي من هؤلاء الحكام الطغاة بل قد يلقونه أيضاً من بعض المؤسسات الدولية والعالمية والتي لاتريد للإسلام الخير.

يقول الأستاذ الشهيد سيد قطب في أمثال هؤلاء المندسين من الكتاب بمناسبة أحد الكتاب في ذلك الوقت:(الرسالة العدد702)

“وجدت أنه من المهانة للفكر أن أنزلق فأكتب عن كتاب تافه مريب مسروق ،يسلك صاحبه هذا الاسلوب في الاحتيال لبعث الاهتمام به،وإثارة الضجة حوله،كما أنه يثبت على غلافه شهادة من نفسه لنفسه،هذه الجملة المتبجحة:(سيقول مؤرخو الفكر:إنهبهذا الكتاب بدأت الأمم العربية تبصر طريق العقل)!

إن هذا الكاتب(المندس) يتهم العقلية الإسلامية بأن هذه هي أهم مشكلاتها وعقائدها دائماً أبداً ليصل من هذا الطريق الملتوي إلى تحقير هذه العقلية في جميع الأزمان،وإلى إيثار العقلية الأوربية لأنها خلعت ربقة الدين،وربقة الخلق،وربقة التطلع غلى الله،وانطلقت تهدف إلى الارض وحدها،ولا تعلق نظرها مرة واحدة بالسماء،لأن التطلع إلى الله كفيل بإفساد الحياة.

ويتابع رحمه الله:”وفي ثنايا هذا الذي يبدو تحرراً فكرياً في ظاهره،يخدع المخدوعين ممن يحسون التحرر الفكري مجرد التحلل من الأديان والأخلاق على أي وضع من الاوضاع،في ثنايا هذا يدس ما لعل الكتاب كله الف لأجله:يدس الإيحاء للشرق العربي المسلم بأن لا حق له في كراهية الاستعمار والمستعمرين،لأنهم ورثة الأرض الذين يستحقون كنوزها وخيراتها،لأنهم يتطلعون إلى الأرض وأسبابها، ولا يعلقون أنظارهم بالله ولا بالسماء”.

يقول الكاتب العظيم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(الرسالة العدد 193):

“قد انتهينا في الأدب إلى نهاية صحافية عجيبة،فأصبح كل من يكتب ينشر له،وكل من ينشر له يعد نفسه أديبا،وكل من عدّ نفسه أديباً جاز له أن يكون صاحب مذهب وأن يقول في مذهبه ويرد على مذهب غيره.

فعندنا اليوم كلمات ضخمة تدور في الصحف بين الأدباء كما تدور أسماء المستعمرات بين السياسيين المتنازعين عليها،يتعلق بها الطمع وتنبعث لها الفتنة وتكون فيها الخصومة والعداوةنمنها قولهم:أدب الشيوخ وأدب الشباب،ودكتاتورية الأدب وديمقراطية الأدب،وادب الألفاظ وأدب الحياة،والجمود والتحول،والقديم والجديد.ثم ماذا وراء ذلك من أصحاب هذه المذاهب؟

وراء ذلك أن منهم أبا حنيفة ولكن بغير فقه،والشافعي ولكن بغير اجتهاد،ومالك ولكن بغير رواية،وابن حنبل ولكن بغير حديث.أسماء بينها وبين العمل أنها كذب عليه وأنه رد عليها.

ويتابع رحمه الله:”هذا فلان شاعر قد أحاط بالشعر عربيه وغربيه وهو ينظمه ويفتن في أغراضه ويولد ويسرق وينسخ ويمسخ،وهو عند نفسه الشاعر الذي فقدته كل أمة من تاريخها،ووقع في تاريخ العربية وحدها ابتلاء ومحنة،وهو ككل هؤلاء،المغرورين يحسبون أنهم لو كانوا في لغات غير العربية لظهروا نجوما،ولكن العربية جعلت كلا منهم حصاة بين الحصى.فإذا هو شعر تتوهم من قراءته تقطيع ثيابك،إذ تجاذب نفسك لتفر منه فراراً.

وهذا فلان الكاتب الذي والذي…والذي يرتفع إلى اقصى السموات على جناحي ذبابة.

وهذا فرعون الأدب الذي يقول:أنا ربكم الأعلى.وهذا فلان وهذا فلان”.

ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(مجلة المنار العدد449):

“لسنا نتحرج أن ننبه هنا إلى أصل هذا الجديد الذي يزعمونه ويتشدقون به.فكل فاسق وكل ملحد وكل مقلد أحد هذين وكل متهوس بإحدى هذه العلل الثلاث هو مجدد إذا جرى في انتحال الأدب العربي وتعاطيه مجرى التكذيب والرد والنقيصة والزراية عليه وعلى أهله والخبط بين أصوله وفروعه على أن لايستخرج من بحثه إلا ما يخالف إجماعاً،أو يعيب فضيلة،أو يغض من دين،أو ينقض أصلاً عربياً جزلاً بسخافة إفرنجية ركيكة،أو يحقر معنى من هذه المعاني التي ينظمها الجامدون أنصار القديم من القرآن فنازلا.وبالجملة فالتجديد أن تكون لصاً من لصوص الكتب الأوربية ثم لا تكون ذا دين أو لايكون فيك من الدين إلا اسمك الذي ضرب عليك فلا حيلة لك فيه ولا تستطيع أن تستدرك منه إلا في أولادك المساكين،ثم لا حاجة للجديد بإلحادك أو زيغك إلا إذا طبعت بأحدهما أو كليهما مسائل التاريخ الإسلامي والأدب العربي،وأفسدت الخالص بالممزوج،وحقرت الناس والمعاني وكنت حراً طليقاً من قيود السماء والأرض إذا صدرت أو وردت فتقول على قدر عقلك ثم تفعل على قدر زيغك.ثم تزيغ على قدر ما أنت قادر.

أما إن بحثت وقايست وتعقلت وكنت أذكى الناس وأبلغ الناس ثم كنت لاتستخرج من التاريخ والأدب إلا مايزينهما ويزيدهما ويكشف عن أسرارهما وحقائهما الصحيحة ولم تكن لص كتب أوروبية ومذاهب أوربية فالويل لك.فما أنت إلا قديم وما أنت إلا نفس حجرية ولو قدسك المسلمون تقديس الكعبة وحجرها،وإن العصر لفي غنى عنك وعن كتبك وآرائك لأن خمسة أو ستة أو خمسين أو ستين هم العصر وهم الامة وهم من التاريخ المترامي إلى المستقبل كالقطار فيه ما فيه من عربات تحمل من العروض على أجناسها  وأنواعها،ومن الناس على درجاتهم وطبقاتهم.ولكن الخمسة أو الستة وحدهم عربة الىلات والبخار وفحم نيو كاستل”.

وكما ذكرنا فإن وسائل الإعلام المُضلّلة تقف وراء هؤلاء الكتاب وتساعدهم في نشر أفكارهم المُخربة،وآرائهم المُدمرة،وتمنع الأقلام الحرّة الأبيّة من الرد عليها والنيل منها،وعلتهم في ذلك “حرية الفكر” كما يقولون،وهي في قاموسهم أن تشتم الأعراض والدين والأخلاق وكل ما تعارف عليه البشر من خير ومعروف،ولكن الحذار الحذار أن تتعرض للطاغوت وأعوانه،لإانت عندها قد لمست”الجاه”المبرئة من كل عيب!!

يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد 661):

“لست أدعو في هذه الكلمة إلى سلب الكتّاب حرية الكتابة،ولكني أدعو إلى الإبقاء على حرية الناس في التدوين والتخلق بكريم الأخلاق.وإن لكل حرية حدوداً،لا ينبغي لها أن تعدوها وإلا كانت حرية المجنون الذي يفعل ما شاء وشاء له الجنون.أنت حر في دارك ولكنك لا تستطيع أن تتخذ منها أتوناً للفحم ولا ماخوراً للفجور،ولا تستطيع أن تحرقها أو تنسفها بالبارود.وأنت حر في نفسك ولكنك لا تقدر أن تبسط سفرتك فتأكل في المحراب يوم الجمعة والناس في الصلاة،ولا تقد أن تلقي الصحون  وتصلي على المائدة ساعة الوليمة في الحفل الحاشد،أو أن تحضر المحاضرة بلباس الحمام،أو أن تصرخ في المستشفى أو تغني في المأتم.وأنت حر في قلمك،ولكنك لا تملك أن تدعو إلى هدم استقلال وطنك،والخروج على قوانين بلادك.إنهم يمنعونك ويسكتونك ويضربون إن فعلت على يدك.

فلماذا لا يمنعونك أن تكفر بالله،وتهدم الأخلاق،وتخرج الناس على الدين،والأخلاق اساس الاستقلال والدين أولى من القانون؟وكيف صح ذلك المنع،وساغ،ولم يمس حرمة هذه الحرية،ولم ينل من قدسيتها،ولا يصح هذا ولا يسوغ ولا يكون إلا عدواناً على حرية الكتابة،وإلحاداً فيها.

أو ليس من عمل الحكومة الذي كانت من أجله الحكومات أن تقرّ الأمن والسلام في الأمة،وتضمن لها العزّة والسيادة بين الأمم؟إنه لا يكون أمن أو تكون عزّة إلا بالخلق المتين وبالدين،فإن ذهبا لم يخلفهما شيء..وما القانون؟هو الشرطي..زفإن أمن العاصي أن يراه الشرطي أو يدري به القاضي،أو يناله العقاب،ركب في طريق الغواية رأسه فلم يردّه شيء،أما المؤمن فيردعه عن المعصية علمه أن الله مطّلع عليه في سره وعلنه،وأما صاحب الخلق فربما رده خلقهنوعصمه الله به،فلماذا نهدم بايدينا هذين الحصنين،وندع الضعف والهوان يدخلان علينا بدخول الإلحاد والفجور.

أو من العدل أن تحفظ الحكومة أموال الناس من اللصوص وتضيّع عقائدهم؟وتحمي جسمهم من القتلة وتبيح قلوبهم؟وتقيم الحراس يحرسون البيوت والأثاث وتدع أعراض البنات وأخلاق الصبيان هملاً يسرقها ويعبث بها،كل صحفي مفسد،وشاعر ماجن،وكاتب خبيث؟

سيقولون:حرية الكتابة…

نعم إنها حرية ينبغي أن تصان وتضمن،ولا يعتدى عليها،ولا ينال منها،ولكن الدين والأخلاقنينبغي كذلك أن يصانا وأن يضمنا،وألا يعتدى عليهما ولا ينال منهما،فإن تعارض الأمران،فلنحمل أخف الضررين،ولنقبل بأهون الشرين،وأهونهما أن نخسر حرية الكتابة(أحيانا) لنحفظ الدين والشرف،لا أن نخسر الدين والشرف لنحفظ(حرية الكتابة)ونقول لكل صاحب نِحلة ضالة،أو هوى خبيث،أو رأي هدّام:اكتب ما تريد واطبعه،وهاته نقرأه على أبنائنا وبناتنا،ونصبه في عقولهم وننشئهم عليه!

ويتابع رحمه الله:”فإذا تركت الحكومات الصحفيين والكتاب(أعني بعضهم) ينقض كل يوم حجراً من صرح الأخلاق،ويوهي جانباً وينشر في الناس حديث الشهوة،ويستكثر من القراء بإثارة أحطّ الغرائز البشرية،لم ننشيء والله إلا جيلاً رخواً ضعيفاً همّه شهوته،ومطلبه لذّته،قد ضاعت رجولته وذهبت قوته ثم نبني بهذا الجيل مجدنا ونقيم عزنا ونأخذ بين الأمم مكاننا!

إن المسألة أكبر من أن نلوك فيها هذه الألفاظ(حرية الكتابة)و(حرية الفكر)…إنها مسألة حياة أو موت!”.

وكثير من وسائل الإعلام الضالة المُضلة تعيش\من وراء التبرعات السخية لمؤسسات وجهات معادية للحق والإسلام،تصرف عليها وعلى هذه الاقلام الزانية بحق الدين والأخلاق وإن زنا القلم لأشدّ من زنا الجنس لأن خطره يتعدى ويصيب المئات وربما الملايين من البشر.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(كتاب البواكير):

“ورُبّ مقالة تنطق ـ لو نطقت ـ بخزي صاحبها ولعنه،ورُبّ كاتب ماخلقه الله في غيّه وضعفهِ إلا لتظهر منزلة البليغ في قوته واقتداره!وقلّ فيهم من يبصر مداخل الكلام ومخارجه ويميّز شريفه من مرذوله وبليغه من ساقطه.وما كلُّ من خطَّ بالقلم كاتباً،ولا كلُّ من لوّح بالسيف بطلاً”.

يقول الأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله(الرسالة العدد943 بتاريخ 30 تموز عام 1951):

“إن الصحف المصرية ـ إلا النادر القليل ـ مؤسسات دولية لا مصرية ولا عربية!مؤسسات تساهم فيها أقلام المخابرات البريطانية والأمريكية والفرنسية،والمصرية والعربية أخيراً!

مؤسسات تحرر صفحات كاملة منها بمعرفة أقلام المخابرات هذه لتروج في أوساط الجماهير.مؤسسات تخدم الراسمالية العالمية أكثر مما تخدم قضايا الشعوب العربية.وتخدم الاستعمار الخارجي والجهات الحاكمة قبل أن تخدم أوطانها وشعوبها الفقيرة.

وهذا هو السر في أن الدولة لا تفرض عليها القيود التي تفرضها على الكتب.لأن وراءها أقلام المخابرات ومصالح الرأسمالية العالمية،وهي كفيلة بأن تسندها،وتذلل لها العقبات وتفسح لها الطريق لنشر دعايتها المستورة في أطراف البلاد ىالعربية جميعاً.”.

يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

“إن قيلت كلمة الحق بفم واحد أو قلم واحد، قيلت كلمة الباطل بألف فم والف قلم ،واتصلت بالعيون والأسماع بمختلف وسائل الإعلام”.

ويقول شاعر النيل حافظ إبراهيم في هذه الصحافة المضللة الكاذبة:

جرائدُ ما خُطّ حرف بها                      لغير تفريق وتضليل

يحلو بها الكذب لأربابها                      كأنها أول إبريـــــــل

ويقول أيضاً:

وصحف تطن طنين الذباب                  وأخرى تشن على الأقرب

وماذا في صحائفكم                           سوى التمويه والكذب

ويقول أيضاً رحمه الله:

حطمت اليراع فلا تعجبي                   وعفت البيان فلا تعتبي

فما أنت يامصر دار الأديب                 وما أنت بالبلد الطيب

وكم فيك يا مصر من كاتب                 أقال اليراع ولم يكتب

فلا تعذليني لهذا السكوت                   فقد ضاق منك ما ضاق بي

أيعجبني منك يوم الوفاق                   سكوت الجماد، ولعب الصبي

وكم غضب الناس من قبلنا                لسلب الحقوق ولم نغضب

ويقول احد الشعراء في الأقلام المأجورة التي تجعل الحق باطلاً والباطل حقاً:

في زُخرف القول تزيين لباطله             والحقُّ قد يعتريه سُوءُ تعبيـر

تقولُ:هذا مجاجُ النحــل تمدحهُ             وإن ذممته فقل: قئ الزنابير

مدحاً وذماً، وما جاوزتَ وصفهما       حُسن البيان يُري الظلماء كالنور

ويقول الشاعر محمد مصطفى حمام في وصف وسائل الإعلام المزيفة هذه:

ويح الشباب إذا الشيطان نازعهم          على العقول فأوهاها وألغاها

قـــد علمتـــهم أفانين الخنـــــــــا           غش بصائرها زيغ وأعماها

وشاشةٌ ضل راويها وعارضها         ومن يرسم الخنا والرجس جلاها

ومجـــرم في المذيـــاع لقنهم              ألحــان فحش وزكاها وغنـــاها

ووالـــد غافل لاه ومدرسة                 نظامها عن نظام الدين أقصاها

وثالثة الأثافي والطامة الكبرى عندما يوجه الطغيان بعضاً من حملة الأقلام المأجورة،والألسنة الكاذبة ويعهد إليهم بتأليف الكتب المدرسية والجامعية وخاصة في مجال الدين والثقافة والتاريخ فيتم تحريفها ،ويصبح الحق باطلاً والباطل حقاً،والمعروف منكراً والمنكر معروفاً،ويصبح الطاغية منافساً لعمر بن الخطاب في عدله،ولصلاح الدين في شجاعته،ويصبح الحزب الوهمي الساقط الخالي من المعاني والمبادىء هو حزب الأمة ونصير الشعوب والباعث على الحرية والتقدمية والوحدة!!!وكل ذلك من أجل أن تنشأ أجيال وطلائع لا تعرف تاريخها الحقيقي ولا تعرف الماضي المجيد،ويتم سلخها عن امتها وعروبتها ودينها..

يقول الأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله(الرسالة العدد 1001 بتاريخ الثامن من ايلول عام 1952):

“لقد تآمر جماعة من المرتزقة ـ من مؤلفي كتب التاريخ المدرسية،مع العهود الظالمة الباغية،على كتابة تاريخ مزور،يطمس الحقائق ويشوها”

ويتابع:”لقد آن أن نصحح التاريخ الذي زوره المزورون على هذه الأجيال الكثيرة.آن أن نصحح كتابة التاريخ الذي تدرسه الأجيال المقبلة،وكفانا تزويراً وتضليلا”.

إنها معركة لاتوازن فيها ولاهوادة، بين أقلام قليلة تنشد الحق وتطلبه،وبين أقلام كثيرة تنشد الباطل وتطالب به،ومع ذلك فإن مصير هذه المعركة وإن طال، مع الحقّ وإن قلّ أتباعه،وضد الباطل وإن كَثُر أعوانه.

يقول الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله(الرسالة العدد 303):

“وإنما يترعرع الادب في ظلال الحرية،فإذا منع البغيُ أمة أو طائفة أن تبين عن آرائها وعواطفها وتعرب عن آلامها وأمالها،لا يزدهر فيها الأدب.وإذا اشتد الحجر على أمة فانبرى جماعة من أباتها يجاهدون في حريتها ويجالدون جبابرتها لم يكن لهم بدّ أن يتخذوا الأدب القوي لبث الدعوة وإيقاظ النفوس وتنفيرها من المذلة وحفزها إلى الإقدام ومجادلة الخصم بالحجة البالغة والبرهان الدامغ،فينشأ لهم أدب حيّ قويّ.ولا يزالون في جهادهم حتى يدال لهم فتسع الحرية الأمة كلها،وتنشط النفوس للإبانة عن سرائرها والإعراب عن ضمائرها.وأدب المجاهدين في كل عصر من أروع أنواع الأدب لأنه أدب النفس الإنسانية وهي تدافع عن كيانها وتجادل عن حياتها”.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(الرسالة العدد 939 بتاريخ 2 تموز عام 1951):

“وأخيراً فقد تخلى معظم الأدباء عن هذه الأمة في كفاحها للحياة والبقاء.بل خانوها خيانة علنية واضحة.إنني لا أؤمن بتجنيد الأدب والأدباء لخدمة الأغراض القريبة،والصراع الاجتماعي،في فترة محدودة،ولكني أؤمن بأن الأديب الذي لا يحسّ آلام أمته القريبة أو البعيدة هو أديب ميت لا يتجاوب معه الأحياء.

وأعتقد ـ من تجاربي الخاصة ـ أن الجماهير قد أقبلت وما تزال تقبل على نوعين من الانتاج:نوع يشاركها،في كفاحها الحاضر،ويستمد منها ويمدها،ويتجاوب مع حاجاتها الموقوتة بهذا الصراع.

ونوع يحدو لها بآمال المستقبل،ويهتف بها إلى مدارج البشرية العليا،ويفتح لها كوى من النور في الظلام.

ويتابع رحمه الله :”وإني لأعتقد أن هذا الإقبال دلالة على سلامة وعي هذه الأمة وفطرتها ـ على قلة القراء فيها وندرتهم ـ وأنها محقة في إهمال ذلك الركام المكرور التافه الذي تخرجه لها كثرة الكتاب والمؤلفين.وبخاصة أؤلئك الذين كانوا يوماً يلقبون بكبار الأدباء!

ولست غافلاً عن إقبال الجماهير في جانب الآخر على غثاء القصص والروايات والأفلام والصحافة،فذلك اللون يغذي الجانب الهابط في نفس البشرية.وللإنسانية جانبها،وجذبها بخيط الصعود ممكن كجذبها بخيط الهبوط.

يقول الأستاذ عصام العطار:

“ماذا تفعل أقلام قليلة في مواجهة الأقلام الخادعة،وألسنة قليلة في مواجهة ألوف الألسنة الكاذبة، ومجلات صغيرة محدودة في مواجهة ما لايحصى من الصحف والمجلات الكبيرة المنوّعة المنتشرة التي تتخطى كل حدود الأرض،ولكن الحق مع ذلك كله له نوره الذي يهدي إليه، والله من وراء ذلك كله بالمرصاد، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”.

وهذه الأقلام المأجورة، وبعون ودعم من الداخل والخارج،بذرت في أرضنا الطاهرة الكريمة بذوراً خسيسة،أزهرت وأورقت نفوساً خبيثة،رجالاً يحملون وجوه المسلمين، ويتسّمون باسمائهم ويتزيّون بازيائهم،ولكن قلوبهم وعواطفهم وأفكارهم ومعتقداتهم مخالفة تماماً لطبيعة المجتمعات المسلمة التي يعيشون فيها،وقد نشر هؤلاء أفكارهم السوداء وزرعوها في عقول الناس،فتراهم يُسمون الأشياء بغير مسمياتها الحقيقية،فأصبح الربا”فائدة”والخمر”مشروباً روحياً”والرقص”فناً راقياً”والمجاهرة بالرذيلة”حرية”والعودة إلى الدين”تخلفاً ورجعية”والمطالبة بالحقوق”تعصباً وتطرفاً”والمطالبة بتطبيق حدود الله”وحشية وهمجية”وأصبح لديهم الاحتيال”ذكاء”والرذيلة”فناً” والتبعية”انفتاحاً…..

ولا يقتصر الأمر على ذلك بل إنهم يهاجمون الدين سراً وعلانية،جهراً وتورية،وقد يلبسون دعواتهم الباطلة في محاربة الدين لبوس العلم،ويظهرونها بمظهر الصلاح والخوف على مستقبل الدين،فيعمدون إلى تحريف الكلم عن مواضعه ويُلبسون على الناس دينهم عن طريق تأويل النصوص وتشويه التفاسير على نحو يسلب الدين مضمونه،وينظرون إليه باعتباره مجرد”تراث قومي” أو “حضاري إنساني”، فالإسلام عند هؤلاء المبطلين تراث،كما أن الشعر الجاهلي تراث، وألف ليلة وليلة تراث،والفلسفة اليونانية تراث،والتشريع الروماني تراث،والتراث كما نعلم يكون فيه الحق والباطل، والخير والشر،والصواب والخطأ،والقبيح والجميل،والفضيلة والفجور،وما يؤخذ منه ويُعرض عنه…

فإذا ما اشتكى شاك أو عارض معارض، فإنهم يُسكتون الأصوات، ويكممون الأفواه بحجة”حرية الرأي والتعبير”!!وكأن هذه الحرية المزيفة الشوهاء المسخ مسموح لها أن تتدخل في ثوابت الدين وأصول الشرع ،ولكنه لايسمح لها أن تعارض متغيرات السياسة وتقلبات الحكم وخاصة إذا وصل الامر إلى سلطة معينة أو زعيم ما أو حزب حاكم!!

يقول الأستاذ الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:

“إن الذين يزعمون أن من حقهم أن يقولوا ما يشاؤون بإسم حرية الكلمة،ينسون أن شرف الكلمة قبل حريتها،ولم أجد أمة تسمح بالخيانة الوطنية بإسم الحرية،ولكن نفراً عندنا لايريدون خيانة الشرف الأجتماعي باسم الحرية،ولو كان عندنا رأي عام واع لحاكمهم كما يحاكم خونة الوطن في قضاياه الوطنية”.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(من وحي الرسالة ج1 ص197):

“إن الاستعباد المادي دهمنا أمس على يد الأباء، وإن الاستعباد الأدبي يدهمنا اليوم على يد الأبناء،وشتان بين استعباد كان عن اضطرار وجهل، واستعباد يكون عن اختيار وعلم. والعبودية العقلية أشد خطراً واسوأ أثراً من العبودية الجسمية، لأن هذه لاتتعدى الأجسام والحطام والعرض، ومثلها مثل الجسم يرجى شفاؤه متى عرف داؤه، أما تلك فحكمها حكم العقل إذا أصيب ذهب، والروح إذا زهق،هيهات أن يرجى لمخبول شفاء،أو ينتظر لمقتول رجعة”.

والمصيبة الاعظم ،والخطر الأشد، أن هؤلاء الكتاب المتملقين المأجورين، قد يسيرون بالأمة حاضراً ومستقبلاً في طريق الكارثة، وينحدرون بها إلى الدرك الأسفل من الهاوية، وذلك من خلال فلسفة الواقع، وبحيث يزرعون الهزيمة النفسية في قلوب الأمة ورجالها تجاه أعدائها،وهذا ما نشاهده اليوم، حيث أفرغت معظم المصطلحات من محتواها وبُدّلت معانيها، وتغيّرت المعايير،وأنزلت الثوابت منزل المتبدلات والمتغيرات…فأصبح الاستسلام سلاماً!واصبح الأعداء أصدقاء!وأصبح الدين في السياسة حراما!وأصبحت كتابات هؤلاء المفكرين”الواقعيين” وتحليلاتهم للمستقبل أدّق وأوضح من حقائق القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ـ والعياذ بالله ـ وأصبح”عدو الأمس صديق اليوم” راعي السلام والأمن وعنوان الحضارة والازدهار، وأصبح المتمسك بدينه عنوان الإرهاب والانتقام،وأصبح الجسم الغريب الذي ينشر سمومه وينفث حممه في جسم الأمة بمثابة”ناظم الخطى” الذي ينظم دقات القلب ويوفر للجسم الصحة والسلامة،وأصبح الجهاد ضد العدو”إرهاباً”والذل”حلماً”والركوع” تواضعاً”والخنوع”سياسة”…

ويقول الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله(الرسالة العدد305):

أللأديب رسالة؟

نعم،ليس بالأديب من ليست له في عالم الفكر رسالة،ومن ليس له وحي وهداية.

ولكن هل للأدب كله رسالة تتفق في غايتها مع اختلاف رسائل الأدباء وتعدد القرائح والآراء؟

نعم. لهم جميعاً رسالة واحدة هي رسالة الحرية والجمال.

عدو الأدب منهم من يخدم الاستبداد،ومن يقيد طلاقة الفكر،ومن يشوه محاسن الأشياء.

وخائن للأمانة الأدبية من يدعو إلى عقيدة غير عقيدة الحرية ،وإن سر الفتنة الحسية ـ في رأي ـ  التي غلبت على الطبائع والأذواق وتمثلت في ملاهي المجون أو ملاهي الأدب الرخيص،سرها الأكبر هو وباء(الدكتاتورية)الذي فشا بين كثير من الأمم في العصر الأخير.

لأن الدكتاتورية كائنة ما كانت ترجع إلى تغلب القوة العضلية على القوة الذهنية والقوة النفسية.ولأنها ترجع بالإنسان إلى حالة الآلة التي تطيع وتعمل بغير مشيئة وبغير تفكير.وأين تذهب المعاني والثقافات،بين القوى العضلية والآلات؟وأين الأديب الذي يستحق أمانة الأدب وهو يبشر بدين الاستبداد؟

لكل أديب رسالة.

ورسالة الأدباء كافة هي التبشير بدين الحرية والانحناء على صولة المستبدين،فما من عداوة للأدب ولا من خيانة لأمانة الأديب أشد من عداوة(القوة العضلية)وأخون من خيانة الاستبداد”.

ويقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله(كلمة ألقاها في مجمع اللغة العربية بدمشق في حزيران عام 1953):

“وأنا ـ بعد ذلك كله ـ واحد من هذه العصبة التي تتخذ من القلم أداة جهاد،حين فاتها أن تتخذ السيف من أدوات الجهاد،وفاتها أن تصطنع الحديد ذا البأس الشديد،فاصطنعت اليراع للقراع،واكتفت من أعمال الإيمان بأضعف الإيمان،عقوقاً لسيدنا إبراهيم الذي راغ على أصنام الكلدانيين ضرباً باليمين،في هذا الزمن الذي أصبحت لغة بنيه مشتقةً من قعقعة الكتائب لا من جعجعة الكتب ولا من عجعجة الألسنة”.

يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم رحمه الله:

فهذا يلوذ بقصر الأمير                 ويدعو إلى ظله الأرحب

وهذا يلوذ بقصر السفير                ويطنب في ورده الأعذب

وهذا يصيح مع الصائحين             على غير قصد ولا مأرب

إن أمثال هؤلاء من الأدعياء ومنافقي الكلمة، الذين يمارسون “زناالأقلام”، والذي هو أحياناً أشدّ وابشع وأفظع نتائجاً من” زنا الحرام”، إنهم لايحبون أن يتعظوا بغابر ولا بحاضر،وضعوا عقولهم في أقدامهم، وضمائرهم في جيوبهم،أناس أنانيون غير مبالين،والأنانية لا تبالي بغير ساعتها ولا تنظر إلى ما وراء لذتها.

ويقول الأستاذ الشيخ العلاّمة علي الطنطاوي رحمه الله(كتاب كلمات صغيرة ـ مقال بعنوان أعود):

“أعود إلى هذا الركن من “الأيام”(جريدة دمشقية) كما يعود المرابط إلى الثغر وهو أقوى نَفْساً وأكثر حماسة وأصلب عوداً وأصعب مكسراً،ليستأنف الجهاد في سبيل الله وفي سبيل الحقّ والخلق والفضيلة.

أعود لأودّي الأمانة التي وضعها الله في عنقي حين وضع هذا القلم في يدي،فلا أسخّره لجرِّ منفعة لنفسي ولا لدرء المضرّة عنها،ولا أمدح رغبةً ولا أنقد كرهاً،ولكن لنصرة الحق وحرب الباطل،والدلالة على الخير والتحذير من الشر.

أعود لأدافع عن أخلاق هذه الأمة وعن أعراضها،وعن ثروتها وعن أموالها،وأدعوها إلى العودة إلى دينها وفضائلها،وأذكّرها بجلال ماضيها،وأنفخ فيها روح العزم،وأُذكي في نفوسها ضَرَم الحماسة والعزة والقوة والنبل والكرامة،وأرغّبها في كل خير شرقياً كان أم غربياًنوأحذّرها من كل شر غربياً كان أم شرقياً.فلا تكون جامدة على عاداتها وأوضاعها،مُتمسّكة بكل ما ألِفت عليه آباءها،ولا تكون إمّعة في الأمم،تقلد كما تقلد القردةُ وتأخذ كل ما يأتيها من الغرب،ولو كان يشكو منه الغرب،ولو كان الكفر والفسوق والانحلال الخلقي،ولو كان الخمرَ والدعارة والسم الناقع والبلاء الأزرق.

ومن سبّني فإني لا أسبه،ومن عابني فإني لا أعيبه،إلا أن تكون كلمة حق آخذ بها،أو أن يكون نقداً من رجل له قيمة أردّ عليه،وما سوى ذلك أجوزُ به،أقول: لا يعنيني.وما عن عجز ذاك ولا عن قلّة،فإن لي قلماً لو وضعته ـ بحمد الله ـ على حديد لفَريته،ولكن لأن لي غاية أمشي إليها،فلا أحبّ أن أشتغل عنها بالتُّرهات، فاحفظوا هذا عني”.

وقال في نفس المرجع السابق بمقال آخر بعنوان”إنذار”:

“قال لي عضو محترم من أعضاء المجلس البلدي متهكماً ساخراً:اكتب كما تريد،وخذ”جناب مثل الطناب”.ما أرخص من الحبر إلا الورق!

هكذا والله يسخر من هذه الأمة ويضحك لبكائها ويتسلى برؤية آلامها.ولمن يقول هذا؟لي أنا؟

كلا يا صاحبي،لا تقتحم بوجهك نار الجحيم.كلا،إنه قلم الحق،ولو أن للمحافظة جلود التماسيح لكويتها بهذا القلم مثل كَيِّ النار حتى أجعلها تَثِب وثبَ الأرانب.وإن من الورق ـ يا صاحبي ـ ما يصلح أن يكون كفناً لميت،وإن من الحبر ما يسوّد الوجه ويُعمي البصر،ويومئذ تقول(إن استطعت المقال):ما أشد من الحبر إلا الورق!

وهذا إنذار من قلم لو وضعته على حديد لبراه ،ولو سُطتُ به ظهور المَردة لتلوّث من تحته المردة،فكيف إن كانت تَمدّه حقائق تَشين إبليس إن نُسبت إلى إبليس؟وكيف إن كان يحميه هذا الشعب الذي ينطق باسمه ويدافع عنه،ويكرمه أن يهزأ به ويُسخر من آلامه.

إنذار لمن يظن جهلاً أن هذا الشعب حارب فرنسا يوم كانت فرنسا أقوى دول الأرض،وشرى بالمهج استقلاله وبالدم وبأجساد الضحايا وأرواح الشهداء،ليترك نفراً من أبائه يجيئون في آخر الزمان ليُذلّوه ويحتقروه،ويُغَطّسوه في الوحل ويَغطّوه في الطين.

وما بعد الإنذار إلا قدح النار،والله هو المستعان”.

يقول الأستاذ عصام العطار:

“وهناك أمر خطير كل الخطورة أحب أن ألفت إليه الأنظار، إنه ذلك الجهد الكبير المتنوع الأشكال والألوان الذي تقوم به جهات خارجية وجهات داخلية: سياسية وثقافية وصحفية، لفلسفة الواقع العربي التشرذمي والإنهزامي الراهن،وتبريره وجعله الأساس والمقياس،ودفع العرب في طريق الاستسلام والانسلاخ عن المبادئ والقيم والهوية والثوابت الدينية والقومية والوطنية،فالوحدة العربية عندهم وهم وعبث أن يسعى إليها وإضاعة وقت، واسترجاع ما اغتصب من أرضنا وامتلاك القدرة على مناهضة عدونا وهم! والتحرر من هيمنة الدول الكبرى وهم! والتمسك بالهوية الإسلامية والعربية والوطنية في عصر العولمة وهم وتخلف وعائق عن التكيف والتقدم والحياة،إنهم يغذون الإحباط ويشيعون اليأس من كل شئ أصيل كريم رفيع ولايفتحون إلا أبواب الاستسلام والاغتراب والضياع”.

نعم، إننا نعيش وللأسف في كثير من الأقطار العربية والإسلامية على أنظمة تعتمد قولاً سائراً مؤداه:”هناك جرائم تصبح محترمة بقوة الاستمرار”.حيث صفد القلم،وصفدت حرية الرأي والفكر،بأغلال وقيود شتى،والتمس الحاكم ومن وراءه الجهات التشريعية والتنفيذية والقضائية، التي تدور في مداره، وتعيش على فضلاته لا أقل أفضاله،وأصدرت القوانين وشرّعت الشرائع وخلقت المعاذير من أجل حماية الحاكم ونظامه تحت مسميات كثيرة، ومنها حماية النظم الأساسية للدولة من الدعوات والتنظيمات الهدامة والإرهابية،أو حماية مؤسسات الدولة من أيادي الهدم والفساد،أو لحماية المجتمع والأخلاق من الأقلام المزيفة والعميلة…

وهذا يبين أن قليلاً من القمع، يسنده تشريع ظالم وتحميه وتؤيده قوى تنفيذية غاشمة،فإن هذا كاف وعلى مدار السنين وتعاقب الأجيال لإماتة دعوة الحق،ولإرهاب دعاة الحق،فإذا ما سار الناس زمناً على ذلك ألفوا الباطل واستألفوه،وأنسوا به واستأنسوه،وعدوا المنادي بالعدل والحق والحرية ثائراً أو خائناً أو زنديقاً أو رجعياً أو مجنوناً أو ارهابياً…ولكننا نقول لأمثال هؤلاء الحكام الظالمين ومن خلفهم من الكتاب المأجورين المنافقين ما قاله لامثالهم الأستاذ عصام العطار:” كفى بالمرء خيانة أن يكون عوناً للخائنين، وظلماً أن يكون عوناً للظالمين، وفساداً أن يكون عوناً للمفسدين”.

وهناك أمر آخر شديد الخطورة وهو تيسير الطغاة وأعداء الإسلام لبعض الأقلام في مهاجمة اللغة العربية أي لغة القرآن والإسلام،ويسخرون كل الامكانيات من أجل محاربة الإسلام ولغته العربية لغة القرآن ولغة الإسلام.

يقول الشيخ العلامة محمد أبو زهرة رحمه الله(لواء الإسلام العدد 1 السنة 13،رمضان 1378 هجري):

“لما يئس أعداء الثقافة الإسلامية من أن ينالوا من القرآن الكريم ذاته عندما همّوا بذلك من قبل،اتجهوا إلى أمور حوله وحول الإسلام وعلومه ،وكل أثر فكري عاش في ظل الإسلام،لقد أخذوا يدعون إلى هجر الحروف العربية،لأنها أصعب قراءة وتعلماً في زعمهم،وأخذوا يرددون قول قاسم أمين،وكأنه تنزيل يتبع:(غيرنا يقرأ ليفهم،ونحن نفهم لنقرأ)وذلك عجز من لم يقوّم لسانه تقويماً عربياً،وقالوا وعليهم إثم ما قالوا:إن الكتابة بالحروف اللاتينية فيها تصوير الحركات الصوتية بحروف،ونسوا أن ذلك ممكن في العربية بالشكل،والشكل أسهل من الحروف كتابة،وأقل منها حيزاً،وإن الناس منذ أقدم العصور يعلمون أولادهم الحروف العربية من غير أن يشكلوا صعوبة،ولكنهم يخلقون فكرة الصعوبة ويثيرونها في كل مكان ليحلوا الحروف اللاتينية محل العربية.ومقصدهم واحد  وهو قطع الشاب العربي المسلم عن ثقافته الإسلامية قطعاً تاماً،لأن الذخيرة الإسلامية التي هي الصلة بين الماضي والحاضر مكتوبة بالحروف العربية،فإذا نشأ الفتى يجهلها فإنه تنقطع الصلة بينه وبين ذلك الميراث الفكري التليد.

وأمر آخر أقرب إلى مقاصدهم،هو قطع صلة الناشئة بالقرآن الكريم،لأنه إما أن يكتب باللاتينية،وهي لا تصور نغماته ولا مده وإما أن يهجر هجراً،وذلك ما يبغون،ولقد ضل سعيهم ،وذهب هباءً منثوراً.

وإنا نجد من الشبان يتلقين من طواغيت الإلحاد من يريدون أن يحيوا الأدب العامي،ويجعلوا لكل إقليم من الأقاليم العربية أدبه الخاص،بل إنهم ليندفعون فيقولون:يجب أن توضع قواعد للغة العامية في كل إقليم،وإن ذلك الكلام يمزق العرب تمزيقاً،والذين ينطقون بهذا يجعلون هدفهم الأمة العربية التي يريد المستعمرون تمزيقها،وإني أحسب أن هؤلاء مدفوعون من أعداء البلاد العربية دفعاً،فإني أفهم أن يتكلم خطيب بالعامية ليفهمه السامعون في إقليم معين،ولكن لاأفهم مطلقاً أن تعمّم العامية،وأن يجعل لها أدب وموضع دراسة،لا أفهمه إلا أن يكون هدماً للبناء العربي.وإنهم لا يقصدون العربية فقط،بل يقصدون الإسلام أيضاً،لأنه إذا نشأ الشاب على العامية لا يعرف سواها،ينقطع انقطاعاً معنوياً عن القرآن والسنّة والمأثور العربي الإسلامي،وذلك أهم ما يرغبون فيه،إنهم لا يريدون علماً،بل يريدون توهين الإسلام ومآثره،وإبعاد البيئة المسلمة عن تلك الآثار،لتعُبّ من الغرب عبّاً،وتأخذ الغثّ والسمين منه،ويفنى الشرق في الغرب،والإسلام في الديانات الأخرى،ويذهب اليقين والإيمان،ويكون المسلمون قوماً بوراً،ولكن كُشف أمرهم في دعاياتهم فارتدوا خاسئين.

ويتابع الشيخ أبو زهرة رحمه الله:

“ولقد اتجهوا إلى أشد ما يلقي بالشك لا في الإسلام وحده،ولا في الأديان كلها فقط،بل يلقي بالشك في القيم الخلقية الإنسانية المتوارثة التي هي ذخيرة الإنسانية،والفارق ما بين الإنسان والحيوان.

أرادوا أن يثيروا كل الغرائز الحيوانية في نفس الشباب،واتخذوا لذلك طرائق كلها هوجاء ليس فيها طريق مستقيم.

وأول هذه الطرق التي أثاروها ما يسمونه”الأدب المكشوف” تارة،و”الأدب الجنسي” تارة أخرى،وهما يتجهان إلى صوب واحد،وهو إثارة الغريزة البهيمية في نفس الشباب حتى لا يستطيع أن يستعصم ويستمسك بالفضيلة،ويعيش في جو حيواني لا يسمو فيه إلى مراتب الإنسانية السامية،ولقد شقّوا طريقهم الآثم إلى هذه الغاية،فوجدنا صحفا  معينة مملوءة بالصور العارية،والمناظر المثيرة،بل تجاوز الأمر فوجدنا الطرقات مملوءة بالإعلانات المشتملة على صور فيها مناظر مثيرة لتجتذب الشباب بهذه المناظر إلى دور الملاهي وقد تجسمت فيها هذه الصور العارية،فيكون الشباب في بلبال مستمر،واضطراب نفسي فينحدرإلى الهاوية،إلا من عصم الله،وسلمت نفسه من هذه الآفات.

إنه يجب أن يعلم هؤلاء أنه ما يسمونه الأدب المكشوف أو الأدب الجنسي ضد الفطرة الإنسانية،فإن ستر ما بين الرجل والمرأة هو نداء الفطرة،وإن الكتب المقدسة كلها لتصرّح بأن آدم وحواء عندما خرجا من الجنة،وبدت لهما سوءاتهما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة لأنهما شعرا وقد جاءا إلى هذه الحياة أن فيها ما يجب ستره،وبالتالي يجب ألا يكشف ولا يعلن.

ولقد أرادوا أن يصوغوا ذلك المجون فلسفة،ويعتبروه ثمرة فكرة،فقالوا:إنه مذهب فلسفي قويم،هو مذهب الوجودية،وما علمنا أن انطلاق الإنسان من كل القيود الأدبية والاجتماعية والاستهانة بكل القيم الإنسانية الموروثة،والتي بها سموها وعلوها تُعد مذهباً يُدرس ،وفلسفة تدّون ويُدعى إليها.

وإنهم يدعون إلى الإباحية تلك الدعوة التي لا تجد قائماً إلا قوّضته،وينشرون بين الشباب ما يثير غرائزه،ثم يقولون مع ذلك:إن الشباب في كبت،وهذا عجب! يثيرون كل ما إلى الاندفاع نحو اللذة البهيمية،وليس كل شاب واجداً،فيكون اضطراب النفس،وانحباس الأهواء المندفعة التي أثاروها،ثم يشكون مع ذلك من ثمرات جريمتهم.

ألا إن كل هذا يقصد به الذهاب بخلق الحياء،وهو خلق الإسلام،فقد قال النبي صلى الله عليه وةسلم:”إن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء”[رواه ابن ماجة والطبراني عن أنس رضي الله عنه وصححه الألباني] ولكن هل يصلون إلى ما يقصدون؟إن أملنا في شبابنا المسلم لعظيم،ولن ينالوا من خلقه ودينه،وسيذهب كل هذا الزبد الراغي:{فأمّا الزّبدُ فيذهبُ جُفاءً وأمّا ما ينفعُ الناسَ فيمكثُ في الأرض}[الرعد 17] انتهى كلام الشيخ أبو زهرة رحمه الله.

وهناك من يتصدى للطاغوت بادئ ذي بدء، ويُدافع عن الحق والخير والعدل،ولكنه لايستطيع أن يتابع المسير،ولايريد أن يتحمل نتائج مايسطره القلم،وماينجم عن ذلك من مشقة ومعاناة وألم،ومايترتب على ذلك من تبعات وعقبات وتضحيات، فَرُبَّ كلمةٍ سلبت نعمة وجلبت نقمة!

إنهم أُناسٌ مَلّوا المقاومة فاستسلموا،واستصعبوا الغاية فانهزموا،عاشوا مترددين مابين عذاب الضمير وعذاب المعارضة،فاحتملوا الأول وتخلوا عن الآخر،عاشوا شيوخاً وهم في سن الشباب،وعاشوا شباباً وهم في سن الشيخوخة، عصوا الهوى صغاراً وأطاعوه كباراً.

جاء في المجموعة الكاملة للدكتور طه حسين(المجلد 11 ص421):

“قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ:”ألم تر إلى فلان وُلد حراً،وشبّ حراً،وشاخَ حراً،فلما دنا من الهرم آثر الرق فيما بقي من الأيام على الحرية التي صحبها في أكثر العمر؟ قال الاستاذ الشيخ لتلميذه الفتى:أضعفته السن،فلم يستطع أن يتحمل الشيخوخة والحرية معاً، وأنت تعلم أن الحرية تحمل الأحرار أعباءً ثقالاً”.

والمصيبة لاتقف بهؤلاء الناس عند هذا الحد، بل إنهم يسقطون في بحر التأويلات ومستنقع التبريرات،ويُحاول كلاً منهم أن يجد لنفسه الأعذار من أجل أن يلحق بركب الطاغوت وأن يصبح تابعاً من أتباعه،بل عبداً من عبيده،يُسخر قلمه وإمكانياته لتمجيد الطاغوت وحكمه وحكمته وزبانيته وأعوانه من جهة،ومن جهة أخرى لمحاربة رفاق الأمس، أعداء اليوم من أنصار الحق والحرية، ومن جهة ثالثة لتبرير تحوله وانقلابه.

قال التلميذ الناشئ لشيخه الحكيم(عصام العطار):

هل رأيت أسوأ من فلان الذي تحوّل على الزمن عبداً صريحاً للطاغوت؟ وطالما تغنّى بالحرية والكرامة والتمرد على الطاغوت؟ قال الشيخ الحكيم:أسوأ منه فلان الذي تحوّل هو الآخر عبداً للطاغوت كتحوله أو أشد، لكنه راح يغلف واقعه الجديد ويلتمس له المبررات الكاذبة، ويُلبسه ثوباً زائفاً من الاقتناع والمصلحة،فأضاف إلى حقارة العبودية، رذيلة الإزدواجية والمخادعة والكذب.

ويقول الأستاذ عصام العطار ايضاً:

“إذا كنتم تلتمسون لأنفسكم الأعذار في مهادنة الباطل، فما هو عذركم في محاربة الحق؟”.

إن القلم ياصاحبي في يد الشجاع الحر الأبيّ منارة تهدي ونار تكوي وعقول تبني،والقلم في يد الجبان الدنئ، كالخنجر بين يدي الطفل الصغير يجرح ويُدمي، وكالدواء بيد الطبيب الجاهل الغرير يقتل ولايشفي، وإن تملق القياصرة تكلف الشعراء شططاً عظيماً ياصاحبي!!

وأديب قوم تستحق يمينهُ            قطع الأنامل أو لظى الإحراق

ويقول الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله:

أما وقد فارقتنا ياقلم                   وصالحَ اليأسُ عليك الألم

فخيرُ ما أرجوهُ ألا تُرى               في كفِّ خوّانٍ ولا مُتهم

ولا تَخُطَّ الجهل في صفحةٍ           أبيضُ مافيها سوادُ الحُمم

ولاتَكُن ياقلمي آلةً                    تشتمني باللّغو فيمن شتم

بدأتَ في الأوجِ فلا تنحدر           إلى حضيض الذُّلِ في المُختتم

وهناك من يهاجم طاغوتاً في بلد ويمدحه في بلد آخر،يلعن إبليس هنا،ويصاحب شيطاناً هناك،ولهؤلاء نقول:إن الحق واحد لايتعدّد ولايتغير ولايتبدل مهما تحوّل الزمان وتغير الأشخاص وتبدّل المكان،ونحن لانضرب بسيف الحق باطلاً هنا، ونستله ضد الحق هناك.

يقول الأستاذ عصام العطار:

“إننا لانكفر بالطاغوت في مكان ونؤمن به في مكان،ولانحاربه في بلد ونكون جنده في بلد،ولكننا نكفر بالطاغوت ونحاربه حيثما كان،ونقف مع الحق في كل مكان وزمان”.

ويقول أيضاً:” هيهات هيهات… إن مخاصمتي لطاغوت لا يمكن أن تضعني في خدمة طاغوت آخر مهما كانت الظروف”.

ياصاحب القلم! إذا كنت تخشى عواقبه، وتخاف من تحمل نتائجه ،فاكسر القلم ،وتجنب قول الباطل، وإن كنت غير قادرٍ على قول الحق فاعتزل الكتابة ولاتضع المبررات لعجزك وخوفك وضعفك، فإنك إن أرضيت طاغوت الأرض فلن يرحمك جبار السماء:

وما من كاتب إلا ستبقى            كتابتهُ وإن فنيت يداه

فلا تكتب بكفّك غير شئ            يَسرُكَ في القيامة أن تراه

يقول الأستاذ عصام العطار:

“وإن لم تستطع أن تكون سيف الحق، فلا تكن سيف الباطل، وإن لم تكن في جند الله فلا تكن في جند الطاغوت”.

ويقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ(تذكرة للدعاة ص9):

“وهناك خطباء أبواق للسلطة يقولون مايردده الحاكم ولو كان منكراً، ويسكتون عما يرون من المخالفات بل يسوغونها ويؤولونها ويمدحون رجال السلطة بما ليس فيهم،وقد يُعذر المرء في بعض الحالات بأنه لايستطيع أن يقول الحق لما يخشى أن يجره عليه من البلاء، ولكنه يجب ألا يقول الباطل وليس له عذر”.

نعم ياصاحبي، إن الأديب كالفنان الذي يُسخر قلمه لخدمة الواقع الفاسد،يصبح جزءاً من هذا الواقع الفاسد ويصبح مسؤولاً أمام الله عز وجل عن مشاركته في هذا الواقع وخدمة الأهواء والطواغيت.

يقول الأستاذ عصام العطار:

“إ ذا سقطت في شراك الواقع الفاسد غدوتَ على الزمن جزءاً من هذا الواقع،وعدواً فعلياً لكل مثل أعلى وهدف رفيع،وفقد وجودك غايته ومعناه الأصيل الكريم”.

ويقول أيضاً:”نعم، أنا أحب الأدباء والفنانين الذين يعتزون بشخصيتهم ويحرصون على كرامتهم، ويخلصون لأدبهم وفنهم ،ويأبون أن يضعوا أنفسهم وادبهم في خدمة المطامع والمنافع والأهواء وخدمة الطاغوت بأي صورة من الصور.إذا باع الأديب أو الفنان نفسه وأدبه وفنه، فقد رسالته الحقيقية، وخان أمانة الأدب والفن والموهبة التي اختصه بها الله عز وجل”.

وإن يك الشعر مايرون فإني           منك ياشعر قد نفضت بناني

ويقول الشاعر الكبير نزار قباني:

والشعر ماذا سيبقى من أصالته؟        إذا تولاه نصاب ومدّاحُ

وكيف نكتبُ…والأقفال في فمنا؟       وكل ثانية يأتيك سفاحُ

حملتُ شعري على ظهري فأتعبني     ماذا من الشعر يبقى حين يرتاحُ؟

وإذا كان عبيد القلم لا أربابه، وإذا كان عبيد الطاغوت لا كتاب الحق هم العنصر الغالب في كل عصر ومصر،وهذا هو واقعنا الحالي الأليم حيث علا الباطل وفار،واشتد الطغيان وثار،إلا أنه تبقى فئة قليلة من الكتاب تكتبُ مما يمليها عليه الضمير والإحساس، تنشد الحق، وتدافع عنه،وتوصله إلى الجماهير المتعطشة إليه رغم أنوف الظالمين .

يقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله(الرسالة العدد756 عام 1947):

“إنما حملتُ أمانة هذا القلم لأصدعَ بالحق جهاراً في غير جَمجمة ولا إذهان. ولو عرفتُ أني أعجزُ عن حمل هذه الأمانة بحقها لقذفتُ به إلى حيث يذِلُّ العزيز ويُمتهن الكريم…وأنا جنديٌّ من جنود هذه العربية، لو عرفتُ أني سوف أحملُ سيفاً أو سِلاحاًأمضى من هذا القلم لكان مكاني اليوم في ساحة الوغى في فلسطين، ولكني نَذرتُ على هذا القلم أن لايكُفّ عن القتال في سبيل العرب ما استطعتُ أن أحمله بين أناملي، وما أتيح لي أن أجد مكاناً أقول فيه الحق وأدعو إليه،لاينهاني عن الصراحة فيه شئ مما ينهى الناس أو يخدعهم أو يغرر بهم أو يغريهم بباطل من باطل هذه الحياة”.

ويقول أيضاً رحمه الله(الرسالة العدد1018):

“ظللت أياماً اسال نفسي: فيم أكتب؟فيم العناء والنصب؟علام أزهق أيامي في باطل لا ينقشع؟إني لم أحاول قط أن أعرف لمن أكتب؟ ولم أكتب؟ولكني أحس من سر قلبي أني أكتب، ولا أزال أكتب،لإنسان من الناس لا ادري من هو، ولا أين هو.أهو حي فيسمعني، أم جنين لم يولد سوف يقدر ان يقرأني؟ويتابع رحمه الله:

“لقد طرأت على هذا العالم العربي والإسلامي طوارئ،فإذا لم يصدق نفسه فلا نجاة له.واحتوشته الامم المفترسة بأساليبها الظاهرة والخفية.فإذا لم يصدق النظر فلا خلاص له.لست قانطا ولا مقنطاً. كما يتوهم من يحب أن يتوهم. ولكني أرى بلاء نازلاً بنا.ونحن نخوضه كأنه رحمة مهداة, وبئس ما نفعل؟ وبئس مطية الأعمال الكذب.

من حيث أتلفت أرى وجوهاً تكذب، ووجوهاً مكذوباً عليها. وأسمع أصواتاً تخدع،وآذاناً مخدوعة بما تسمع. وأقرأ كلاماً غمس في النفاق وفي التغرير غمساً.وألمح في عيون المساكين ممن قرءوه غفلة تتلالا بفرحة ولكنها فرحة لا تتم عليها إلا بالعمى المطبق عن الحق والصواب.إن هذا كله إعداد للمجزرة الكبرى.حيث تذبح الآلاف المؤلفة منا بمدى حداد استخرج حديدها من معدن القلوب المضطغنة بالعصبية، المنهومة بالمنفعة.وأمهاها ماء الحقد الصليبي الوثني،وأرهفت بلذة الفتك الذي لا تطفأ ناره.

إن الذي نعيش فيه اليوم حياة قد مهد لها جبابرة الدهاة،لا أقول منذ عام أو عامين، بل منذ أكثر من مائتي عام.حطم كل شيء قليلاً قليلاً حتى خر البناء كله.ثم انبعثت من تحت الأنقاض حياة خبيثة تلبس إهاب البشر.غذيت بالسم الذعاف حتى صارت لحماً وسماً.لا لحماً ودماً،ولا يعنيك أو يعنيني أن ننظر: أهي تعرف نفسها وتدرك أنها مسخت أفاعي في مسلاخ إنسان، أم تراها لا تعرف ولا تدرك؟بل يعنينا ـ ويعنيها هي أيضاً ـ أن نصدق المعرفة أنها حيات تنفث سمها في حياة الناس،في حياة الغافلين النائمين.فمن استعصى عليها فتكت به،ومن انصاع لسمها مسخ كمثلها حية تسعى.فإذا قدر لهذه الحيات أن تبلغ الغاية التي مسخت لها،فلن يتم ذلك حتى تكون الأرض العربية والإسلامية كلها خراباً من البشر الأحرار،خراباً تعمره العمار من أفاع وحيات وأصلال.ويتابع رحمه الله:

“فيم أكتب؟ فيم العناء والنصب؟ علام أزهق أيامي في باطل لا ينقشع؟إن بيني وبين الأسماع والأبصار والقلوب، حجاباً صاخباً من غماغم الدجاجلة،وهماهم الأفاكين،وثغاء أهل الغش،وضغاء أخدان النفاق…ويذهب قولي باطلاً ويضيع صوتي مختنقاً، ولم أجن عندئذ عن حياتي إلا شقاء يقول فيه القائل:(إن الشقي بكل حبل يخنق)، حتى حبل الحق والصدق!بأي لسان أستطيع أن أفتق للناس أسماعها غير الأسماع التي طمها الكذب المسموع؟وبأي قلم أستطيع أن أسلخ عن العيون غشاوة صفيقة لبسها الكذب المكتوب؟وبأي صوت أستطيع أن أنفذ إلى قلوب ضرب عليها نطاق من الكذب المسموع والمكتوب؟وبأي لسان،وبأي قلم،وبأي صوت؟ولكنه، على ذلك كله واجب، وإن كان جهد لا ثمرة له! وهو كذلك ، وإذن فليس لي أن أسأل نفسي: فيم أكتب؟ ولم هذا العناء والنصب؟وعلام أزهق أيامي في باطل لا ينقشع؟

وإذن فقد كتب علي أن أنصب وجهي لهذا الشقاء، لا أبالي أن أحترق،ولا أحفل أن أعود سالماً،ولا آبه لما يصيبني، مادام حقاً علي أداؤه.

إنها أيام بلاء ومحنة: من عدونا حيث بلغ منا كل مبلغ،من أنفسنا، حيث صار كل امرئ منا عدو نفسه وعقله،عدو تاريخه وماضيه،عدو مستقبله من حيث يدري ولا يدري.وإنها أيام ضلال وفتنة، تدع الحليم الركين حيران،بلا حلم ولا ركانة،تدع البصير المهتدي،أعمى بلا بصر ولا هداية.تدع الصادق الحازم، غفلاً بلا صدق ولا حزامة.ولكنها على ذلك كله، كتبت على الحليم الركين،وعلى البصير المهتدي، وعلى الصادق الحازم ـ أن يعيش في شقائها بلا ملل،وأن يكون فيها كما قال الشاعر عمران بن حطان في أهل الدنيا:

أرى أشقياء الناس لا يسأمونها                   على إنهم فيها عراة وجوع

ويقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله(الرسالة العدد766):

“لمن أكتب؟لم أحاول قط أن أعرف لمن أكتب؟ولم أكتب؟ولكني أحس الآن من سر قلبي أني إنما أكتب ،ولا أزال أكتب،لإنسان من الناس لا أدري من هو،ولا أين هو:أهو حي فيسمعني،أم جنين لم يولد بعد سوف يقدّر له أن يقرأني؟ولست على يقين من شيء إلا أن الذي أدعو إليه سوف يتحقق يوماً على يد من يحسن توجيه هذه الأمم العربية والإسلامية إلى الغاية التي خلقت لها،وهي إنشاء حضارة جديدة في هذا العالم،تطمس هذه الحضارة التي فارت بالاحقاد والأضغان والمظالم،ولم يتورع أهلها عن الجور والبغي في كل شيء حتى في انبل الأشياء وهو العلم”.

ويقول الأستاذ توفيق الحكيم(الرسالة العدد 299):

“القوة الحقيقية للرجل هي أن يستطيع أن:(يقول مايريد وقتما يريد أن يقول).والرجولة الحقيقية هي أن يبذل المرء دمه وماله وراحته وهناءه ودعته وطمانينته وأهله وعياله وكل أثير عنده وعزيز عليه في سبيل شيء واحد:(الكرامة).

والكرامة الحقيقية هي أن يضع الإنسان نَفَسه الأخير في كفة وفكرته ورأيه في كفة،حتى إذا ما أرادت الظروف وزن مافي الكفتين رجحت في الحال كفة رأيه وفكره.

كل عظماء التاريخ كانوا كذلك.رجال لم يترددوا في تضحية كل شيء من أجل فكرة،والنزول عن كل متاع من أجل رأي.بل إني لا أبالغ إذا قلت إن الأمم لا تبنى ولا تقوم إلا على أكتاف هؤلاء.وإن الخطر المخيف هو يوم تخلو أمة من أمثال هؤلاء.وإنه ليخالجني الآن شيء من القلق إذ أنظر حولي فلا أكاد أرى أثراً لهذه الفئة العظيمة.فناموس اليوم هو وطيء الفكرة بالأقدام راكضاً خلف الجاه الزائف والمال الزائف،وإنكار الرأي والجبن عن إعلانه حرصاً على الراحة وإيثاراً للطمأنينة.وحق لنا جميعاً أن نسأل هذا السؤال:ما هي المعجزة التي تنهض هذا البلد وهو على هذا الخلق؟وهل يطول غضب الله علينا فلا يظفرنا بعظيم من هؤلاء العظماء الذين يستطيعون أن يردوا الاعتبار إلى قيمة الرأي،ويطهروا النفوس من درن المادة،ويعيدوا المثل العليا النبيلة إلى مجدها القديم،ويرتفعوا بالأمة كلها في لحظة إلى سماء الخلق العظيم!إذا حدث ذلك فقد نجونا.وإذا لم يحدث ذلك فلاشيء ينتظرنا غير انحلال أكيد،وهبوط إلى مرتبة العبيد”.

ويقول توفيق الحكيم أيضاً(الرسالة العدد301):

“ليس على الأرض أخطر ولا أقوى من آدمي يعيش من أجل فكرة.هذا الآدمي يركز كل وجوده في فكرة كما تتركز أشعة الشمس في عدسة ليستطيع أن يحدث مثلها حريقاً مخيفاً أو نوراً وهاجاً ساطعاً.إن أغلب الأنبياء والرسل وقادة الفكر وعظماء التاريخ الذين قلبوا العالم أو ملئوه ضوءاً وجمالاً كانوا كذلك:أشعة متجمعة في عدسة فكرة.إنهم لم يعيشوا للحب والحياة،إنما عاشوا من أجل فكرة”.

ويقول توفيق الحكيم في موضع آخر(الرسالة العدد 468):

“إن الأدب الرفيع هو الذي يثير المشاعر الرفيعة،بما فيها من حق وحب وخير وجمال…وإن الأدب الوضيع هو الذي يهيِّج فينا الغرائز الحيوانية بشهواتها للفتك والبطش والعدوان…ولابد من توجيه الأدب إلى هذه الغاية الفضلى،حتى ينشأ جيل سليم فاضل يرى الأدب على حقيقته:جنة سامية طاهرة،لا مكان فيها لمن يبطش بالقلم،ولكنها مكان من يعلّم بالقلم ،يعلم الإنسان مالم يعلم”.
ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد150):
“الأدب صورة النفس فلابد أن ترتسم فيه مشاعر الفرد،والأدب مرآة الحياة فلابد أن تنعكس فيه ألوان المجتمع.ومادام في الناس الحساس والبليد،والخوار والجليد،وفي الدنيا التفاوت الذي يوجد التمايز،والألم الذي يفجر الدموع،واللذة التي تبعث المسرة،والمدنية التي تخلق التنوع،فلابد أن يكون الأدب الصحيح صدى لكل ذلك”.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد47):
“الأدب عبير الروح،وشعاع النفس،ونضح العواطف.يتأثر حتما بما ينال أولئك من تطور الحياة،وتغير الناس،وتقلب الزمن،فهو يطيب أو يخبث،ويضطرم أو يخبو،ويمرّ أو يحلو،تبعاً لما يعرض للروح والنفس والعاطفة من أحوال الضعف أو القوة،والفساد أو الصلاح،والانحطاط أو السمو.
فالأدب العربي كان صادقاً حين فاض بالبطولة،وزخر بالحماسة،وجاش بالعزّة،في عهوده الأولى أيام كان يمده العرب من قوتهم بالروح،ومن سلطانهم بالنبل،ومن حريتهم بالكرامة.
والأدب العربي كان صادقاً حين لجّ في الضراعة،وضجّ بالشكوى،وأنّ من الألم،وتحدث عن فسوق الخُلق المنحل،وإيمان القلب المستذل،وضلال النفس المريضة في مذاهب القِحة،في عهوده الأخيرة أيام وهنت عزائم الملوك ،ووهت دعائم الملك،وتخلت يد العرب عن زمام الدنيا،فوقعت الفوضى،وحدث الخلل،ولجأ الناس بعضهم إلى الله وراء شيوخ الطرق،وبعضهم إلى الشيطان وراء قطاع الطريق!
والأدب العربي الصادق اليوم في الإبانة عن هذا الشك المخامر في قدرتنا على التفكير الأصيل،واضطلاعنا بالأمر الجليل،واستقلالنا بتبعات الرأي وتكاليف الحياة.فإن اعتقادنا الإيحائي المزمن بتفوق الأوربي وامتيازه سلب من نفوسنا الثقة،ومن قلوبنا الإيمان،ومن عقولنا الأصالة،ومن شعورنا السمو،وتركنا كالعبد المملوك لايقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاهنينقل فيما يقول عن لسانه،ويصدر فيما يعتقد عن قلبه.
فأديبنا يجهل اللغة العربية كل الجهل،ويعلم اللغة الأوربية كل العلم،لأنه إذا تكلم بها أو كتب فيها شعر بذلك الامتياز الذي يلازم أهلها في بلاد الشرق.وأديبنا يقرأ الأدب الأجنبي ويغفل الأدب العربي،لأن هذا أدب قوم كانوا يلبسون العمائم،ويأكلون بالأيدي،ويجلسون على الوسائد،ويقولون له نحن أجدادك!وذلك أدب قوم يلبسون البرانيط،ويأكلون بالشوك،ويجلسون على الكراسي ،ويقولون له نحن أسيادك.
فمتى يعلم الكاتب أن له مجداً يجب أن يعود،ووطناً ينبغي أن يسود،وصوتاً يحق أن يسمع،وأدباً يصح أن يحتذى،وتاريخاً يليق أن ينشر،وحقاً على أرضه تؤيده الطبيعة ويقره القانون ولاينكره عليه إلا جبنه وذله؟!”.
ويقول الأستاذ الدكتور زكي مبارك رحمه الله(الرسالة العدد427):

“فمن أنت أيها الكاتب وماذا تريد؟

لن يصحّ انتسابك إلينا إلا يوم تؤمن بأن للقلم رسالة يطيب في سبيلها الاستشهاد.ونحن قد رحبنا بجميع الآلام في سبيل القلم البليغ.

قد ينوشك أقوام لا يعرفون كيف توحدت توحد الليث،وقد يسخر منك أقوام يرون الزهد في التودد إلى المقامات العالية ضرباً من الجمود،وقد يوافيك أجلك و ليس في جيبك  مايشيعك به أهلك إلى مثواك الأخير،فما رأيك فيمن يدعوك إلى الاعتصام بالوحدانية الأدبية لتلقى الله وأنت رجل لم يعرف الخضوع لصاحب العزة والجبروت إلا تأدباً مع ذاته العالية؟

هل تعرف لأي سبب لا ينبغ من أرباب القلم غير آحاد،ولو كانوا في أمة تبلغ المئات من الملايين؟إنما  كان ذلك لأن رسالة القلم تشبه الأمانة التي تهيبت حملها السماوات والجبال.ويتابع رحمه الله:

“يجب أن يخرج الكاتب الأجير من الميدان،الكاتب الذي يرضى بأن يكون أجير الوطن أو أجير المجتمع،فما يكون الرجل كاتباً إلا إذا شعر بأنه مؤيد بقوة روحانية تعصمه من أحلاف الزور والبهتان.وذلك هو الكاتب المنشود، الكاتب الذي يرغم الدهر الاعتراف بأنه طاف على أهل زمانه بكأس لم يذوقوها من قبل،ولم يعرفوا في أي كرمة نبغ رحيقها النفيس!!

فمن هؤلاء الذين يحملون الأقلام وليسوا لحملها بأهل،لأنهم عبيد تلاميذهم من القراء،ولأنهم يتوهمون أن القلم وسيلة من وسائل النفع الرخيص؟من هؤلاء؟من هؤلاء؟

لن تكون كاتباً إلا يوم يستطيع قلمك أن يصنع بقرائك ما يصنع الدواء بالمريض،والدواء قد يزلزل الجسد فيمثل له شبح الموت، ثم تكون العافية، وكذلك يصنع القلم الصادق، فهو يزلزل الفكر والعقل والروح،ثم تكون العافية الفكرية والعقلية والروحية لمن يصلحون البقاء،ولا بقاء لغير من يستمعون صوت الصراحة والصدق والإخلاص”.

ويقول الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله(كلمة الشيخ في المؤتمر الثالث للأدباء العرب في القاهرة عام1957

“والأدب أيها السادة هو الوشيجة القوية والوثيقة الباقية التي لم تنقطع طوال القرون وعبر الأزمان…فهذه هي الايام تطوي الدول،وتقرب البعيد أو تبعد القريب،وتقطع هذا السبب أو ذاك من علاقات الأفراد أو روابط الجماعات،ويبقى اللسان العربي والبيان العربي والشعر العربي رسلاً صادقين وروابط قوية بين أبناء العروبة كلهم.

نعم، يبقى الأدب العربي رباطاً يجمع العرب مهما اختلفوا أو تفرّقوا في ميادين أخرى بطارئ من طوارئ الهم ،أو لون من ألوان الاختلاف في الهمم..

يبقى الأدب يصور الخواطر،ويأسو الجراح،ويؤلف الألسنة والقلوب حتى تتصافح الأيدي، ويعود البناء كما كان،أبيّاً لاينال، قويّاً لايلين.

ولرُبّ خاطرة لكاتب أو همسة لشاعر،أحيت رمماً، وبعثت دارساً،وردّت ذاهباً وفجّرت الينابيع في صم الصخور.

ويتابع رحمه الله:

“والأديب إنما يكون أديباً بحق حين يكون أمين القلم صادق البيان ينقل إحساسه إلى قارئه في عمق وصدق ،فلغة الأدب وحدها  هي الترجمان الأمين لعواطف هذه الشعوب، واللسان المبين الذي يعرض خلجاتها، ويفصح عن آمالها وآلامها. إن الأديب كالنسيم يحمل العبير أينما سار،يصعد في ذروة الجبل وينثال إلى عمق الغور، وينساب على صفحات الوادي..

إنه ينطلق أبداً،ويسعد الناس بشذاه،ولايبالون من أي روض نشر ولا أي سبيل عبر،ماداموا يعرفون في عطره أشذاء روضهم ويحسون في تياره فوران إحساسهم ويرون فيه أنفسهم جادين أو هازلين، ضاحكين أو واجمين.

ويتابع رحمه الله:

“وأول مايجب أن نحمي منه الأديب والأدب هو تلك العواصف التي تطفئ جذوته وتمسخ نوره ورونقه، وتمسّه بالعوز والكدية والصعلكة،فلابدّ أن نبذل للأديب من رحابة الحياة ويسر العيش مايجعله معتدل الحس رضيّ النفس،صادق التعبير، غير ضجر بضيقه وعسره”.

ويقول الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد22 ص31):

“أنا أطلب الكرامة من طريق الأدب والثقافة، وأعتبر الأدب والثقافة رسالة مقدسة يحق لصاحبها أن يصان شرفه بين أعلى الطبقات الإجتماعية،بل بين أرفع المقامات الإنسانية بغير استثناء.

أفي ذلك عار؟ أفي ذلك موجب للحقد والضغينة؟

كلا! بل فيه مأثرة وفيه فضل جديد على عالم الأدب في هذا الشرق المسكين الذي كان أدباؤه لايرتفعون عن منزلة المضحكين والندماء المهرجين على موائد الأغنياء والرؤساء،فإذا ارتفعوا عن هذه المنزلة قليلاً أو كثيراً، فهم لايرتفعون بفضل الأدب والفن، بل بفضل وظيفة يعتصمون بها أو شهادة علمية ينتحلون سمعتها،أو ثروة يحسبون من أهلها،ثم يحترمون لأجلها على الرغم من كونهم كتاباً وشعراء.

يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(البواكير ـ مقال بعنوان الأدب القومي ـ نشر عام 1930):

“الأديب في الأمة هو لسانها الناطق بمحاسنها الذائد عن حماها،وقائدها إلى مواطن فخرها وذرى مجدها،فهو ذخر لها لا يعدله ذخر،وقصيدةٌ أو مقالةٌ تحرّرها أنملة أديب بليغ ـ مؤمن بما يقول مخلص لما يدعو إليه ـ أنفع للأمة المظلومة وأَعوَن على نيلها حقّها من مئة جندي مدجّج بالسلاح! فهل عندنا من أمثال هذا الأديب أحد؟

هل عندنا الأديب الذي عرف آلام الأمة وآمالها،وبحث فيما يسرها وما يسيئها،ثم انتدب نفسه لتصوير آلامها والسعي لإبلاغها آمالها؟هل عندنا الأديب الذي قتل التاريخ علماًنوغاص على خفاياه ومعضلاته فأحاط بها فهماً،ثم عمد إلى مواطن الفخر ومواقف الأسى فصاغها قصيدة عصماء،تكون كل قطرة من المداد أريقت على صفحتها بمثابة قطرة من الدم أُهرقت على مذبح الحرية والاستقلال؟هل عندنا الأديب الذي آمن بعقيدة سامية فيها مصلحة الوطن وفائدته ،ثم وقف نفسَه على الدفاع عنها وتأييدها؟هل عندنا الأديب”الأديب” الذي ترفّع بنفسه عن أقوال الناس،فلا يثيره مدح ولاذم ولا يستفزّه نقد ولا تقريظ،مادام سالكاً الصراط المستقيم ومتبعاً الطريق القويم؟

ويتابع رحمه الله:”ألا إن الأدب لا يجدي إذا لم يكن أدب الحياة،ولا يكون أدب الحياة حتى يتصل بها ويداخلها،فيعرف أمكنة ضعفها ومحالّ فسادها ويسعى لإصلاحها وتقويتها.ألا إن الأديب الذي يلهو بنفسه ويقنع بأحلامه ـ واأمة أحوج إلى أدبه في حياتها ونمائها ـ لَهو خائن بعهد الأمة كافر بدينها.ألا إن هذا الأدب المجرد،أدب الألهية الشريفة،ضرر علينا،وفي دعوتنا إليه عقوق وطننا،بل طعنة في صدره.فلنتركه غير مأسوف عليه،ولننفض عن أنفسنا غبار الكسل ولندخل في دَور العمل.

إن الأدب المنتج هو الأدب الذي يخدم القضية الوطنية الكبرى،ويربط ماضي الأمة بحاضرها ويعينها على النجاح في مستقبلها.فإن كان هذا،وإلا فسلام على أدب لا يُقصد منه إلا التلهّي واللذة،وسلام على أصحابه المخلصين العاملين”.

ويقول الأستاذ الدكتور زكي مبارك رحمه الله(رسالة الأديب ص 29 ـ 30):

“ولكم بعد هذا أن تراجعوا حظوظ من عرفتم من الأدباء،فسترون أن ابلغهم أثراً في أنفس الجماهير،وأقدرهم على أسر القلوب وغزو العقول،وامتلاك النفوس،هم الأدباء الذين ابتلتهم الحياة بصنوف الأرزاء،وعرفوا كيف تقسو الدنيا وكيف تلين،أولئك هم الذين يكتبون وفي كل حرف سر ظاهر أو غرض دفين.أما الأدباء المدللون الذين حبتهم الدنيا بألوان من الترف والنعيم  فهم ينظمون ويكتبون وكأنهم يلعبون،وليس للألاعيب في عالم الأدب بقاء.

الحياة هي كتاب الأديب، ومن حظه أن يعرف البؤس والشقاء وأن يدرك كيف يكون الضجر والاكتئاب،وأن يشهد بعينيه كيف يرتفع السفلة والاغبياء،وكيف يطيش الحظ الأهوج فيظلل بجناحيه رؤوس الممرورين من أهل الجاه المزيف والمجد المكذوب.

إن أراجيف المرجفين،وأكاذيب المضللين، وتنسك الماجنين وتعالم الجاهلين،واستنسار البغاث، واستذآب الكلاب،واستبسال الجبناء،كل أولئك مما يؤرث نيران الحقد في صدر الأديب الموهوب ويحوله إلى طاغية غشوم يبطش بأهل الكذب والرياء والنفاق.

والأديب الذي يتهيب الحياة ويخاف مجاهلها هو اديب رخو ضعيف ليس أهلاً لمجد القلم ولا شرف البيان.

الأدب الصادق ليس إلا حومة قتال،ولكن أي قتال؟قتال في سبيل الحق والخير والجمال.والحياة لم تكن يوماً دار سلام،إنما السلام في المقابر،فمن شاء أن يستريح فليمت،أما الأحياء فقد كتب عليهم أن يناضلوا ويقاتلوا ويصاولوا ما بقي فيهم عرق ينبض وقلب يثور،فإن جنحوا للسلم فقد استسلموا إلى سكرات الموت، وبئس المصير!

ويتابع الدكتور زكي مبارك رحمه الله:”الأدب الصادق هو الذي يحمي صاحبه من بريق الزيف والبهرج،ويصونه من الخضوع لأرباب الألقاب،ويقنعه بأن المجد الحق لا يكون إلا في ظلال الشهامة والصدق،وشرف القول والفعل،وطهارة القلب والوجدان،وأديب واحد بهذه الخلال أنفع لأمته ووطنه من ألوف العبيد الذين يلبسون ثياب السادة وهم أذلاء،ويتشدقون بأخبار الفضائل وهم في أنفسهم من أهل البغي والفسوق”.

ويقول الدكتور زكي مبارك رحمه الله(الرسالة العدد366):

“الأدب هو الترجمان الصادق للغرائز الإنسانية،ولا يجوز أن نطالب الأديب بأن يكون عبداً لزمانه وأهل زمانه،وإنما يجب أن يُسيطر الأديب على الزمان وأهل الزمان ليؤدي رسالته في قوة وصراحة وإخلاص.

الأديب أقوى من الناس ومن الزمان،وإنه لا يصور غاية زمنية أو محلية،وإنما يتسامى إلى غايات تُشرف على طوائف الإنسانية ومراحل التاريخ.

ليس الأديب مِزماراً مأجوراً يترنم بما توحي أحوالكم من إطراب وأشجان،وإنما هو قيثارة سماوية يحق لها أن تصدح بغير ماتشتهون في أيام الفرح وما تبتغون في أيام البكاء،وإن كانت أُخوته لكم تفرض عليه أن يكون سناداً لآمالكم في جميع الآحايين.

الأديب يُسيطر على الحوادث،ويرفض الاستعباد للحوادث.والأديب أشجع منكم جميعاً لأنه لا يبالي متى يموت.وهل نسيتم أن الأديب هو الذي صنع بقلبه ولسانه وقلمه حوادث التاريخ؟”.

وجاء في مجلة المنار(العدد301):

“يا أصحاب الأقلام:إن في أيديكم قوة تعمل مالا تعمل السيوف والمدافعنإن من تعظمونه بالحق يكون قدوة وإماماً في الخير لأهل عصره،ولمن يأتي من بعده،وإن من تحقرونه ولو بالباطل يكون محتقراً في زمانه ومحتقراً في التاريه حتى تستحي ذريته أن تنتسب إليه فاعرفوا قيمة أنفسكم كما عرفها بشار إذ قال:

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم                إني أخاف عليكم أن أغضبا

أبني حنيفة إنني إن أهجكم                   أدع اليمامة لا تساوي أرنبا

ويقول الأستاذ الأديب أحمد مظهر العظمة(الرسالة العدد 755):

“لا مشاحة أن للأديب تأثيراً قوياً على النفوس والافكار والعواطف والأخيلة، وأن له أثراً جلياً في حياة الأفراد والجماعات،  وأن النهضة الأدبية كثيراً ماتمهد للنهضة السياسية والاجتماعية والدينية.ولا بدع فالأديب إذا بكا بقلبه مثلا بكا يراعه، وإذا ثارت نفسه ثار اسلوبهنفكأنما هو يكتب بمداد من الدماء يكفي أن يبصره الناس حتى يهيج دماءهم ويخف بها إلى مايريد منهانوكأنما هو يخطب بأصوات من روحه لا من لسانه حسب الناس أن يسمعوها حتى تتصل بأرواحهم فتعمل فيها عمل العاصفة حينا ثم تقذف بها حيث تريد.

ويتابع رحمه الله:”إن المعركة الخلقية الاجتماعية اليوم من الخطورة بمكان،فهي عند مفترق الطرق،وهي معركة مبادئ تتضاءل ليذهب زبدها جفاء، ويمكث حقها في الأرض بعد ثبات أهله وصبرهم وجلدهم وحكمة قيادتهم.

فمن غير الأديب العربي الحمى الأنف يطارحنا بلحنه الأخاذ فيهز القلوب والمشاعر والأفكار،بل يهز الأرواح هزاً منها إلى السبيل السوي الذي يجد أهله بعده عزهم وهداهم ونعماهم فلا يضلون في مهامه المذاهب الاجتماعية الكثيرة التي لا يكاد يتبين فيها الساري وضح الطريق”.

ويقول الأستاذ الأديب العالم العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(في سبيل الإصلاح، ومجلة الرسالة العدد666 ):

“أين تلك الأقلام التي تعرّف هذا الشعب بنفسه،وتتلو عليه أمجاد أمسه،وتذكره أنه لم يخلق ليذل ويخنع،وإنما خلق ليعز ويحكم،وأن الله مابرأه من طينة العبيد،بل سوّاه من جِذم الصيد الأماجيد،وأنه أثبت من هؤلاء المستعمرين أصلاً في الارض،وأعلى فرعاً في السماء،وأكرم نفساً،وأشرف عنصرا،وأنقى جوهراً،وأنها إذا أفقرت الأيام الغني ،وأذلت العزيز،فإن الفلك دوار،والدهر دولاب،فلايغتر الفقير بالغنى الحادث،ولايأسَ الغني على اليسار الذاهب،فإن كل شئ يعود إلى أصله، وإن كل حال إلى زوال.

وأين تلك الأقلام تفهم الشعب أن المستعمرين مازهدوه في قرآنه،وصرفوه عن دينه ،وشغلوه عن تاريخه،إلا ليسلبوه أحد اسلحته، ويجردوه من أمتن أدراعه،حتى إذا قابلوه أعزل عارياً، هان عليهم اصطياده،وسهل استعباده ،فكان إليهم قياده،وأنه آن لنا أن ننتبه لمكرهم بنا،وأن نفيق من غفلتنا،ولانمشي إلى الهوان بأرجلنا، ونمكن عدونا منا بِملكنا.

أين تلك الأقلام تقول للناس:إن الإسلام جاء يكسر الأصنام وانتم رجعتم تعبدون أصناماً من لحم ودم،تأكل الخبز والحلوى والذهب وورق النقد، وتأكل كل شئ وتهضمه معدها،أصناماً تسمونها زعماء الأحزاب تجدّون وتتعبون ليستريحوا هم،وتَشقون لينعموا، وتنخفضون ليرتفعوا، وتدفعون إليهم ماكسبتموه بأيديكم الخشنة من العمل،وأنتم تقبّلون أيديهم الناعمة من الكسل،وتمنحونهم كل نعمة، ولايمنحونكم شيئاً.

أين تلك الأقلام تفضح أكبر خدعة سربت إلينا، وتردد أفظع كذبة جازت علينا،وهي دعواهم أن من الخير لنا أن نأخذ المدنية الغربية بكل ما فيها، وأن كل ماجاء من أوريا فهو خير ورشاد، وكل مابقي لدينا من الشرق فهو شر وفساد!

فأين تلك الأقلام تدل الناس على مزايانا لنحتفظ بها، وشرور الغرب لنتجنبها، وتقيم لهم الميزان العادل،وتحكم فيهم الحكم السديد، فنرتفع عن أن نكون قردة مقلدين، ونرجع عقلاء مميزين،يعرفون ما يأخذون ومايدعون!

ياخجلتاه غدا من كتاب التاريخ إذا جاؤوا يترجمون لأديب فيقولون:لقد رأى أعظم بطولة بدت من بشر،وشاهد أجلّ الأحداث التي رآها الناس،ثم لم يكتب فيها حرفاً.لقد شغلته عنها شواغل الأيام، ومباهج الأحلام،وملذات الغرام”.

ويقول الأستاذ عصام العطار:

“خير لي الا أكتب وخير لهذا القلم أن يموت من أن أفقد به ذاتي وأتحول به إلى مجرد مرآة لاشخصية لها تعكس أهواء الحكام ومايندفعون فيه من الباطل بدل أن تكون كتابتي صورة نقية لذاتي وتعبيراً صادقاً عن شخصيتي وعما أؤمن به من الحق والعدل والخير”.

يقول محي الدين عطية:

مازلت أحلم بالسطور الخضر تجتاح الجليد

بعصارة القلم الذي يقتات أنسجة الوريد

ترضعه آلاف العقول خلاصة الرأي السديد

تسقيه آلاف العيون رحيقها،أنّى يريد

بجواهر الكلمات صادقة الحروف بلا مزيد

تنساب في الآفاق طائرة كعصفور غريد

تجتاز آلاف الحدود ،كراية النصر المجيد

إننا لانعدم في كل زمان ومكان، وفي كل عصر ومِصر، أجيالاً من الكتاب والأدباء والفنانين، لاتخضع رغبة أو رهبة ،بما يمليه عليها أصحاب النفوذ،فاقدوا الضمير من الحكام وأصحاب المال والسلطة،من إملاءات وتعاليم ، ولاتخضع لسلطان الأهواء والشهوات ، والأباطيل

والأضاليل،ولاتخنع لما حُكم عليها من القوارين والفراعين والهامانيين من ضروب الفاقة والمرض والوحشة والتشرد والنفي والإبعاد والتعذيب والتشويه والافتراء وربما وصل الأمر إلى التهديد بالقتل بل وارتكابه، وتتابع طريقها في نشر الحقائق،وتحقيق الوثائق، فحددوا باليها وأنعشوا ذاويها،ورفعوا راية الحق والهدى ترفرف على شأو مرتفع لاتنال ذراه ولا يرتقى مرتقاه.تقول الحق وتنشده وتطالب به  ولا ترى في الدنيا وزخارفها ومتاعها إلا وهماً وسراباً.

يقول الأستاذ عصام العطار:

“لئن استطاع أعداء الإسلام ومستغلوه أن يكبلوني في غربتي بالقيود والأغلال، وان يمنعوني في كل مكان أستطيع أن أنشر فيه ما أعتقده من الحق، فإن أعداء الإسلام ومستغليه لن يستطيعوا أن يقوّلوني الباطل مهما مارسوه من الضغوط،ومهما كرروه من الوعيد،ومهما حاولوه من القتل،ومهما أمضوا فيه من الحرب ،ومهما لوّحوا به من المغريات….فدنياهم هذه وألف دنيا مثلها ليست أكثر في عيني من التراب”.

الشعر ليس حمامات نطيّرها

نحو السماء، ولا ناياً وريح صبا

لكنه غضب طالت أظافره

ما أجبن الشعر إن لم يركب الغضبا!

وهي أقلام كلماتها مستمدة من دمائها،وسطورها تظهر فيها آثار جروحها وكلومها،  عانقت الكلمات و المدلولات  إرادة النصر ومشاعر الإنسانية وجراحات البشرية،فامتزج مداد القلم الأسود بدم الكاتب الأحمر، وما أجمل أن يمتزج المدادان فامتزاجهما”اكسير الحياة”الذي تعيش فيه الكرامة والحرية،ولأن امتزاج اللونين يعطي الحياة مستقبلاً اخضراً زاهياً للإنسان والكون.

شرابك ظلام ونتاجك ضياء            فبورك من يُسيرك ايها القلم

إن الكاتب الحر الأبيّ هو الذي يقتات قلمه من نسيج إرادته ولحمه وأعصابه، فيكون مداده من دم قلبه وتكون كلمات يراعه مشحونة بإنفعالات أعصابه، فتظهر آثار دمه في سطوره، وتظهر آثار معاناته في كلماته.

يقول الأساذ عصام العطار:

“إننا لانكتب بالمداد، ولكن بدم القلب، فمعذرة إذا ظهر في سطورنا أثر الجراح”.

يقول نسيب عريضة

أوه! ألم يكتب لهذا القلم                إلا بأن يشكو الأسى والألم

يا قلمي الشارب خمر الشجا           والمسمع الطرس صرير النقم

من أي غصن قصك المبترى؟        من أي غيم قد سقتك الديم؟

أفي حمى الغربان ثُقفت أم             بين خوافيها ألفت الظلم؟

نشأت نعّاباً فلا غرو أن                تحس أن النعب كل النغم

أم كنت عوداً عند مستنقع               في نبتةٍ تمتص ماء الرِّمم

أم عشت في ظل من الغاب لم         تشرق عليه الشمس منذ القدم

فاسكب على الأبيض من أسود          يلذع من الأوراق لذع الحمم

ما الحبر ماتنفثه ناقماً                    ذاك سويداء الحشا يا قلم

إن سرّ قوة الكلمة ليست في اختيار الألفاظ وانتقاء العبارات،وإنما هو في مدلول قوة الإيمان الذي تعبر عنه الكلمات ومدى التزام صاحب القلم بما يقول واستعداده للتضحية بماله وذاته من أجل الحق الذي يدافع عنه.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(دراسات إسلامية  مقال بعنوان:قوة الكلمة ص134):

“في بعض اللحظات، لحظات الكفاح المرير الذي كانت الأمة تزاوله في العهد الذي مات…كانت تراودني فكرة يائسة،وتلح عليّ إلحاحاً عنيفاً. أسأل نفسي في هذه اللحظات:ماجدوى أن تكتب؟ماقيمة هذه المقالات التي تزحم بها الصحف؟أليس خيراً من هذا كله أن تحصل لك على مسدس وبضع طلقات، ثم تنطلق تسوي بهذه الطلقات حسابك مع الرؤوس الباغية الطاغية؟ما جدوى أن تجلس إلى مكتب، فتفرغ حنقك كله في كلمات،وتصرف طاقتك كلها في شئ لايبلغ إلى تلك الرؤوس التي يجب أن تطاح؟

ولا أنكر أن هذه اللحظات كانت تعذبني. كانت تملأ نفسي ظلاماً ويأساً.كانت تشعرني بالخجل أمام نفسي.خجل العجز عن عمل شئ ذي قيمة.

ولكن هذه اللحظات لحسن الحظ لم تكن تطول.كان يعاودني الأمل في قوة الكلمة.كنت ألقى بعض من قرأوا لي مقالاً،أو اتلقى رسائل من بعضهم،فأسترد ثقتي في جدوى هذه الأداة.كنت أحس أنهم يتواعدون معي على شئ ما:شئ غامض في نفوسهم،ولكنهم ينتظرونه،ويستعدون له،ويثقون به!

كنت أحس أن كتابات المكافحين الأحرار لاتذهب كلها سدى،لأنها توقظ النائمين، وتثير الهامدين،وتؤلف تياراً شعبياً يتجه إلى جهة معينة،وإن لم تكن بعد متبلورة ولا واضحة.ولكن شيئاً ما كان يتم تحت تأثير هذه الأقلام.

ولكنني مع هذا كنت أعود ـ في لحظات اليأس والظلام ـ لأتهم نفسي. كنت أقول: أليس هذا الإيمان بقوة الكلمة تعلة العجز عن عمل شئ آخر؟ألا يكون هذا ضحكاً من الإنسان على نفسه ليطمئن إلى أنه يعمل شيئاً، وليهرب من تبعة التقصير والجبن؟

ويتابع رحمه الله:

“إن قوة الكلمة شئ عجيب. إن أحلاماً كاملة قد أصبحت حقيقة واقعة، وإن نبوءات قد صحت برمتها،لكأنما كانت أبواب السماء مفتوحة،والمكافحون الأحرار يكتبون ويتوجهون بكل قلوبهم مع هذه الكلمات.

ثم عدت أسأل من جديد: ماسر قوة الكلمة؟

إن السر العجيب ليس في بريق الكلمات وموسيقى العبارات،إنما هو كامن في قوة الإيمان بمدلول الكلمات وما وراء المدلولات! إنه في ذلك التصميم الحاسم على تحويل الكلمة المكتوبة إلى حركة حيّة والمعنى المفهوم إلى واقع ملموس.

في هذا يكمن سر الكلمة وفي شئ آخر:في استمداد الكلمات من ضمائر الشعوب،ومن مشاعر الإنسان،ومن صرخات البشرية،ومن دماء المكافحين الأحرار.

إنه ليست كل كلمة تبلغ إلى قلوب الآخرين فتحركّها،وتجمعها وتدفعها.إنها الكلمات التي تقطر دماء لأنها تقتات قلب إنسان حي.كل كلمة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان.أما الكلمات التي ولدت في الأفواه ،وقذفت بها الألسنة،ولم تتصل بذلك النبع الإلهي الحي، فقد ولدت ميتة، ولم تدفع بالبشرية شبراً واحداً إلى الأمام.إن أحداً لن يتبناها، لأنها ولدت ميتة. والناس لايتبنون الأموات.

إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئاً كثيراً.ولكن بشرط واحد: أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم. أن يُطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم.أن يقولوا مايعتقدون أنه حق،ويقدموا دماءهم فداء لكلمة الحق.إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثثاً هامدة،حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناها بالدماء،انتفضت حية، وعاشت بين الأحياء.

فإلى الذين يجلسون إلى مكاتبهم،يكدون قرائحهم،لينتقوا اللفظ الأنيق،وينمقوا العبارة الرنانة،ويلفقوا الأخيلة البراقة.

إلى هؤلاء أتوجه بالنصيحة:وفِّروا عليكم كل هذا العناء،فإن ومضة الروح ،وإشراق القلب ،بالنار المقدسة،نار الإيمان بالفكرة…هو وحده سبب الحياة. حياة الكلمات وحياة العبارات.

ثم ماذا؟

ثم لايقعدن القادر على العمل، وهو يطمع أن يؤدي واجبه بالكلام.ذلك خاطر أحب أن أحذر منه بعدما أسلفت من الإيمان بقوة الكلمة، وإلى آثارها الملموسة في الحياة.إنه في كثير من الأحيان، يكون القول الفصل للشاعر الذي يقول:

السيف أصدق أنباء من الكتب         في حدِّه الحدّ بين الجِدِّ واللعب

وفي كثير من الأحيان، يصبح من العبث أن نظل نتكلم ونتكلم، ثم لانفعل شيئاً.إن الكلمات في هذه الحالة تكون استهلاكاً للطاقة الكامنة وليست توليداً للطاقة.

والكلمة ذاتها ـ مهما تكن مخلصة وخالقة ـ فإنها لاتستطيع أن تفعل شيئاً، قبل أن تستحيل حركة، وان تتقمص إنساناً.الناس هم الكلمات الحياة التي تؤدي معانيها أبلغ أداء.

إن الفارق الأساسي بين العقائد والفلسفات، أن العقيدة كلمة حية تعمل في كيان إنسان، ويعمل على تحقيقها إنسان.أما الفلسفة فهي كلمة ميتة، مجردة من اللحم والدم، تعيش في ذهن ،وتبقى باردة ساكنة هناك.

ومن هنا كانت العقائد هي الحادي، الذي سارت البشرية على حدائه،في درب الحياة المتعرج الطويل.تصعد الروابي وتهبط السفوح،وتردد حداءه في المتاهة المهلكة،فتنجو وتحيا،وترتقي وتثق في رسالتها، لأنها رسالة تنبع من أعماق الضمير،ويشتعل بها الوجدان ،ويتلالأ بها الشعور”.

ويقول الأستاذ عصام العطار:

“إذا كانت الكلمة لاتعني موقفاً والإيمان لايعني التزاماً، فقد بطل مدلول الكلمات، واستحالت ألفاظنا إلى ضرب من الخداع أو العبث او الهذيان”.

ويقول أيضاً:

“ما أعظم مسؤولية الكلمة عند من يحسون بمسؤوليتهم عنها أمام الله وأمام الضمير ولا أقول أمام التاريخ،فقد تحررنا من زمن بعيد ـ والحمد لله ـ من العبودية للتاريخ، وما يمكن ان يقوله عنا أو يحكم به علينا في مقبلات الأيام والعصور”.

ويقول أيضاً:

“إنني لا أخط كلمة واحدة إلا وأحس بتبعاتها وتبعات ما ينتج عنها في حياة من يتقبلونها ويعملون بها وحياة أمتنا وبلادنا من الصواب أو الخطا، والخير أو الشر في الحاضر والمستقبل”.

وقد يكون من نتائج الكلمة أن يلقى صاحبها الشهادة في سبيل الله أو العذاب والتشريد والنفي والإبعاد والبعد عن الأهل والأحباب.

ماذا سأقرا من شعري ومن أدبي

حوافر الليل داست عندنا الأدبا

وحاصرتنا وآذتنا…. فلا قلمٌ

قال الحقيقة إلا اغتيل أو صُلبا

وقال آخر:

شَردّوا أخيارها بحراً وبراً            واقتلوا أحرارها حراً فحراً

إنما الصالح يبقى صالحاً              آخر الدهر ويبقى الشر شرا

كسروا الأقلام هل تكسيرها           يمنع الأيدي أن تنقش صخرا

قطعوا الأيدي هل تقطيعها            يمنع الأعين أن تنظر شزرا

أطفئوا الأعين هل إطفاؤها           يمنع الانفاس أن تصعد زفراً

أخمدوا الأنفاس، هذا جهدكم        وبه منجاتنا منكم، وشكراً

ولكن كلمات شهيد الكلمة والحق تبقى بعد شهادته كالنور يضئ الطريق وينير المسالك للقادمين من بعده،وتصبح كلماته طلقات صائبة،وسيول جارفة تطيح بالظالمين وتجرف الباغين وتقتلع جذور المجرمين.

تظل جثثاً هامدة حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناها بالدماء انتفضت حية وعاشت بين الأحياء”.

ولعلّ سيد قطب ومن قبله الإمام الشهيد حسن البنا رحمهما الله وأدخلهما فسيح جنانه المثال الحي لامتزاج الكلمة بالمداد والدم، وامتزاج المدلولات بالسلوك العملي ، وامتزاج الحروف والكَلِم بالجروح والكلوم

ولقد صدقت حياة  كل منهما كلماته، فعاشا لقول الحق وماتا من أجل الحق،عاشا للمبدأ والفكرة، وماتا للقدوة والعبرة، ونسأل الله عز وجل أن يجعل روحهما الطاهرة في جنات النعيم.

عرضوا الحياة عليه وهي غباوة        فأبى وآثر أن يموت نبيلا

إن الشجاعة في القلوب كثيرة           ووجدت شجعان العقول قليلا

ربَّ البيان وسيّد القلم                      وفّيت قسطك للعلى فَنم

والصراع مستمر أبدي أزلي مابين القلم والحر ومابين الطاغوت الظالم المستعر،وإذا كان الظلام فلا بد أن يتبعه دوماً النهار، وإذا كانت الشمس لاتبزغ في كل الأيام ،والفجر وإن بدا خيوطاً في بداياته إلا أنه نذير بطلوع شمس تزيح الظلام مهما اشتدّت حلكته وطالت مدته،وإن أول الغيث قطر ثم ينهمر.

يقول الدكتور محمد حسين هيكل:

“على أن الظُلَم وإن تكاثفت،والمظالم وإن اشتدّت،والطاغية وإن استبد،كل ذلك كان من أثره دائماً  أن أثارَ شرارة الحرية فهتكت ظلمته وبددت غياهبه،وكما تتراكم السحب وتحجب الشمس،وتبعث على الأرض من الظلمة ماتنقبض له النفس ،ثم إذا بالمطر يستنفد السحب ويجعل للنور من جديد منافذه، كذلك ما تلبث هذه الظلم المتكاثفة في جو الطغيان أن تنبعث إلى نفس ملهمة كلمة الحق ترتفع في صيحة قوية خالصة،فإذا الظلم تضطرب قوائمه ،وإذا بالطاغية يكفهر وجهه وإذا المظلومون تأخذهم رعدة الخوف إشفاقاً على صاحب الصوت وعلى أنفسهم ثم إذا بالصوت يعلو ويعلو،ويرتفع ويرتفع،وإذا القلوب التي وجلت من قبل رعبا وخشية تتفتح لهذا الصوت وتستقبله فرحة مستبشرة،ثم إذا هي تتبعه مؤمنة،ثم إذا النور، نور الحرية والحق يعمّ الأرجاء، وإذا الظلم والظالمون والطغيان والطغاة قد انقلبوا صاغرين عانية وجوههم للحي القيوم”.

والصرخة الأخيرة والنداء الأخير:

هذه الأحداث تتوالى،والنكبات تتعاقب،والمصائب تتسارع وتتقارب،والأمة الإسلامية فوق كل أرض وتحت كل سماء وكوكب،تعيش أصعب مراحل حياتها،وتواجه مخاضاً إما أن يأتي بمولود جديد سليم معافىً،أو تأتي بمسخ بليد لاتقدر له الحياة أو إن كتب له البقاء فسيكون أمرّ واقسى مما كتب عليه الفناء.

إنها أيام وأيام تعصف بهذه الأمة العظيمة،تخرج من بحر من اللهيب، لتقع في محيط من النيران، هذه الأمة التي كتب لها أن تكون خير أمة أخرجت للناس لو استمرت على منهج الإله واتبعت سنة نبيه العظيم الكريم.فأين الأقلام الواعية المخلصة الشريفة المؤمنة التي تهتز قرائحها،وتتحرك مشاعرها، وأين الأدب السامي الذي يشحذ الهمم ويستثير العزائم، ويضع النقاط على الحروف، يبين مواضع العلل، ويضع لها البلسم الشافي، وينهض بالأمة من كبوتها، ويبعث فيها ماضيها المجيد لينقلها من حاضرها الوبئ الحقير إلى المستقبل الزاهي الرفيع .

نعم ياصاحبي،إن أمانة القلم أن تضرب به في كل ميدان إصلاح،وأن تقرع به كل معالم ومظاهر الفساد،لا تمنعك رهبة عدو ظاهرأو متخفي في ثياب صديق،ولا رغبة في مودّة صديق أو قريبنوأن لا يسكت قلمك عن إنكار المنكر،وكذلك لسانك،وربما الاثنين معاً،وأن تتحمل تبعة ذلك البيان قلماً ولساناً مؤدياً زكاة البيان في الدفاع عن الحق والفضائل والأعراض،والهجوم على المنكر والفجور والغباحية والشهوات،وأن تشهر القلم الشريف المحصّن بالأخلاق والدين ضد زنا الأقلام المأجورة والتي كثرت ونمت وتكاثرت في أمتنا تحت طائفة كبيرة ممن يسمون الرواد والصحفيين والكتاب والذين صارت لهم كتب تُقرا،ومقالات تُدرس ،ومجلات تُوزع،ورسائل دكتوراه في أبحاثهم وافتراءاتهم على المستوى المحلي والعالمي،وما محتواها إلا الترجمة الفنية لحديث المراقص والمواخير،وبيوت الخنا والزنا،مفسدة للعقول،هادمة للفضائل والأخلاق،وخاصة للشباب والشابات الذين يكونون في سن تصرخ بها الغرائز،وتغلي الدماء في العروق.

يجب يا صاحبي:أن تُجرد الأقلام من أغمادها،وتشرع حتى تصدع على هؤلاء الفاسدين حجارة القصور التي يعتصمون بها،ومن ورائهم السلطان السياسي والمادي والأخلاقي.

إن حملّة الأقلام الشريفة العفيفة هم أطباء وأساة هذه الأمة التي تعيش مراحل انهيار وتصدع وسفاف على كل المستويات،وعند هذه الأقلام الشريفة دواء الأمة،الذي يرجع لها صحتها وعافيتها،وإن لكل أديب شريف رسالة،فليتق الله لكي يكون عوناً له على تأدية رسالته.

إن المستقبل لهذا الدين، وإنما هي كبوات وعثرات، ولكن لابد لهذا الفارس أن ينهض من بعد عثرته، ولابد لهذاالمارد أن يصحو من غفوته، وتحسبونه بعيداً ونراه قريباً.والحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين.

العدوى بين الطبّ والإسلام

 بسم الله الرحمن الرحيم 

العدوى بين الطبّ والإسلام

عناصر الموضوع :

الإنتان ومقاومة الإنتان

تعريف علم الوبائيات

شروط العدوى : العوامل المُمرضة

الثوي (المُضيف)

طرق الإنتقال

سبل الإنتقال

الإسلام والقواعد الصحية في التقليل من حدوث العدوى:

اولاً: العدوى عن طريق الجهاز التناسلي

ثانيًا :عن طريق جهاز الهضم

ثالثاً: عن طريق الحيوانات

رابعاً:  عن طريق الجهاز التنفسي

خامساً: عن طريق الجلد

مفهوم العزل الصحي

مفهوم الحِجر الصحي

مشيئة الله شرط في حدوث العدوى

الإعجاز الطّبي  في السنّة النبوية: مثال مرض الطاعون

(يراجع بشكل مفصل في بحث أمراض موصوفة بين الطب والدين في الموقع)

عيادة المريض بين السّنة النبوية الشريفة والطب

(يراجع بشكل مفصل في الموقع في مكان آخر)

التوعية الصّحية

الإنتانات ومقاومة الإنتانات

الإنتان:هو غزو الكائنات الدقيقة الممرضة لأنسجة الجسم.والجسم معرض لأنواع عديدة نت الكائنات الممرضة الموجودة في كل مكان.

آليات الدفاع الطبيعية غير النوعية لجسم الإنسان:

إن الجهاز المناعي البشري عبارة عن جملة معقدة،ذات وظائف عديدة،وإن أي خلل في هذه الجملة قد يؤدي إلى انتانات شديدة،وعواقب وخيمة.

إن إصابة الإنسان بمرض انتاني شديد يعني غالباً وجود ضعف مناعي في الجملة المناعية البدنية،وهذا الضعف يمكن أن يسبب أمراضً انتاية عديدة.ومن أسباب هذا الضعف المناعي:التقدم في السن،والأمراض المدنفة،والأمراض الاستقلابية،والحوادث،والعمليات الجراحية الشديدة.

وإن الجملة المناعية البشرية تتألف من مجموعة آليات نوعية وغير نوعية،وهي ذات طبيعة خلطية أو خلوية،والآليات اللانوعية تؤثر في العوامل الغازية الضارة حتى بدون وجود تماس سابق معها،أما الآليات النوعية فلا بد أن يكون هناك تماس سابق مع العوامل الممرضة.

وإن أهم آليات الدفاع غير النوعية:

1 ـ الحواجز الطبيعية:ونعني بها الجلد والأغشية المخاطية.

يعتبر الجلد بطبقته المتقرنة حاجزاً  آلياً جيداً ،وكذلك بسبب كونه جافاً،وبسبب بيئته الحمضية.

وكذلك الأغشية المخاطية لأجهزة التنفس والإفراغ،وانبوب الهضم.حيث أن هذه الأجهزة وبواسطة حركة الأهداب كما هو الحال في الأنف والجهاز التنفسي،والحركة الإفراغية،والحركة التقلصية الحوية كما في انبوب الهضم من طرد العناصر الأجنبية.ويحدث الإنتان في حال وجود خلل يصيب الآليات السابقة كانسداد المجاري البولية،أو تراكم المخاط في الجهاز التنفسي(السدادات المخاطية)أو نقص حركات العضلات الملس (الحركة الحوية) كما هو الحال في الإمساك المزمن.أو اضطراب حركة الأهداب في الشجرة القصبية وخاصة عند المدخنين،أو بسبب بعض الأمراض كما في الداء الكيسي اللبفي فإنها تسبب حدوث الانتانات المتكررة.

كما أنه توجد في الإفرازات المخاطية القصبية والهضمية والبولية بعض عناصر المناعة الخلطية حيث تتشكل فيها الغلوبولينات من نوعIGA،وهو عنصر دفاعي موضعي هام.

كما أن الجسم يستطيع وبواسطة الأنسجة الليفية أو بواسطة الملاط الخلالي(المادة بين الخلايا) ووجود حمض الهيالورونيك وبواسطة شبكة الليفين التي تتواجد في الأنسجة الالتهابية أن تحد وتمنع انتشار ومرور العوامل الممرضة.

2 ـ التأثير الإيجابي للجراثيم المعايشة(الفلورا):حيث وجد أن المكورات العقدية اللعابية تسبب هلاكاً لعصيات الخناق(الدفتريا) والمكورات السحائية وذلك بإفرازها بعض المواد القاتلة لها،كما وجد أنه في أثناء الحمل فإن العصيات اللبنية المعايشة تخمر الغليكوجين والموجدود في بشرة المهبل وهذا الإفراز المهبلي الحامضي له تأثير مهلك لعدد من الجراثيم والمكورات العقدية والعنقودية.

3 ـ مبيدات الجراثيم العضوية:عرف منذ زمن بعيد بأن سوائل الجسم وخاصة الدم،ذات تأثير مقاوم للأخماج،وإن هناك مواد مقاومة للجراثيم توجد في مفرزات  وسوائل الجسم والأنسجة وفي مصل الدم.وإن الحموض الدسمة ذات السلسلة الطويلة ومنها حمض الزيت والذي يوجد في الإفراز الحامضي الخفيف للجلد يعتبر مميتاً لعدد كبير من الجراثيم الملامسة للجلد ومنها المكورات العقدية القيحية،والوتديات الخناقية،وأما الجراثيم المستوطنة في الجلد ومنها المكورات العنقودية الأذنية والعنقوديات البيضاء فإنها أكثر مقاومة لهذه الحموض.وتبين أنه يوجد في حليب الثدي بروتين ويدعى اللاكتينين وهو ذو تأثير مبيد للمكورات العقدية القيحية.وبالتالي يساعد في الوقاية من التهاب الثدي النفاسي والتهاب الحلق عند الوليد.كما أن حموضة المعدة ذات تأثير قاتل لعدد كبير من العناصر المرضية.

4 ـ الجسيمات الحالة(الليزوزوم):وهي خمائر حالة للمخاط،اكتشفها فلمنغ وتوجد في سوائل وأنسجة الجسم ،وخاصة الإفرازات الدمعية،وهذه الجسيمات عبارة عن بروتين أساسي يفصل السكاكر عن البروتينات السكرية لجدار الخلية الجرثومية وبالتالي فإن الجرثوم يفقد حميته.وهذه الجسيمات الحالة تؤثر بشكل خاص في الجراثيم إيجابية الغرام.وخاصة المكورات الهنقودية كما أنها تؤثر في عصيات الجمرة الخبيثة.كما أنها تسرع تخريب الجراثيم الممرضة سلبية الغرام بوجود الاضداد المناعية.

5 ـ البروتينات الأساسية:إن كثيراً من البروتينات الأساسية الناجمة عن تخريب الأنسجة والخلايا الدموية أثناء الالتهاب والإنتان تستطيع أن تؤثر في جدار خلية الجراثيم وتسبب تخريبها.وهذه البروتينات تشمل السبيرمين والسبيرميدين،والتي تقضي على عصيات السل .وأما البروتامينات والهستونات فإن لها دور هام أيضاً.كما أن الكريات البيضاء تشكل بروتينات أساسية.

6 ـ البروبيندين:في عام 1954م اكتشف أحد العلماء هذا البروتين ذو الوزن الدري العالي،وهو ذو تأثير قاتل للجراثيم،ويعتبر أحد مقومات المصل الدموي الطبيعي.ويعتبر فعالاً تجاه الجراثيم سلبية الغرام.وهذا البروتين يشارك في تخريب وحيدات الخلية،والكريات الحمر الشاذة،وبعض الفيروسات.

7 ـ المواد المضادة للفيروسات:إن الإفرازات الأنفية والمصل الدموي عند الأشخاص السليمين تحتوي القدرة على تعديل بعض الفيروسات ومنها حمات النزلة الوافدة وفيروس الجدري وفيروس النكاف.كما أن استقلاب الكريات البيض والخلايا الأخرى في نسيج ملتهب تؤهب بصورة نهائية إلى تراكم موضعي لحمض اللبن وغاز بلا ماء الفحم،مع نقص الأوكسجين،وهذه من العوامل الهامة للقضاء على نمو بعض العصيات وخاصة السل،وبعض المكورات العنقودية.

8 ـ الانترفيرون:

هي مجموعة من البروتينات يتم تشكيلها في الجسم،وأول ما أكتشفت عام 1957م،وسميت بذلك لأنها تقي الجسم والعضوية من الإصابة مجدداً ببعض الفيروسات .وقد أمكن في السنوات الأخيرة معرفة صفات وتركيب هذه المركبات وإنتاجها بكميات كبيرة للعلاج.

والانترفيرون:مواد تفرزها العضوية،وتعتبر أحد عناصر أو مركبات جملة الدفاع اللانوعي في العضوية.وهي ذات تأثير لا نوعي وخاصة تجاه بعض الفيروسات.وهي لاتؤثر على الفيروس بالذات،وإنما على مستوى الخلية بالذات بحيث تجعل الخلية قادرة على منع تكاثر الفيروسات.وتصنف الانترفيرونات إلى ثلاثة أنواع:

1 ـ الانترفيرون ألفا:وهذا يفرز بشكل خاص من الكريات البيض.

2 ـ الانترفيرون بيتا:وهذا يتم تركيبه من أرومات الليفFibroblast،

3 ـ الانترفيرن غاما:وهو يفرز من الخلايا اللمفيةT،بعد تنبيهها بالمستضدات،وهو يعتبر أحد أفراد مجموعة الليمفوكينين.

آلية التأثير:هذه المركبات تثبط نمو وتكاثر العديد من الفيروسات،كما أنها تثبط نمو وانقسام الخلايا الطبيعية والورمية،كما أنها مثبطة للتفاعلات المناعية وخاصة النوع غاما.ولها تأثير رمضاد للأورام.

وتستعمل الانترفيرونات سريرياًُ في معالجة بعض الفيروسات وخاصة المحدثة بحمات Papillom،فهي تفيد في علاج الورم الحليمي الشبابي في الحنجرة،ومعالجة الثآليل التناسلية والعادية في الأطراف.ومعالجة حمات العقبول البسيط وخاصة التهاب القرنية أو الدماغ وحمات داء المنطقة.

كما تعطى المركبات في معالجة بعض الأورام وخاصة سرطان الكلية وابيضاضات الدم.

9ـ البلعمة:

إن خط الدفاع الخلوي الأول تجاه العناصر المتسللة هي الكريات البيض المفصصة أو ماتسمى بالمحبباتGranulocytes،وهذه وبوجود الحفازات الكيماوية تسرع إلى مكان بؤرة الالتهاب وبسرعة،وتلتهم العناصر المتسللة(البلعمة) وتقضي عليها داخل أجسامها.ولكن هذه الخلايا ذات سعة محدودة نسبياً وتموت بعد عدة ساعات ويتشكل عنها القيح.

إن عملية البلعمة هو الدور الرئيسي الذي تقوم به الكريات البيض من نوع المفصصات أو بالعات الصغير،من أجل هضم وارتشاف العامل الممرض،والأشلاء الخلوية،..

وأما خط الدفاع الثاني فيتجلى بدور الكريات البيض من نوع بالعات الكبار Macrophage،والخلايا اللمفية من نوع T cellsوتسمى أيضاً الخلايا القاتلة،وهذه تستطيع أن تعطل وتبطل وظيفة العناصر المرضية المتسللة،وهي تؤثر حتى بدون وجود تماس مباشر وآلية عملها أنها ذات تأثير سمي خلوي.

وتقوم أيضاً بالعات الكبير (الماكروفاج)وهي تتشكل خاصة من وحيدات النوى(المنوسايت).وقد وجد عدداً من الخمائر التي تساعد في عملية البلعمة داخل هذه الخلايا وخاصة منها:الفاجوسيتين،واللوكينز.

وهي خلايا من الكريات البيض وتسمى الخلايا الملتهمة،وهي مؤهلة من أجل مطاردة واصطياد الكائنات الغازية في الجسم.وهذه الخلايا البالعة تشمل البالعات الصغيرة(المايكرو فاج)ونعني بها الكريات البيض متعددة النوى،متعددة الأشكال،ووحيدات النوى(المونو سايت)وتمثل 70% من كامل مجموع الكريات البيض،وهناك أيضاً البالعات الكبيرة(الماكروفاج)ونعني بها الخلايا الموجودة في الطحال والكبد،والنقي والعقد اللمفية وخلايا القميص الضام للاوعية الدموية،والخلايا الناسجة للنسيج الضام.

إن الكريات البيض  المفصصة ووحيدات النوى تهاجر من الأوعية الدموية نحو الأنسجة الملتهبة .وعندما تحصل الأذيات يلاحظ ازدياد وسرعة هذا الانسلال والهجرة إلى المناطق المؤوفة،وخاصة إذا ترافقت الآفة مع تخرب خلوي نسيجي.

ويلاحظ في الساعات الأولى من الالتهاب ازدياد هجرة المفصصات وخاصة من المعتدلات وخاصة إذا كان الالتهاب قيحي الطبيعة.بينما في الإصابة بالسل أو الحمى التيفية فإنه يلاحظ انعدام وجود المفصصات وإن كانت تشارك في مراحل الالتهاب الأولى،ولكنها تختفي بسرعة،وإنما يلاحظ وجود الخلايا اللمفية بكثرة.

وإن هذه الخلايا تعمل بشكل أفضل إذا كان هناك سطح استناد تعمل عليه،وهذا مايوفره وجود شبكة الليفين في النسيج الملتهب حيث تساعد في تقديم سطح الاستناد هذا.

وأما إذا تجاوزت العوامل الممرضة خط الدفاع الأول والثاني فإنها تواجه ما يسمى خط الدفاع النوعي والذي يتمثل بالمناعة الخلطية والخلوية،والذي يتعرف على الأجسام الغازية من خلال مايسمى الذاكرة المناعية وبالتالي تتشكل العوامل اللازمة للقضاء على هذه الكائنات الغازية من خلالتشكيل الأضداد النوعية وهذا مايسمى المناعة الخلطية أو بتفعيل بعض الخلايا اللمفية وهذا مايسمى المناعة الخلوية،وسنتكلم بالتفصيل عنهما لاحقاً بإذن الله.

كيف تحصل البلعمة؟

إن دخول العوامل الممرضة للجسم يستدعي انطلاق بالعات الكبار لبؤرة الأنتان،وذلك من خلال الحفازات الكيماوية،وفي البدء تتشكل الأطراف أو الأرجل الكاذبة من الكريات الملتهمة،وهذه تحيط بالعامل الممرض ويتم الإحاطة به وابتلاعه.وبعد دخوله لداخل الكرية البيضاء البالعة تحصل عليه عملية الهضم بواسطة الخمائر الحالة شديدة الفعالية،.

وإذا كانت العوامل الممرضة ذات محافظ في تركيبها مثل المكورات الرئوية أو محبات الدم للنزلة الوافدة فإنها ليست سهلة البلعمةـويحتاج الأمر في البداية لتخريب هذه المحافظ وذلك من خلال عملية تسمى الطهيOpsoniering،وهذا يسهل البلعمة فيما بعد،وأما عملية الطهي هذه فهي ارتباط الطاهياتOpsoine مثل بعض عوامل المتممة على المستقبلات النوعية لأسطح هذه العناصر الممرضة والقضاء عليها وتخريبها.

وإن الكريات البيض التي تساهم في الدفاع عن العضوية تجاه العوامل الممرضة تتكون بشكل رئيسي من:الكريات البيض المعتدلة،والخلايا اللمفاوية.

يبلغ عدد الكريات البيض في الحالة الطبيعية حوالي 6000 ـ 10 آلاف،وفي حالات الالتهاب يرتفع العدد وقد يتجاوز الثلاثين ألفاً،وهذا حسب الالتهاب وشدته،وهذه الزيادة غالباً على حساب الكريات البيض المعتدلة،ولكن أحياناً على حساب زيادة اللمفيات كما هو الحال في السعال الديكي،وفي خمج وحيدات النوى.وفي بعض الالتهابات يشاهد على العكس من ارتفاع تعداد الكريات البيض نقصها كما هو الحال في الحمى التيفية وفي السل أحياناً.

ـ الكريات البيض المعتدلة:

ثلاثة أنواع:

1 ـ الكريات البيض المعتدلة:Neutrophils:

وهي الخلايا الأكثر أهمية والأغزر عدداً من الكريات البيض.وتحتوي في الهيولى الخلوية على الجسيمات الحالة والخمائر .وهي تشكل نسبة 50 ـ 70% من الكريات البيض في الدورة الدموية.وهي تعتبر العنصر الدفاعي الأول عن الجسم في حال حدوث الالتهابات.ويؤهلها لذلك أنها ذات حركة متحولية ونشيطة،وأنها تستطيع القيام بالبلعمة والانسلال من الأوعية إلى مكان الالتهاب.وهي أول الخلايا التي تصادف في المنطقة الملتهبة

2 ـ الكريات البيض الحمضة:Eosinophils:وهي تشابه الخلايا السابقة ولكنها أقل حركة،وتكون بنسبة 1 ـ 2 % من الكريات البيض.ولكن عددها يرتفع وبسرعة وبشكل ملحوظ في بعض الأمراض التحسسية وخاصة الربو القصبي،وفي الانتانات الطفيلية،وفي التفاعلات التحسسية وقد تصل في ناحية الالتهاب إلى 50%.وترتفع في الدم والأنسجة في أمراض الربو والتهاب الشرايين العقِد وأدواء التحسس وخاصة بسبب غبار الطلع وفي التأق …ولوحظ علاقة تركيز هذه الخلايامع هرمونات قشر الكظر حيث لوحظ نقصها في الدوران في متلازمة كوشينغ.

3 ـ الكريات البيض الأسسةBasophils:وهي توجد في الدوران بنسبة أقل من 1%.

ـ الخلايا اللمفاوية:

وهي أصفر من المعتدلات  وأكبر قليلاً من الكريات الحمراء.وهي تتكون في جميع العقد اللمفية في الجسم وفي بعض الأجربة اللمفية كتلك الموجودة في اللوزتين،وصفيحات باير في الأمعاء الدقيقة، وكذلك تتشكل في نقي العظام.وهي تشكل نسبة 25 ـ 30% من الكريات البيض في الدم.وهي علامة مميزة في الالتهابات المزمنة،وتشاهد بشكل خاص في داء السل وانتان وحيدات النوى.والوظيفة الرئيسية للخلايا اللمفية هو تشكيل الاضداد وهو مايسمى المناعة الخلطية.حيث من المعروف أنه توجد خلايا تعود إلى الخلايا اللمفية وتسمى الخلايا المصورية Plasma cells وهي توجد في الأنسجة فقط ولا توجد في الدوران في الحالة الطبيعية وتشاهد خاصة في الالتهابات المزمنة ،وهي الخلايا المسؤولة عن تشكيل الأضداد الدموية.

 ـ المناعة الخلطية:وذلك بتشكيل الأضداد الجوالة في الدورة الدموية والتي تشكلها خلايا خاصة وهي الخلايا المصورية.

.وهذه الأضداد تكون موجهة تجاه مولدات الضد (الأنتي جين) للعوامل الممرضة.فإذا ماشكل الجسم هذه الاضداد وقاوم بها العوامل الممرضة فإنها تسمى المناعة الفاعلة ،وهذه الاَداد النوعية تظهر بعد أيام إلى أسابيع في المصل الدموي،ويمكن عيار تركيزها في الدم،بوسائل عديدة،وتبقى هذه الاضداد في المصل لفترة طويلة قد تكون عدة سنوات وقد تستمر مدى الحياة.

وأما إذا أعطي المريض الأضداد من إنسان آخر فإنها تسمى المناعة المنفعلة،ومثال على ذلك وجود الأضداد الوالدية في جسم الوليد والتي تصل إليه عن طريق المشيمة أثناء الحمل، والتي تقيه من بعض الأنتانات خلال الأشهر الأولى من العمر،كما هو الحال في مرض الحصبة  والدفتريا حيث أن المواليد لايصابون غالباً بالحصبة  أو الدفتريا خلال الأشهر الأربعة الأولى بعد الولادة لوجود الأضداد الوالدية في مصولهم.ولكن هذا الأمر لاينطبق على السعال الديكي.

وكذلك الحال أيضاً بعد إعطاء المصول المضادة لبعض الامراض ومنها الكزاز والذي يعطى بشكل واق بعد التعرض للجروح أو الأذى .فهذه مناعة منفعلة مكتسبة صنعية.

وفي حال وجود أمراض  تترافق مع نقص المناعة الخلطية فإن المصابيت عرضة للإصابة بالإنتانات المعاودة والمتكررة وخاصة بالمكورات الرئوية أو محبات الدم للنزلة الوافدة أو المكورات العنقودية ..وهذه الجراثيم أكثر ما تصيب الجلد والمجاري التنفسية.

ـ البالعات الكبيرة:أو وحيدات النوى:Monocytes:

ويطلق عليها أيضاً الخلايا الناسجة أو خلايا الشبكة البطانية،وهي تكون حوالي4 ـ 6% من الصيغة الكريوية في الدم.وهي تشاهد في الأنسجة وتعيش فترة أطول من المفصصات،ويقال أن عمرها أسابيع لعدة أشهر.

ووظيفة وحيدات النوى وبالعات الكبار في عملية البلعمة،وهي تشكل خط الدفاع الثاني بعد المفصصات.وهي تلعب دوراً هاماً في بعض الانتانات مثل السل وداء الملاريا.

وإن خلايا وحيدات النوى تشكل نوعين من الخلايا العرطلة:Giant cells:وهما:

1 ـ خلايا لانغهانس:

2 ـ خلايا الجسم الأجنبي.

وهي خلايا قد يصل قطرها حتى 100مكرون،ويقال أنها تنجم بسبب التحام عدة حلايا من وحيدات النوى،أو بسبب الانقسام النووي دون الهيولي لوحيدات النوى.

 ـ المناعة الخلوية:والتي تختص بها خلايا معينة تجاه العوامل الممرضة،وهي الخلايا اللمفية،ويوجد لها نوعان في الجسم:

1 ـ الخلايا اللمفية T،وهي المعتمدة على غدة الصعتر(الثيموس):وأثناء طور نضجها فإنها تزود بمستقبلات نوعية سطحية،تفيد في التعرف على المستضدات المناسبة والتفاعل معها.وهذه الخلايا تقسم بدورها إلى:

1 ـ الخلايا المستقبلة:T Effector cells،وهذه بدورها تقسم حسب وظائفها ومستقبلاتها السطحية إلى:

ـ الخلايا المساعدة T help cellsوهذه ذات وظائف عديدة:التعرف على المستضدات،وتنبيه الخلايا اللمفية من نوعB،وإفراز اللمفو كينين،والمساعدة على تحويل الخلايا المثبطة إلى الخلايا القاتلة.

ـ الخلايا المثبطة أو الخلايا القاتلةT Supressor cells:وأهم وظائفها:تثبيط الاستجابة المناعية من خلال “خنق” عمل الخلايا المساعدة،ولها تأثيرات سمية خلوية تجاه الخلايا المؤوفة بالفيروسات،وتجاه الخلايا الورمية السرطانية،والأنسجة الغريبة.

2 ـ الخلايا B،وهي المعتمدة على نقي العظم

فالخلايا T هي المسؤولة عن المناعة الخلوية،والثانية B هي المسؤولة عن تشكيا الخلايا المرتبطة بالمناعة الخلطية أي تشكيل الأضداد،وهناك علاقة واضحة مابين النوعين من الخلايا،بحيث لا يعما أحدهما بدون الآخر.

وقد تبين أنه توجد خلايا في الأنسجة المولدة للدم تدعى الخلايا المنتشة وهي خلايا لا علاقة لها بالناحية المناعية،أي أنها لا تتفاعل مع المستضدات أو تحدث تفاعلاً مناعياً.وأثناء التطور الجنيني فإن قسماً من هذه الخلايا المنتشة يهاجر إلى التيموس وهناك وتحت تأثير عوامل موضعية يحدث إنضاج لهذه الخلايا وتتحول إلى الخلايا T،وبعد تشكيل هذه الخلايا فإنها تهاجر من التيموس وتسكن الأنسجة اللمفية المحيطية،كما أنها تستقر في أنسجة معينة خاصة تسمى الأنسجة المعتمدة على التيموس،ومنها المناطق قرب القشرية في العقد اللمفية وفي الأجزاء الداخلية من الطحال.وإن 50 ـ 70% من الخلايا اللمفية في الدم المحيطي هي من نوع الخلايا T.وإن غدة التيموس لها دور هام في إنضاج هذه الخلايا،وتلعب دورها الرئيسي أثناء طور المضغة والجنين.وأما بعد الولادة فإن الجملة اللمفية المحيطية تكون قد تميزت وتعتمد على نفسها وحتى مع غياب غدة التيموس.وهذا يعلل عدم حصول اختلاطات بعد استئصال التيموس بعد الولادة.

أما الخلايا B فإنه يتم إنشائها بدون الحاجة إلى التيموس.وهذه الخلايا توجد في المناطق تحت المحفظة من العقد اللمفية،واللب الأحمر في الطحال،وفي الأقسام المحيطية من الطحال،وهي تشكل فقط 5 ـ 12 % من الخلايا اللمفية في الدم المحيطي.

وإن الخلاياT و B ليسا خلايا نهائية بل لديهما الاستطاعة على الانقسام والحركة،وأكبر المنبهات لتكاثر هذه الخلايا هو التعرض للمستضد.

إن الخلاياB بعد التعرض للمستضدات تنبه الخلايا المصوريةPlasma cells،على إفراز الاضداد،وإن كل خلية مصورية قادرة فقط على انتاج أحد الأنواع من الغلوبولينات المناعية.

وأما الخلايا T فإن لديها آليات تتفاعل بها مع التفاعلات المناعية،فبعض هذه الخلايا يفرز وسائط كيماوية تسمى الليمفوكين،والبعض الآخر يعمل بمثابة خلايا مستقبلة،مثل بالعات الكبار،والبعض الآخر يمكن أن يخرب خلايا هدفية معينة  وهذا يسمى بخاصية السمية الخلوية،كما أن هذه الخلايا قد توجه الخلاياB  في التفاعلات الخلطية التي تحتاج الأضداد،وهناك خلاياT تحدد حجم التفاعل المناعي زيادة أو تثبيطاً وهذا يسمى خاصية التثبيطSuppressor.

إن المناعة الخلوية تبرز أهميتها تجاه العديد من الانتانات الجرثومية والسل وتجاه معظم الفيروسات والفطور والأوالي.

كما أن المناعة الخلوية ذات دور هام في حماية الجسم تجاه تشكل الخلايا السرطانية،ولها دور في تفاعلات رفض الأعضاء.

آليات المناعة البدنية:

يتألف التفاعل المناعي الذي يقوم به البدن من مرحلتين:

1 ـ التعرف على المادة الأجنبية.والبدن يتمتع بآلية خلقية تسمح له بأن يتعرف على ما هو منه أي الذاتSelf،وما هو أجنبي أي ليس منه ونعني به الغريب.

2 ـ نبذ هذه المادة الأجنبية.

تنجم المناعة في البدن عن وجود أضدادAntibodies،تستطع أن تكبل المادة الاجنبية،و تدعى المادة الأجنبية التي تستدعي تشكيل الأضداد تجاهها في البدن باسم المستضداتAntigins.ويشترط في المادة الأجنبية كي يكون لها صفات المستضد أن يكون لها وزناً جزيئياً كبيراً نسبياً،ويعتمد أيضاً على الطبيعة الكيميائية للمادة الاجنبية، فالشحميات وحدها ليست لها صفات المستضد،وأما البروتينات وعديدات السكريات فهي من المستضدات.شأنها شأن البروتينات الشحمية،وعديدات السكريد الشحمية.

وكذلك فإن بعض الجزيئات الصغيرة مثل ثاني نترو كلور بنزين أو البريمولين وهو الجوهر الفعال في زهرة الربيع يمكن أن تنشب في بروتين من بروتينات البدن فتؤلف معها مركباً معقداً غريباً عن “الذات” ويكون البدن تجاهها أضداداً،تستطيع الاتحاد مع المعقد الكامل،وتدعى هذه المواد باسم النواشبHaptens.

يمكن تصنيف التفاعلات المناعية إلى فئتين:فئة التفاعلات المباشرة التي تقوم بها الخلايا، وهي الخلايا اللمفية بصورة عامة،وفئة التفاعلات التي تقوم بها عوامل خلية ونعني بها البروتينات المصلية والتي تدعى الكريوينات المناعية(Immunoglobulins)

تكون المناعة ذات النموذج الخلطي تحت إشراف النسيج اللمفي المبثوث في جدار الأمعاء الدقيقة والزائدة الدودية.حيث يصل المستضد بالبالعات الكبار إلى المنطقة اللبية من العقد اللمفية فيتفاعل له الوصل القشري اللبي والحبال الللبية في العقد اللمفية،وكذلك اللب الأحمر في الطحال فتتولد الأرومات المصورية (البلاسمو بلاست)والتي تنشأ عنها الخلايا المصورية(البلاسمو سايت)وهي الخلايا التي تفرز الكريونيات المناعية.

أما المناعة ذات النموذج الخلوي فهي تكون تحت إشراف غدة التوتة(الثيموس)،وهنا يبقى المستضد في مكانه لا يغادره،وتنفعل به الخلايا اللمفية التي تمر به،وبالتالي تتفاعل الناطق اللمفية المحكومة بالغدة التيموسبة،وهي المناطق جنب القشرية من العقد اللمفية واللب الألبيض من الطحال، فتتولد فيها الأرومات المناعية التي تتكاثر عنها الخلايا اللمفية المتحسسة.

أسرة الغلوبولينات المناعية:

يتألف جزىء الغلوبولين المناعي ويرمز إليه اختصاراً Ig،من أربعة سلاسل عديدة الهضميد،تربط بينها جسور ثنائية الكبريت،سلسلتان خفيفتان،وسلسلتان ثقيلتان. تحتوي السلسلة الخفيفة حوالي 210 من الحموض الأمينية،وتحتوي الثقيلة على حوالي 430 من الحموض الأمينة.

أما السلاسل الخفيفةL فقد وجد أنها مشتركة بين جميع أصناف الغلوبولينات المناعية وتدعى كذلك بروتينات بنس ـ جونس وتقسم إلى نوعين كابا ولمدا.ولكن النوعين معاً لا يوجدا في غلوبولين مناعي واحد.

وأما السلاسل الثقالH،فتقسم إلى خمسة أنواع:ألفا،وجاما،ومو،ودلتا،وابسيلون.وتكون السلسلتان الثقيلتان متشابهتان دوماً.

وتصنف الغلولولينات المناعية تبعاً للسلاسل الثقال إلى خمسة أصناف:IgA ،IgG ،IgM، IgD، IgE.

1 ـ IgG:يؤلف حوالي 75% من مجمل الغلوبولينات المناعية في جسم الإنسان،ويوجد له أربعة أصناف على الأقل تختلف في سلاسلها الثقال،وهو الغلوبولين المناعي الوحيد الذي يعبر المشيمة إلى الجنين بصورة الانتقال الفاعل.ويستطيع أن يسبب التأق الجلدي المنفعل.سرعة اصطناعه في الإنسان حوالي 35مغ لكل كغ في اليوم،وعمره النصفي حوالي 23 يوماً ويستطيع أن يتحد بجزيئين لمستضدين،وزنه الجزيئي 150 ألف،ويبلغ مستوياته المصلية الكهلية 1200 مغ لكل 100مل في السنة الثانية من العمر.

وهو الرئيسي الذي يتشكل في مواجهة الجراثيم المقيحة إيجابية الغرام،والحمات الراشحة،ويبدأ الرضيع بتشكيله ابتداءً من الشهر الثاني من العمر.ولكن دم الحبل السري يحوي على هذا الغلوبولين بمقادير تعادل ما عند الأم وتشكل لدى الوليد ما يسمى المناعة المنفعلة.

2 ـ IgM:يؤلف 7% من مجمل الغلوبولينات المناعية،ويستطيع كل جزىء منه أن يتحد مع خمس مستضدات،وهو أبكر الاضداد اصطناعاً لدى الوليد استجابة لتنبيه المستضد،وسرعة اصطناعه حوالي 8مغ لكل كغ في اليوم،وعمره النصفي خمسة أيام،ويتم الوصول إلى مستوياته المصلية الكهلية أي 120 مغ لكل 100مل في الشهر السادس إلى التاسع من العمر،ولكن الجنين يستطيع اصطناعه في الحياة داخل الرحم فهو أول غلوبولين مناعي يتشكل عند المولود وأول غلوبولين مناعي يترتكس تجاه المستضدات،ولكن كميته القليلة لاتسمح له بتحمل عبء الدفاع بصورة مطلقة وكاملة.

3 ـ IgA:وله نوعان :الأول في المصل ويؤلف حوالي 15% من الغلوبولينات المناعية الجوالة في الدم،وسرعة اصطناعه 35مغ لكل كغ باليوم،وعمره النصفي حوالي 6 أيام،وهو لايثبت المتممة.

والثاني:وهو الإفرازي الذي يوجد في الدموع واللعاب والسوائل الأنفية والقصبية والهضمية وفي المجاري البولية،وهذا النوع الإفرازي يمر من اللبأ(حليب الأم) إلى الرضيع وله أهمية في تعديل الجراثيم في انبوب الهضم.وهو ذو تأثير كبير وفعال تجاه الجراثيم والفيروسات.

يبدأ الرضيع في تكوين مقادير مناسبة منه بين الاسبوع الثاني والثالث من العمر.

4 ـ IgD:يوجد بمقادير زهيدة في المصل وعمره النصفي أقل من 3 أيام.

5 ـ IgE:وهو من الغلوبليات المناعية التي لها علاقة مع التفاعلات التحسسية ويكون بتراكيز بسيطة في المصل ولكنها تزداد في حالات الأرج.وعمره النصفي يومان.توجد هذه الأضداد بشكل لاطىئ على الخلايا الأسسة(الباسوفيل)،وهيتسمى أضداد التأق أي التفاعلات الأرجية من النموذج الأول.ومن أهم أشكالها التحسس الربيعي أو التحسس لأشعار الحيوانات كالقطط والكلاب حيث يتم اتحاد الضد بالمستضد على سطوح الأغشية المخاطية وتسبب حدوث رمد العيون والزكام والربو القصبي.ومن الأشكال الأخرى تفاعل الضد بالمستضد في داخل المصل الدموي كما يحدث مثلاً بعد زرق البنسلين وريدياً لمرضى مصابين بالتححس له أو بعد إعطاء المصول الأجنبية أو بسبب وخز بعض الحشران كالنحل أو الزلاقط أو الدبابير فإنه يحدث تفاعل سريع يسبب التأق العام ويتظاهر بالتشنج القصبي ووذمة في الحنجرة وهبوط الضغط الشرياني والشرى الجلدي وهو إن لم يعالج بسرعة قد يسبب الصدمة والوفاة.

الصفات العامة للعوامل الغازية:

ليست جميع العضويات الحية ممرضة للإنسان،فهناك العديد منها غير ممرض،والبعض منها يعيش في جسم الإنسان كما في تجويف الفم أو الأمعاء أو المهبل بدون أن يؤذيه،وهناك البعض منهاكما هو الحال في الإيشرشيات القولونية تساعد داخل الأمعاء في تشكيل بعض الفيتامينات وخاصة الفيتامين ك.

وهناك عدة عوامل تحدد القدرة على إحداث المرض بسبب العوامل الممرضة الغازية:

1 ـ منافذ الدخول(المداخل):

وهي بصورة عامة الفوهات الخارجية،وسطح الجلد،ويعتبر الجلد وتجويف الفم أكثرها أهمية،ومنها تنطلق إلى الشجرة القصبية أو انبوب الهضم،وهناك أيضاً عن طريق الجهاز البولي التناسلي.

2 ـ حجم الغزو:

بصورة عامة لا يمكن لجرثوم واحد أن يحدث المرض ـ عدا السل ـ ولذا لابد من دخول العناصر الغازية بأعداد كبيرة من أجل حدوث المرض.

3 ـ الاستمرار في المحيط الجديد:

إن استمرار بقاء العنصر الغازي الممرض يتطلب وجود بعض الشروط المحيطية الضرورية لاستمراره وإحداث المرض.وتمكنه من النمو والتكاثر،ولكل عنصر ممرض شروط معينة ،فعصيات الجذام لاتصيب إلا الإنسان ولا تشاهد في غيره،وعلى العكس من ذلك فإن هناك عوامل ممرضة تؤثر على باقي الحيوانات دون أن تصيب الإنسان،وهناك عوامل ممرضة تصيب عادة الحيوانات الدنيا وتنتقل عرضاً إلى الإنسان كداء البروسيللا والحمى النمشية.

كما أن بعض العوامل الممرضة ذات اصطفاء نسيجي معين عند الإنسان،فالمكورات السحائية تصطفي السحايا، والمكورات البنية تصطفي المجاري البولية التناسلية،وحمى داء الكلب تصطفي الجملة العصبية،ولكن هذه الاصطفائية ليست القاعدة،وقد تحدث أحياناً استثناءات.وهناك نوع آخر من الاصطفائية فبعض العوامل الممرضة لا تعيش وتتكاثر إلا ضمن خلايا الثوي(المستضيف) ومنها الفيروسات والريكتسيا.

كما أن استمرار العامل الممرض يعتمد على غذاء معين وعلى وجود أو عدم وجود الاوكسجين في الناحية المصابة.فالمطثيات الكزازية وهي عوامل شديدة السمية  لاتستطيع العيش والتكاثر إلا في وجود أنقاض خلوية أو بوجود عوامل ممرضة أخرى توفر لها حاجياتها في المراحل الأولى من الغزو،وبالإضافة لذلك فهي جراثيم لا هوائية مجبرة ولا تستطيع أن تعيش إلا بوجود الأوكسجين بشكل منخفض جداً،وبالتالي فإن الإصابة بالمطثيات الكزازية لا يشاهد إلا في الأذيات العميقة من الجسم والتي يحصل عليها التندب والذي يمنع الأوكسجين من الوصول إلى النسيج النتهتك المصاب.

4 ـ الانتقال إلى مضيف آخر:

إن العوامل الممرضة تحتاج إلى أن تنتقل إلى ثوي آخر،فهي تحتاج إلى مصدر مستمر،فإذا لم تتمكن من الانتقال فإنها تتلو ثويها في الموت بعد وفاته.وإن مكان استعمار العناصر الغازية يحدد هذا الانتقال،فتلك التي تقطن المجاري التنفسية تستطيع أن تخرج بكل سهولة عن طريق الرذاذ والمفرزات.

إن طريق العدوى يختلف من ممرض إلى آخر،فالمكورات البنية لا تستطيع أن تنتقل بالطريق غير المباشرة لأنها شديدة الحساسية للجفاف والمؤثرات الخارجية،لذا فإن العدوى بها لاتمم إلا بطريق الملامسة المباشرة كما في  الاتصالات الجنسية،أما عصيات الحمى التيفية فإنها تستطيع أن تبقى لفترة وجيزة في المحيط الخارجي كما في الماء أو الحليب أو الغذاء ولذا فإنها يمكن أن تسبب العدوى بطريق غير مباشر،وأما عصية الجمرة الخبيثة(أنثراكس)فإنها تستطيع أن تتكاثر بالأبواغSpore،والتي تستطيع أن تبقى في التربة لعدة سنوات،وهناك بعض العناصر الممرضة من تحتاج إلى أكثر من ثوي واحد مثل طفيليات البرداء فإنها تحتاج ثوي مقر وهو البعوض الخبيث،وإلى ثوي عابر هو الإنسان.

آليات الدفاع الجرثومي ضد آليات الدفاع البدني:

إن الجراثيم الممرضة عليها أن تقاوم آليات دفاع المضيف(الثوي)،ومن أجل حماية نفسها فقد تجهزت معظم الجراثيم بواسطة محفظة خاصة،ووجود الجسيمات المحفظية أو ما يسمى مولدات الضد الجسمية.فإذا ما أزيل هذا الغطاء الواقي بسبب طفرة جرثومية أو بسبب الهضم الخمائري أو الإحاطة بالأضداد،فإن سمية الجرثوم تتراجع أو تنعدم.

ومن الجراثيم التي تمتلك مثل هذه المحفظة الواقية نذكر:المكورات الرئوية،والمكورات العقدية،وعصية الجمرة،وعصيات الطاعون،والكلبسيللا الرئوية،ومحبات الدم للنزلة الوافدة.

إن المكورات الرئوية الغازية تحتوي على محفظة من عديدات السكريد،وهذه تقيها من الهضم الداخلي للبالعات،وهناك جراثيم مثل المكورات القيحية العقدية وبعض أنواع العنقوديات الممرضة تشكل مواداً مضادة أو سمية تجاه الكريات البيض،تدعى قاتلات الكريات البيض،ومنها الذيفانات المخربة للبالعات.

وقد تبين أن عصيات الخناق(الدفتريا)وتسمى الوتديات الخناقية تفرز ذيفانات تخرب الخلايا البشرية وتشكل مواداً تساعدها على اختراق الحواجز الخلوية والانتشار.وهناك جراثيم تفرز مواداً حالة لليفين والذي يؤثر على الخثرة الليفية التي تمثل حاجزاً يمنع انتشار الالتهاب ومنها المكورات العقدية القيحية.

وقد تبين أن المكورات العنقودية هي من أكثر الجراثيم قدرة على تطوير المقاومة تجاه فعل عمل الصادات،وإن سلاسل المكورات العنقودية في 90% من الحالات مقاومة لفعل بعض الصادات مثل البنسلين أو الستربتومايسين أو التتيتراسيكلين أو الإريثرومايسين.

الذيفانات الجرثومية:

يعرف الذيفان:أنه المادة التي يشكلها الجرثوم والتي تؤدي إلى تلف أو أذى في أنسجة الثوي(المضيف)وتؤدي إلى حصول أمراض ندعوها بالأمراض الانتانية.

\وتقسم هذه الذيفانات إلى نوعين:

1 ـ الذيفانات الداخلية(الاندوتزكسين):وهي ذيفانات تبقى داخل الخلية الجرثومية إلى أن تموت هذه الخلية.

2 ـ الذيفانات الخارجية(الإيكسوتوكسين):وهذه ترتشح من خلايا الجراثيم الحية إلى الوسط المحيط بها.

إن غالبية العناصر الممرضة تفرز ذيفانات داخلية فقط وهي غالباً من نوع الجراثيم سلبية الغرام،وأما البعض وبصورة خاصة جراثيم إيجابية الغرام فإنها تفرز ذيفانات قوية خارجية قوية التأثير،فمنها مثلاً عصية الكزاز(التيتانوس) والمطثيات الأخرى،وعصية الخناق(الدفتريا) وبعض المكورات السبحية والعنقودية،وكذلك عصية الجمرة الخبيثة(أنثراكس).

وأمكن عزل الذيافين الخارجية لعصيات مرض الكزاز وعصيات داء الخانوق(الدفتريا) وتبين أنها عبارة عن بروتينات بسيطة.وإن الذيافين الخارجية مواد غير ثابتة يمكن تعطيلها ببعض المواد الكيماوية مثل الفورم الدهيد الذي يحولها إلى ذيافين معطلة.أو باستعمال الأوكسجين كما هو الحال بالنسبة للحالات الدموية المتأثرة بالأوكسجين،أو باستعمال الحرارة حيث يمكن تعطيل ذيفان الخانوق بدرجة 65مئوية.

وأما أبرز الذيافين ذات التأثير السمي الشديد فهي ذيفانات المطثيات النقانقيةBotulinnus،وذيفانات المطثيات الكزازيةTetanus.فهي ذات تأثيرات سمية شديدة بجرعات زهيدة.

والذيافين إما أن يكون لها تأثير سُمي خلوي مُعمم بدون اصطفاء نسيج معين،أو قد تكون ذات تأثيرات اصطفائية على نسيج وخلايا معينة،حيث أن ذيفان الكزاز وذيفان المطثيات النقانقية لا يؤثران إلا على الخلايا العصبية،ولا يحدث التأثير مباشرة بالنسبة للكزاز بل بعد عدة ساعات أو أيام من دخول البدن.

وتصنف الذيفانات حسب تأثيرها في الجسم وآلية عملها ،فهناك الحالات الدموية،وهناك قاتلات الكريات البيض،وهناك ذات التأثير النخري.

ويعتبر الذيفات الذي تفرزه الوتديات الخانوقية من أشد الذيفانات سمية،وبينما تبقى عصيات الخانوق في بؤرة الانتان،فإنها تطلق ذيفانها إلى الدم والدوران بحيث يسبب اضطرابات جهازية عامة،وبخاصة التهاب عضلة القلب،كما أنه المسؤول عن الشلول التالية للخانوق.

المظاهر الرئيسية في الأدواء الخمجية:

1 ـ دور الحضانة:

وهو الزمن الضائع بين دخول العامل الممرض الجسم وظهور الأعراض.وهذا قد يستغرق دقائق إلى ساعات في بعض العوامل الممرضة وقد يستمر شهور بل عدة سنوات في حال مرض الجذام.

2 ـ الأعراض الجهازية العامة:ويعتقد أن للذيفانات الخارجية دوراً في إحداثها،وأما ما يسمى الانسمام الدموي(التوكسيميا) فإن ذو أعراض شديدة ومنها الوهن وآلام متعممة،وحمى عالية وتعرق شديد واختلاجات…

التطور التاريخي في معالجة الانتانات:

في عام 1877م لاحظ باستور وجوبرت وجود مايسمى “ظاهرة صدالحياة”وهي وجود كائنات تثبط نمو كائنات أخرى حية.

وفي عام 1928م تم من قبل الكسندر فيلمينغ اكتشاف مركب البنسلين.

وفي بداية القرن العشرين تم من خلال أعمال وأبحاث العالم الألماني باول إيرليش وضع القاعدة لما يسمى”البحث العلمي” في الكشف عن المواد الكيماوية القادرة على تعطيل حياة بعض الكائنات الممرضة وإيقاف نشاطها.

وفي عام 1910م تم الكشف عن تطبيق مادة السلفرسان في معالجة الداء الإفرنجي وكانت أول مادة علاجية استخدمت ضد المرض.

ومابين الحربين الأولى والثانية تم في ألمانيا وبواسطة العلماءDomagkو Mietsch وKlar اكتشاف مواد كيماوية أخرى ومنها السلفوناميد.

وفي عام 1948م تم صنع الكلور تتراسيكلين.

وفي بداية الستينات من القرن العشرين تم اصطناع أوائل مركبات السيفالوسبورين.

وفي عام 1970م تم الكشف عن أول مركبات الأمينو غليكوزيد في أمريكا وهو الستربتومايسين،ومن ثم الجنتامايسين.

مضادات الفيروسات:

عند الحديث عن مضادات الفيروسات لابد من التنويه عن الأمور التالية:

1 ـ إن الفيروس لايتكاثر إلا من خلال تطفله المجبر داخل خلايا الثوي.فالفيروسات عكس العوامل الممرضة الاخرى فإنها تعتمد في تكاثرها ونموها على الاستقلاب وبالتالي على خمائر وبروتينات خلايا الثوي(المضيف).وإن تثبيط هذه العمليات يعني الخلايا المصابة بالفيروس والخلايا السليمة على حد سواء.

2 ـ ومن ناحية أخرى فإن الانتانات الفيروسية تمتاز بأنها متعددة الوجوه من الناحية الإمراضية.فهذه الأنتانات تتميز بحدوث التخرب الخلوي،والمرافق لدورات تكاثر الفيروس.

وهذا يعني أنه في حالة وجود الاعراض السريرية للإصابة فإن ذروة التكاثر الفيروسي تكون قد حدثت سلفاً،والبدء بالمعالجة الدوائية ضد الفيروس قد لا يعطي مردوداً سريعاً وقد يكون متأخراَ،وقد لا يوقف اندلاع الداء وقد لايسيطر على سيره.

وأما في الحالات التي تكون فيها الاعراض قد سبقت ذروة التكاثر الفيروسي فإن المعالجة المبكرة تعطي نتائج جيدة.

 

علم الوبائيات:

وله تعريفات عديدة ومنها:

انّهُ الفرع من العلوم الطّبية الذي يعُالج الأوبئة كما جاء في قاموس اوكسفورد،أو أنّهُ الفرع من الطّب الذي يَستقصي أسباب وطريقة السيطرة على الأوبئة كما جاء في قاموس ويبستر،أو انّهُ العلم الذي يَدرس ظاهرة الأمراض الإنتانية في المجتمع ،وبالتالي فإنَّ هذا العلم له ثلاثة أهداف رئيسية:

أولاً: وصف لتوزعِ  ولأهميّة المشكلات المتُعلقة بالصّحة والمرض في المجتمع

ثانياً: تحديد العوامل والأسباب التي تؤدي لحدوث الأمراض والأذى في المجتمع

ثالثاً: تقديم مايتُطلب على مستوى السريريات في كل مايتعلق بالوقاية والتشخيص والمعالجة والإنذار.

وجاء في الويكيبيديا:

علم الوبائيات:أو علم الأوبئة:(الإيبيديمولوجي):هو علم دراسة التوزيع ومحددات الأحوال ذات الصلة بالصحة أو الأحداث المحددة في مجموعة سكانية وتطبيق هذه الدراسة بغرض السيطرة على المشاكل الصحية.

والوبائيات حقل من حقول الطب يدرس مختلف العوامل التي تؤثر في ظهور الأمراض،وتواترها،وطريقة انتشارها وتوزعها،وتطور سيرها،سواء أكان أساسها الفرد أم الوسط الذي يعيش فيه،كما يدرس الوسائل الضرورية للوقاية من هذه الامراض.

وتعرف منظمة الصحة العالمية الوبائيات:أنها شعبة من العلوم الطبية تهتم بدراسة عوامل الوسط والعوامل الفردية وغيرها من العوامل المؤثرة على نحو ما في الصحة البشرية.

مقدمة:

يقول الأستاذ عادل البكري(مقال بعنوان الطب الوقائي عند العرب نشره في أحد أعداد مجلة المجمع العلمي بدمشق):

“وكان العرب قد توصلوا إلى اكتشاف العدوى وذكروها في كتبهم بعد دراسة وتجربة.فابن سينا أشار إليها في كتاب”القانونوإلى انتقال الأمراض بالماء والتراب,وذكر العدوى في مرض السلّ الرئوي.كما أن الرازي ذكر العدوى ووصف دائي الجدري والحصبة والعدوى بهما.

وتعرض محمد بن أبي بكر بن القيم لعدوى السلّ أيضاً وقال بأنه يُعدي إذا كانت الطبيعة سريعة الإنتقال قابلة للإكتساب من أبدان تجاوره وتخالطه.وهو يقسم العدوى إلى ثلاثة أقسام:عدوى بالتماس وعدوى بالهواء وعدوى بالوهم.

أما ابن الخطيب الأندلسي فقد جزم بوجود العدوى،فقد لاحظ مراراً أن من خالط المرضى المصابين بمرض سارٍ أُبتلي به،ومن لم يخالطهم نجا من العدوى.

ووضع الطبيب العربي ابن البيطار رسالة دعاها(مقنعة السائل عن المرض الهائل) دافع فيها عن نظرية العدوى بمناسبة انتشار مرض الطاعون في أوروبا في منتصف القرن الرابع عشر،ووقوف أوروبا حياله مكتوفة الأيدي.

وقد وضع العرب أول نظام للحجر لمنع انتشار الأوبئة.(وهذا ما سنتكلم عنه لاحقاً بإذن الله)”.

وقد قال الشيخ الطبيب ابن سينا في كتاب”القانون”:

“ومن الأمراض أمراض معدية مثل الجذام والجرب والجدري والحمى الوبائية والقروح العفنة،وخصوصاً إذا ضاقت المساكن، والرمد…”.

شروط العدوى:

إنَّ العدوى هي إتصال العوامل المُمرِضة: ونعني بها الجراثيم أوالفيروسات (الحُمّات الراشحة) أوالطُفيليات مع الإنسان الصحيح السليم المعافى وإحداث الإصابة المرضية لديه، أو أن يحمل هذه العوامل الممرضة في جسمه وينقل الأمراض لغيره بدون أن تظهر عليه أعراض المرض وهو مايسمى طبّياً بحامل المرض .

ماهي العوامل الممرضة؟

هي قد تكون جراثيماً: مِثلَ عُصياتِ كوخ المُسببة للسل الرئوي أو عُصّيات يرسين المسببة لمرض الطاعون،أو ضُمات الهيضة التي تُسبب داء الهيضة (الكوليرا) أو المزدوجات الرئوية التي تُسبب ذات الرئة،أو مُحبات الدم للنزلة الوافدة التي تسبب الإلتهابات الرئوية والقصبية الحادة،وغيرها من الجراثيم …

أو قد تكون حُمّات راشحة أي  فيروسات تُسبب أدواءً مثل النزلة الوافدة (أي الإنفلونزا ) أو الفيروسات الأخرى التي قد تسبب أدواءً أخرى مثل الجُدري أو الحُماق (جدري الماء) أو الحصبة أو شلل الأطفال وغيرها من الأمراض الفيروسية الأخرى .

والفيروسات كائنات طفيلية جوانية مجبرة،أي أنها لا تستطيع أن تتكاثر إلا داخل الخلايا الحية،وبالإضافة إلى ضآلة حجم هذه الكائنات(أكبر فيروس لا يبلغ قطره 300ميلي مكرون)،وهي جميعاً تتألف من حمض نووي واحد،فهو إماDNA أو RNA.ويوجد هذا الحمض النووي في مركز الفيروس،ويحيط به غمد بروتيني يعرف باسم المحفظة وهي تتألف من وحدات فرعية تعرف بالأجسام المحفظية،ولا يستطيع الحمض النووي للفيروس أن يبقى خارج الخلية بدون غمده البروتيني.والتفاعلا المصلية التي نعتمد عليها تستند إلى الصفات المستضدة للغمد البروتيني.

إن بعض الحمات الراشحة تستطيع أن تتكاثر في أي خلية من خلايا البدن،بينما البعض منها يحتاج لخلايا معينة لتكاثره،أي يوجد نوع من الاصطفاء الخلوي.

وتختلف الحمات الراشحة عن الجراثيم بأنها لا تحدث المرض مما تحرره من مواد كيماوية،وإنما تكمن الأذية فيما تحدثه من قدرة على تعديل التفاعلات الاستقلابية والانقسامية لخلايا المضيف.كما أن بعض الفيروسات تسبب أحياناً تفاعلات تنخرية في الخلايا التي تتواجد فيها.وتسمى هذه الفيروسات بالحمات القاتلة للخلايا.وهناك حمات راشحة قادرة على تنبيه النشاط التكاثري للخلايا ومنها الفيروسات المسببة للأورام.

ومعظم الحمات الراشحة تسبب مناعة دائمة بعد الإصابة بها وهذا مايسمى المناعة المكتسبة،والاستثناء على هذا الإصابة بحمى الانفلونزا والرشح والعقبول البسيط والتي قد تتكرر أدوائها عند ذات الشخص.

وتقسم أو تصنف الحمات الراشحة إلى:

1 ـ مجموعة Pox virus:وهي حمات كبيرة تتألف من DNAويصل قطرها إلى حتى 300 نانومتر،وهي غالباً تصيب الحيوان،وعند الإنسان فيشاهد غالباً الحمات التالية:حمى الجري وجدري البقر.

2 ـ مجموعة الحمات الفطرية Myxovirus:وهي تتألف من RNA وأقطارها تقع في حدود 250 نانومتر،وتضم هذه المجموعة :حمات الانفلونزا،الحصبة الألمانية،الحصبة،وحمى النكاف.والResp syncytial،وهذه الأخيرة قد تسبب التهابات تنفسية شديدة في المجاري التنفسية السفلى عند الأطفال الصغار وخاصة في السنة الأولى من العمر.

3 ـ مجموعة Herpes :وهي تحويDNAوقطرها حوالي 100 نانومتر،وتضم حمات:الحماق،والعقبول البسيط،وعقبول داء المنطقة،والحى الخلوية العرطلة(السيتوميغالي فيروس)

4 ـ مجموعة الحمات الغدية Adeno virusوهي تحوي DNA وأقطارها حوالي 80 نانومتر،وتضم عدداً كبيراً من الحمات الراشحة التي تسبب أمراضاً عند الإنسان كالتهابات المجاري التنفسية والأنسجة اللمفية والمخاطية.

5 ـ Reo virus  RNA:وقطرها حوالي 75 نانومتر،ويسبب بعضها التهاب الأمعاء،أو أمراضاً محصورة في المجاري التنفسية العليا.

6 ـ Arbor virus:وتحتوي RNAوهي بقطر 40 نانو،وتضم مجموعة من الحمات التي تسبب التهاب السحايا والدماغ،والحمى الصفراء.

7 ـ Papo virus:وهي تحوي DNa وهي بقطر 50 نانو،وهي حمات مسببة للأورام وتضم حمى الرم الحليمي(Papillom)،والحمى المسماة Pogyoma،وهي غالباً تصيب الحيوانات.

8 ـ الحمات التاجية corna virus:أو تسمى أيضاًRhino virus:وهي تضم نوعين:الحمات المعوية:ومنها حمى كوكساكي،وحمى شلل الأطفال،وحمى ECHO،وهي تحوي RNA،وقطرها حوالي 18 ـ 30 نانو.

والنوع الثاني:وتسمى الحمات الأنفية(الرينوفيروس)وتضم :حمات النزلة الوافدة .وحمى داء كورونا.

او قد تكون الإصابة بالفطور:وهي عوامل ممرضة تشبه الجراثيم ولكنها تمتاز بمقاومة المعالجة الكيماوية العادية،وهي لا تفرز ذيفانات داخلية أو خارجية،وهي تسبب أذيات بدنية تنجم غالباً عن فرط التحسس البدني لبروتينات الطفيلي،وما يسببه من تفاعلات نخرية أرجية.وهي قد تسبب آفات سطحية جلدية،أو حشوية عميقة.

ومن أهم الفطور الممرضة عند الإنسان:داء الفطر الشعاعيActino mycosis،وأدواء النوكارديا.وفطر داء المصورات النسيجية(الهستوبلاسما)،ومن أشهر الفطور التي تصيب الإنسان فطور المبيضات البيضMonilia،وهي تسبب إصابات فطرية في الأغشية المخاطية للفم والبلعوم والمري والمهبل والجهاز البولي وفي انثناءات وتلافيف الثدي وناحية الإبط والعجان.

اوقد تكون من الطُفيليات المسماة الأواليProtozoa التي تُسبب أمراضا: مثل داء الجرب او داء الإسهال المسمى بالزحار المتحولي (الأميبي) تمييزاً له عن الزحار الجرثومي،أو أدواء الديدان بمختلف أشكالها  وأنواعها .وهناك أيضاً المصورات الدموية التي تسبب داء البرداء أي الملاريا.واللايشمانياوالتي تسبب دمل الشرق أو حبة حلب.وهناك المثقبياتTryponosma،والني تسبب داء النوم.وهناك المقوسات(التوكسوبلاسموز) والتي تصيب الأجنة بتشوهات شديدة إذا أصيبت الأم الحامل بها.

وهناك عوامل مُمرضة أُخرى ومنها مايُسمى المُتدثرات (أي الكلاميديا) وتسبب داء الحُثار أي التراخوما،وداء الببغاء، وبعض اشكال التهاب الإحليل والمجاري البولية..وهذه العوامل الممرضة تقع بين الفيروسات والركتيسيا.وهي ذات أحجام كبيرة تتراوح بين 250 ـ 400 ميلي مكرون.

وهناك مايسُمى المتُفطرات (أي الميكوبلاسما) وتُسبب ذات الرئه اللانموذجية،أو التهاب الاحليل اللابُني (تمييزاً له عن التهاب الإحليل البني أو مايُسمى بداء السيلان).

وهناك مايسُمى الريكتسيا والتي تُسبب الحمى النمّشية..وهي كائنات دقيقة لها صفات متشاركة مع الجراثيم والفيروسات،ومن أبرز صفاتها:أنها قادرة على تشكيل الخمائر،ولها جدر خلوية،وأنها تحتاج الأوكسدين،وأنها حساسة للصادات الحيوية،وأنها لا تنمو إلا داخل الخلايا.وسبب التسمية يعود إلى الطبيب ريكتسRicketsوالذي اكتشف أنها السبب في الحمى النمشية الوبائية.

الثوي أو المضيف:

وهو الذي يَحفظ العوامل الممرضة ويسُمى أيضاً المُضيف، وفي جسمهِ تتكاثر هذه العوامل الممرضة وتنمو .

والثوي: قد يكون فقط الإنسان: كما في داء الُجذام.

أو قد يكون الحيوان ويُصاب الإنسان عَرضاً كداء الكيسات المائيه أي داء المُكورات الشّوكية) حيث الثوي هنا الكلب ويُصاب الإنسانُ عَرضاً بالتماس مع هذه الكلاب الحاملة للعوامل المُمرضة.

أو قد يكون الثوي القط والذي ينقل إلى الإنسان داء المُصورات القوسية (اي مايُسمى التوكسوبلاسما)، وقد يكون الثوي الإنسان والحيوان معاً كما في داء السل

طرق الإنتقال:

يتم انتقال العامل الممُرِض الى المُضيف الجديد عن عدة طرق:

مُباشرةً من إنسانٍ مريض،أو حاملٍ للمرض إلى إنسانٍ سليم بالإتصال المباشر مثلا عن طريق اللمس،أو الإحتكاك أو التقبيل، وغيرها وهذا مايُشاهد في الأمراض الجنسية  والصدرية مثل الإنفلونزا  والتهابات الرئة..

أوغير مُباشر عن طريق الماء الملوث كما في داء الكوليرا، أو الغذاء الملوث كما في الحمى التيفية (التيفوئيد) والتسممات المعويه، أو عن طريق الحوائج الملوثة كما هو الحال في داء الجرب والقمل، أو عن طريق الإفرازات أي البول والبراز والبصاق والقشع ،أو عن الحشرات وهذه تَنقل العوامل الممرضة بما يسُمى بالنقل الآلي الفيزيائي حيث تكون العوامل الممرضة مُعلقّة مثلا بأجنحتِها ،أو أرجلها ،أو فمها، وتضُعها على الأشياء التي تمَسّها أو ياكل أو يشرب منها الإنسان ،وهذا ينطبق بشكل خاص على الذُباب،أو أنَ الحشرات تَنقل العوامل الممرضة في معدتها أو غُدّدها وتُوصِلُها إلى الجسم البشري عن طريق القرص او اللدغ وهذا مايُشاهد خاصة بأمراض الملاريا  (البرداء )عن طريق البعوض، وداء الطاعون عن طريق البراغيث.

سبل الإنتقال:

أولاً: عن طريق الهواء: وهذا مايُشاهد في أدواء الفيروسات المُسببة لبعض الأمراض التنفسية مثل الإنفلونزا والرشح والحصبة والنكاف،وبعض أمراض الجراثيم مثل السل والتهاب السحايا والدفتريا (أي مرض الخناق) وداء السعال الديكي ،أوالتهابات الرئة الجرثومية أو الفيروسية…

ثانياً : عن طريق البراز الملوثوهذا مايُشاهد في الإصابة بأمراض مثل الحُمّى التيفية والكوليرا (الهيضة)،والزحار بنوعيهِ: الجُرثومي والمتُحّولي (الأميبي) ،وادواء الديدان،وشلل الأطفال، والتهاب المعدة والأمعاء  والحُمّات المِعوية،والتهاب الكبد الإنتاني ..

ثالثُا: عن طريق الغذاء الملوث: ويُسبب الإصابة بالحُمّى  التيفيه ونظائرها، وداء الشيغيللا الزحاري (الزحار الجرثومي)، وسل البقر،وأدواء الديدان ..

وهنا يَذكر التاريخ الطّبي ما يُسّمى حادثة ماري الطباخة،وكانت تعمل وتخدم في بيوت الناس وتحُضّر لهم الطعام، وكانت حاملةً لجرثوم التيفوئيد في برازها (بدون أن تظهر عليها الأعراض السريرية)، ولعدم سلامة نظافتها نقلت المرض الى أربعين شخصا ممن كانت تُعِدُّ لهم الطعام !!

رابعاً: عن طريق التماس الجلدي: كما هو الحال بالإصابة بأمراض القمل والجرب والجمرة والحُماق (جدري الماء)، والجدري وغيرها…

خامساً: عن طريق الإتصالات الجنسية: كما هو الحال في الأمراض الجنسية: مثل الإفرنجي(داء الزهري)  والسيلان،والإيدز، وبعض اشكال التهاب الكبد الفيروسي ..

سادساً: عن طريق البول الملوث : كما هو الحال في داء البلهارزيا ،والتيفوئيد..

سابعاً: عن طريق الحشرات: كما هو الحال في امراض البرداء أي الملاريا،والداء الأسود، ودُمّل الشرق أي أدواء اللايشمانيا،وداء النوم الإفريقي،وحُمّى الضَنك، والحُمّات النمشية… فالبعوض ينقل مثلاً: الملاريا والُحمّى الصفراء وحُمّى الضنك . والحشرات المُسماة الفواصد تنقل الداء الأسود ودمل الشرق (أدواء اللايشمانيا). واللواسن تنقل داء النوم وهي من أنواع الذُباب .

كما أن القمل ينقل داء القمل بانواعه المختلفة، وأدواء الحُمّات النمشية أي أدواء الريكتسيا.

والبق ينقل داء شاغاس والقُراد ينقل الحُمّيات النَمشية والحُميّات الراجعية

ثامناً: عن طريق الحيوانات:

فالكلاب: تنقل مثلاً داء السُّعار( اي داء الكَلب) وتنقل داء العدر(أي الكيسات المائية الشوكية) وتنقل ايضا الداء الأسود (أي الكالازار )، وتنقل التوكوبلاسما،ودُمّل الشرق، والأمراض الجلدية الفطرية…

وأما الخنازير فتنقل داء الشعرية الحلزونية (أي التريشونيات ) وداء الشريطية المُسلسلة (اي أدواء التينيا)، والزقيّات القولونية (أي أدواء البالاتيدا)، وربمُّا الحُمّى المالطية..

وأما البقر: فيمكن أن ينقل أدواء الشريطية المنجعة (أي ادواء الديدان الساغيتا ) والحُمّى المالطية،والسل الهضمي ..

واما القطط: فتنقل أدواء مثل: داء المصورات القوسية (التوكسمو بلازما)، ودُمّل الشرق  وداء خمشة القطة ،والكيسة المائية ،وبعض الأمراض الجلدية الفطرية..

وأما العواشب مثل الخيل والماشية: فإنها تنقل الجمرة الخبيثة،وداء الكُزاز عن طريق روث الخيل،وداء الرعام (المسمى غلاندر)

وأما القواضم : فإنَ الجرذان تنقل الطاعون،وداء وايل (أي التهاب الكبد النزفي) وحُمّى عضة الجرذ..

وأما الأرانب : فتنقل أدواء التولاريميا

والطيور: تنقل أدواء الطيور أو ما يسمى داء الببغاء

والقرود تنقل شلل الاطفال،والحُمّى الصفراء..

تاسعاً: عن طريق نقل الدم الملوثحيث تحدث الإصابة بأمراض مثل الإيدز، الملاريا والتهاب الكبد الفيروسي، والإفرنجي

الإنسان ونقل الامراض:

يلعب الإنسان الدور الرئيسي والبارز في نقل معظم الأمراض الإنتانية ولا ينازعه في هذا أي مَعين أخر وهذا ذو اهميه خاصة إذ أن مُكافحة الامراض التي يُشكل الإنسان المَعين الرئيسي لها والوحيد فإّنه يعني إمكانية القضاء عليها، ومن هذه الأمراض نذكر مرض الجدري حيث لم تعد تُشاهد اصابات فيه منذ تطبيق اللقاح  المناسب، ومن الامراض التي يشارك الانسان وحده في نقلها بين ابناء جلدته نذكر الأمراض الجنسية،والحصبة والوردية الوافدة (أي الحميراء أو مايسمى الحصبة الألمانية)، والنكاف،والحماق والشاهوق (أي السعال الديكي)،والحُمّى القرمزية والخانوق(اي الدفتريا ) والتيفوئيد..

وتدل الإحصائيات أن بعض الامراض قد تراجعت تماما في العالم الصحي المتقدم وان بعضها قد انقرض تماما فيه مثل الطاعون والكوليرا والحُمّى النمشية والجدري والخانوق  وشلل الاطفال والتيفوئيد  والحصبة..

الإسلام والقواعد الصّحية في تحديد نشر العدوى:

الأمراض التي تنتقل عن طريق الجهاز التنفسي :

إنَ هناك الكثير من الأمراض يتم انتشارها عن طريق الجهاز التنفسي وهذا اما أن يكون مباشرةً او غير  مباشر.

فالمباشر : يعني وجود تماس مباشر مابين الإنسان المريض المصاب والآخر السليم القابل للعدوى،والإصابة هنا تحدث إمّا بالعطاس، وهذا مايشاهد خاصة بأمراض الرشوحات  والإتفلونزا،أو بالسعال وهذا يشاهد خاصة في السل ،والشاهوق (السعال الديكي) أو باللعاب وهذا يشاهد خاصة في النكاف وذات السحايا بالمكورات السحائية،أو التقبيل مباشرة من الفم للفم .

وأمّا  غير المباشر: فإنّهُ يتم: عن طريق البصاق واللعاب،وخاصة في داء السل ..

وقد أتت التعاليم الصحية من خلال القرآن الكريم والسّنة النبوية المطّهرة إلى الحضّ على إتباع التعاليم الصحيّة وتطبيقها وهذا له دور كبير في التخفيف من حدوث تلك الأمراض وانتشارها  نذكر منها:

عن أنسٍ رضي الله عنه أنَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: “البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها “[ متفق عليه رواه الشيخان].

وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم : “عرُضت عليّ أعمالُ أُمتي حَسنُها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها  الأذى يمُاط عن الطريق ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تُدفن” [رواه مسلم]

(والمراد بدفنها إذا كان المسجد تراباً او رملاً او نحوه فيواريها تحت التراب،وأما إذا  كان المسجد مبلطا أو مجصّصاً فدلكها عليه بمداسه أو بغيره كما يفعله كثير من الجهال فليس بدفن،وانما تكثيرُ للقذارة في  المسجد ، والأصل ان يمسح ذلك بواسطه منديل او بغيره أو يغسل موضع البصاق).

وقوله صلى الله عليه وسلم دفنها فيه كثير من الإعجاز لأنَ الكثير من الجراثيم والفيروسات وخاصة جراثيم عصيات السل تحتاج الى الهواء ،ودفنها اي منع الأوكسجين عنها يُقلّل من تكاثرها ونموها .

وفي حديث آخر لاُمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم  رأى في جدار القبلة  مُخاطا او بُزاقا  او نخامة  فحكّه” [متفق عليه ].

(النخامة: اي القشع مايخرج من الصدر )

وعن أنس رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر وإنّما هي لذكرِ الله تعالى وقرآءة القرآن” [رواه مسلم].

ونهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن العطس في وجوه الناس وكان صلى الله عليه وسلم  إذا عطس غطّى وجههُ بكفيهِ أو بطرف ثوبه .

وعن أبي ذرّ جُندب بن جنادة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: “عُرِضَتْ عليَّ أعمالُ اُمتّي حَسنها وسَيئها فوجدتُ في محاسنِ أعمالها الأذى يمُاط عن الطريق ،ووجدتُ من مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد ولا تُدفن “[ رواه مسلم وعن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه] قال: نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم من  إختناث الأسقية” [متفق عليه ].

( واختناث الأسقية: يعنيأن تُكسر أفواهها ويشُرب منها،والحديث الشريف يُبين كراهية الشرب من فم الإناء مباشرة) .

وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال :نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم “أن  يشرب من فيّ السقاء او القربة “[متفق عليه].   (في : فم)

وعن أبي سَعيدٍ الخُدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ في الشرب فقال رجل : القَذاة أراها في الإناء ؟ فقال أهرقها ،قال إني لا أروى من نفَس واحد ،قال فابِنْ القدح  إذاً عن فِيك [رواه الترمذي وقال حسن صحيح].

(معنى أبِنْ القدح: أي أبعد الكاس عن فمك إذا أردت  الشرب أكثر من جرعة،والقذاة:مايسقط في الإناء من أوساخ، فإذا وجد الإنسان قذاة ونحوها في الماء فليرقه ولايزيلها بالنفخ حتى لايزيل الضرر بضرر أخر).

وعن إبن عباس رضي الله عنهما أنَ النبي صلى الله عليه وسلمنهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه “[ رواه الترمذي وقال حسن صحيح] .

وفي الحديث الشريف: “إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء،فإذا أراد أن يعود فلينح الإناء ثم ليعد إن كان يريد”[رواه ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه ورمز السيوطي لحسنه في الجامع الصغير].

إن هذه الأحاديث تنهي عن التنفس في الإناء وعن النفخ فيه لمنع تغير رائحة الإناء،ووصول لعاب الإنسان ورذاذ فمه وما يمكن أن يحمله من جراثيم وفيروسات ممرضة وربما كان حاملها صحيحاً غير مريض،فإذا كان الشارب شديد العطش لايرتوي بتنفس واحد فليبعد الإناء عن فيه ليتنفس خارجه ثم ليعد للشرب من جديد.

ومن المفيد صحياً أن يعتاد الإنسان الشرب على ثلاث دفعات ،يتنفس في نهاية كل دفعة خارج الإناء مقتدياً بالسنة النبوية الطاهرة، وإن هذا أفضل للمرء حيث يكون الشرب أمرأ أي أسهل انسياغاً فلا يشرق بالماء، وأكثر رياً للشارب مما لو تجرع جرعة واحدة،وهو أفضل من الناحية الصحية والطبية، عن أنس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثاً ويقول إنه أروى وأبرأ وأمرأ، قال أنس : فأنا أتنفس في الشراب ثلاثاً. [رواه الشيخان واللفظ لمسلم]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب في ثلاثة أنفاس،إذا أدنى الإناء إلى فيه يُسمي الله،فإذا أخره حمد الله، يفعل ذلك ثلاثاً.[ أخرجه الطبراني في الأوسط بسند حسن كما في فتح الباري] .

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:”وفي هذا الشرب حِكم جمّة،وفوائد مهمة، وقد نبّه صلى الله عليه وسلم على مجامعها بقوله:إنه أروى وأمرأ وأبرأ”، فأروى: أشدّ رياً وأبلغه وأنفعه،وأبرأ:افعل من البرء وهو الشفاء،أي يبرئ من شدة العطش ودائه لتردده على المعدة دفعات فتسكن الدفعة الثانية ماعجزت الأولى عن تسكينه،وأيضاً فإنه أسلم لحرارة المعدة وابقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة،وأيضاً فإنه أسلم عاقبة وآمن غائلة من تناول جميع مايُروي دفعة واحدة،وقوله هو أمرا هو أفعل من مرئ الطعام والشراب في بدنه: إذا دخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع ومنه” فكلوه هنيئاً مريئاً، هنيئاً في عاقبته، مريئاً في مذاقه.

بعض الأمراض التنفسية الإنتانية الهامة:

1 ـ الرشوحات والنزلة الوافدة(الانفلونزا):

إن الرشوحات العادية أو ما يسمى الزكام،انتان تحدثه العديد من الحمات الراشحة،ومن أبرزها الحمات الأنفية(Rhinovirus)وتبلغ حوالي 60 نوعاً،والحمات الفطريةMyxovirus) ومنها حمى النزلة الوافدة ونظائرها،والحمات التاجية(Coronavirus وحمات الكوكساكي وغيرها…وتبين كثير من الدراسات أنه في حوالي 10% من الحالات قد يتشارك أكثر من فيروس واحد.

وحدوث الرشوحات الحادة أو أمراض الزكام له علاقة مع سن المريض والاقليم الذي تحدث به الإصابة.فقد تبين أن الأطفال الصغار في سن ما قبل المدرسة قد يصابون عدة مرات بها في العام الواحد.وتبين منظمة الصحة العالمية أنى حوالي 50% من السكان يصابون بها في فصل الشتاء،وحوالي 20% في الصيف.

وتكون العدوى بالتماس المباشر عن طريق العطاس أو السعال،ويمكن أن تنتشر عن طريق حاملي المرض الذين لا تبدو عليهم أعراض المرض.

وتوضح الدراسات أن للرشح ثلاثة مواسم بشكل عام:حين افتتاح المدارس في الخريف،ومنتصف شهر الشتاء،وأوائل الربيع.

ويعتبر البلعوم الأنفي بؤرة الدخول للفيروسات. ومدة حضانة المرض 1 ـ 4 أيام.

ومن أهم الأعراض السريرية:السيلان الانفي،وانسداد الأنف،والتهاب وجفاف الحلق،والتوعك العام،والصداع،والسعال والعطاس،والترفع الحروري،والقشعريرة،وآلام عضلية.

ومن الأعراض البدئية أو البوادر:الصداع والعطاس،والوعكة،ويتلو ذلك القشعريرة والتهاب الحلق والسيلان الأنفي،ولا يوجد غالباً ترفع حروري يذكر.ولعل السيلان الأنفي أهم الأعراض الواسمة،والتهاب الحلق يدل على تطور الداء

يكون السيلان الأنفي في البدء رائقاً مائياً،ثم يصبح مخاطياً وربما قيحياً،وشديد اللزوجة.

وفي معظم الحالات تتراجع الأعراض خلال أسبوع على الحد الاقصى،ولكن إذا ترافق مع سعال فقد يستمر حتى الأسبوعين.والسعال غالباً جاف،وقد يترافق مع القشع المخاطي .والفحص السريري يبدي وجود احتقان في اللوزات والجيوب الأنفية والأذن الوسطى.

وقد تحدث نادراً بعض الاختلاطات ومردها إلى الإنتان الجرثومي الثانوي وما قد يسببه من اختلاطات قيحية في منطقة الجوار:التهاب اللوزات أو القصبات أو الاذن الوسطى،أو ذات الرئة،أو التهاب الجيوب الأنفية.

والمعالجة عرضية.وخاصة الراحة وإعطاء بعض المسكنات ومضادات السعال.ومعالجة الانتانات الثانوية.

2 ـ النزلة الوافدة (الإنفلونزا):والانتانات بالحمات العقدية:

تسببها ما يسمى الحمات العقديةAdeno Virus وهي فيروسات تتألف من الحمض DNA وهي فيروسات تصطفي بشكل خاص الشجرة التنفسية،ولها أنواع مختلفة عديدة،.

تصيب هذه الفيروسات الإنسان في كل الأمصار،وتستمر دورة الحضانة فيها 3 ـ 8 أيام،وبعض أنواعها وخاصة الحمات العقدية 3 تسبب التهابات الملتحمة والذي ينتشر غالباً في شهر الصيف من خلال حمامات السباحة.

ومن أهم الانتانات التنفسية التي تسببها الحمات العقدية في جهاز التنفس نذكر:

ـ النزلة الوافدة:الانفلونزا

وهي من الأمراض السارية الحادة،والتي تمتاز بالترفع الحروري،والوعكة الشاملة،وتكون غالباً محمودة العواقب.تسببها الحمات العقدية والتي تضم الأنواع:A,B,C.

وهذه الأنواع متباينة فيما بينها من ناحية الفحوص المصلية،ولا يوجد ارتكاس متصالب فيما بينها،كما أن لها فوارق وبائية واضحة.

إن من أبرز الأمور فيما يتعلق بحمات النزلة الوافدة،أن كل نوع من أنواع الحمات A يسبب أوبئة في فترة زمنية معينة ثم يختفي ليحل مكانه نوع جديد،بحيث أن النوع الأخير يختلف عما سبقه من الأنواع السابقة.وإن المستضد المناعي لهذه الحمات والانواع يختلف فيما بينها،ولذا فإن العوامل الممرضة لحمات النزلة الوافدة تمتاز بالسرعة على التحور ضمن الشروط الطبيعية.

وتنتشر الانفلونزا في كل أنحاء العالم،وبشكل سنوي،مما يؤدي إلى حدوث حوالي 3 ـ 5 مليون حالة من الإصابات الشديدة،وحوالي ربع إلى نصف مليون وفاة سنويا.ويحدث الانتشار والتفشي في المناطق الشمالية والجنوبية من العالم في فصل الشتاء بشكل رئيسي،وأما في المناطق المحيطة بخط الاستواء فيحدث الانتشار في أي وقت من السنة.

والإصابات لها علاقة مع فوعة الفيروس من جهة(شدته وحميته)،ومن جهة أخرى حسب الحالة المناعية للمريض.

في القرن العشرين حدثت ثلاثة جائحات للإنفلونزا في العالم:الانفلونزا الإسبانية في عام 1918م ونجم عنها 50 مليون وفاة،والانفلونزا الأسيوية عام 1957م ونجم عنها حوالي مليونين من الوفيات،وانفلونزا هونغ كونغ عام 1968م ونجم عنها مليون حالة وفاة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية عن تفشي نوع جديد من الانفلونزا هوH1N1 والذي نجم عنه مايسمى جائحة انفلونزا الخنازير وشوهد عام 2009م .

وقد كان متعارفا عليه سابقاً أن الانفلونزا تفتصر على البشر فقط ولكن في السنوات الاخيرة تبين أنها قد تصيب بعض الحيوانات ومنها الخنازير والخيول والطيور.

إن انتقال العدوى يتم بشكل رئيسي عن طريق البشر،وبالتالي فإن استمرار بقاء هذه الفيروسات يعتمد على الانتقال من إنسان لآخر،لأنها غير قادرة على البقاء حية في الطبيعة.

وأهم وسائط انتقال العدوى العطاس،حيث أن المصاب عندما يعطس ينشر أكثر من نصف مليون من جسيمات الفيروس في الهواء،والعدوى أشد ماتكون في أول 48 ساعة من المرض،وتستمر حتى 5 أيام،وقد تستمر أحياناً حتى اليوم التاسع،ويظل الفيروس في أجسام المصابين حتى اسبوعين تقريباً.

وانتشار العدوى يتم بثلاثة طرق :

1 ـ التماس المباشر:وخاصة من خلال العطاس الذي يصيب رزازه عين أو أنف أو فم الشخص الآخر .واستنشاق قطرة واحدة فقط من الفيروس في الجو قد يكون كافياً لحدوث العدوى.ومن المعلوم أن العطسة الواحدة قد ينجم عنها 40 ألف قطرة!!وقد تبين أن انخفاض الرطوبة ونفص أشعة الشمس يساعد على بقاء القطرات في الجو لفترة أطول.

2 ـ استنشاق مفرزات المصاب في الهواء عن طريق السعال أو العطاس أو البصق

3 ـ عن طريق الاسطح الملوثة بالفيروس مع تماس مع الأنف أو الفم ،وخاصة من خلال المصافحة .

وقد تبين في الدراسات الحديثة أن فيروس الانفلونزا يمكن أن يعيش خارج الجسم لفترة معينة،وبالتالي يمكن أن ينتقل من خلال الأسطح الملوثة مثل الأوراق النقدية، ومقابض الأبواب،ومفاتيح الإضاءة،وغيرها من الأدوات المنزلية.وقد تبين أن القيروس يعيش على الاسطح الصلبة غير المسامية مثل البلاستيك أو المعدن لمدة يوم إلى اثنين،ولمدة 15 دقيقة على أنسجة الورق الجاف.وخمس دقائق فقط على الجلد.

يبلغ دور الحضانة24 ـ 48 ساعة تقريباً،وهذا يفسر شدة الانتشار والإصابات،وإن شدة الإصابة تعتمد على بعض الأمور ومنها:السن،والحمل،والانتانات السابقة.والأمراض المرافقة.

الإمراضية:

إن فيروس الانفلونزا ينتمي لمجموعة Ortho myxo Virus،وهو ينقسم إلى AوB،وعلى سطح هذه الفيروسات توجد مستضدات من نوع الهيماغلوتنين ومن نوع النوروامينيداز وهذه المستضدات تتعرض لتغيرات مستمرة في تركيبها،وهذا يغير من صفاتها الاستضدادية،وبالتالي التأثير على الجملة المناعية من أجل تشكيل الأضداد المناسبة بعد كل تغيير.وإذا كانت التبدلات بسيطة في المستضدات الفيروسية فإن هذا يتطلب جهداً مناعياً جزئياً بسيطاً،وهذا مايشاهد سنوياً في الوافدات التي تحصل وتكون النتائج بسيطة،وأما إذا كانت التبدلات شديدة في المستضدات فإن هذا يتطلب جواباً مناعياً شديداً وجديداً وهذا يفسر حدوث الجائحات التي تحدث كل عدة سنوات.

وأهم الأعراض السريرية المشاهدة:

1 ـ الحمى:وهي مرتفعة عادة،وقد تصل الأربعين،وهي حمى فجائية الحدوث،وتتراجع خلا 2 ـ 5 أيام، إذا لم يكن هناك اختلاط ثانوي.وتترافق الحمى مع القشعريرة ولكنها ليست شديدة.

2 ـ السعال: وهو غالباً من النوع الجاف،التشنجي،قصير الأمد.

3 ـ حس الألم بشكل حارق خلف عظم القص وهو من الأعراض المميزة وينجم عن حدوث نخرة في الغشاء المخاطي للرغامى غالباً.

4 ـ الصداع:ويكون غالباً في ناحية الجبهة،وهو من النموذج النابض،وشدته لها علاقة مع درجة الترفع الحراري.

5 ـ الآلام العضلية:وخاصة في العضلات الخارجية للعينين،وهي نموذجية وواسمة،وقد لا تكون عفوية ولكن محدثة بالفحص،وهي آلام عضلية عامة وقد تكون موضعة وخاصة في الظهر والأطراف السفلى.

6 : ومن الأعراض الأخرى:آلام والتهاب الحلق،انسداد وسيلان الأنف،والرعاف وهو نادر الحدوث ولكن وجوده يعتبر عامل تشخيصي هام،وأما الأعراض المعدية ـ المعوية فهي نادرة الحدوث.

7 ـ الوعكة والإنهاك:وهو من الاعراض الهامة.

وبشكل عام وفي معظم الحالات وبالرغم من شدة الأعراض السريرية وضألة الفحوص الحكمية السريرية فإن الانفلونزا تنتهي خلا 3 ـ 10 أيام وبدون عقابيل أو اختلاطات،وفي حالات نادرة تحدث اختلاطات قد تكون شديدة ومنها:التهاب عضلة القلب،والتهاب الدماغ،ولكن أشد الاختلاطات المشاهدة هو حدوث ذات الرئة بالنزلة الوافدة وهذه تقسم إلى نوعين:

1 ـ ذات الرئة البدئية بحمات النزلة الوافدة:Primar  Infl Virus Pneumonia:وهي من الادواء الشديدة الخطيرة التي قد تكون مميتة أحياناً،وتترافق مع حمى شديدة مرتفعة،وسعال منتج،وقشع مدمى،وزلة تنفسية شديدة،الزرقة والحالة العامة السيئة.ومن خلال الفحص السريري والشعاعي يمن تشخيص المرض.وأكثر مايشاهد هذا الاختلاط الشديد لدى المرضى بأمراض القلب أو المصابين بأدواء الرئة المزمنة وأيضاً عند الحوامل.وقديتطور الداء إلى القصور التنفسي الحادARDS

2 ـ ذات الرئة الفيروسية ـ  الجرثومية المتشاركة:وهي تحدث بسبب انتان جرثومي ثانوي إضافي وأكثر الجراثيم المسببة لها المكورات الرئوية ومحبات الدم للنزلة الوافدة،ونادرا المكورات العقدية الحالة للدم.

3 ـ ذات الرئة الجرثومية التالية للنزلة الوافدة:وهذه تحدث كإنتان ثانوي تالي للانفلونزا وتسببه بعض الجراثيم .وخاصة محبات الدم للنزلة الوافدة والمكورات العقدية الحالة للدم والمكورات العنقودية المذهبة.

وإن أهم أسباب الوفيات بالانفلونزا هو الانتانات الجرثومية الثنوية،وتُعلل وفرة الأنتانات الثانوية أن الفيروس يؤدي إلى تخريب الغشاء المخاطي للقصبات،كما أن الفيروس يسبب تثبطاً مناعياً مؤقتاً ولذا يشاهد في الداء نقصاً في عدد الكريات البيض من نوع بالعات الكبار.وفي الخلايا اللمفية وخاصة في الأماكن المصابة من الغشاء المخاطي للقصبات.

أهم أسباب الوقاية من حدوث النزلة الوافدة هو تجنب المرضى المصابين بالداء،وقد تبين أن غسل اليدين يقلل من خطر حدوث العدوى لان الفيروس يموت عند استعمال الصابون،كما أن استعمال وارتداء القناع الجراحي يخفف من حدوث العدوى،وينصح بالتطعيمات السنوية ضد المرض وخاصة عند الاشخاص الذين لديهم أمراض مزمنة والمسنين وحالات نقص المناعة ولديهم مخاطر عالية.واللقاح غالباً ما يكون فعالاً ضد ثلاثة أو أربعة أنواع من الانفلونزا،وهو لقاح جيد التحمل غالباً،ولابد من التطعيم السنوي لان الفيروس يتطور بسرعة وتيحدث لديه التحورات والطفرات.

هناك الآن مجموعة من الادوية وخاصة مضادات الفيروسات وهي تعطي نتائج جيدة وخاصة في المراحل المبكرة من المرض،لذا ينصح بالتشخيص الباكر.

من الناحية الأدبية:

جاء في يوميات الأيام – شفيق جبري – ص32 تحت عنوان : طب المتنبي،صحة الأجسام بالعلل :”

” لست طبيباً ،فلا علم لي بصحة الأجسام وعللها ،ولا اُومن  بالأطباء ،فما لقيت الخير على أيديهم من ستين سنة ،فأنا أمشي بدائي  مامشى دائي بي ،ولكن اُومن بطب المتنبي ، فمن مذهبه في هذا الطب قوله :

لعل عَتبكَ محمودٌ عواقبهُ                            فربما صَحَّتْ الأجسامُ بالعللِ

لقد خطر على بالي هذا البيت من اسبوعين ،فقد أصابتني علة لها أسماء مختلفة ،منها الزكام ومنها أنف العنزة ،ومنها أبو الركب ،ومنها الكريب،وربما خالفني الأطباء في هذه الأسماء ووجدوا لكل واحد منها خاصيته ،فما تهمني هذه المخالفة ،وأما الذي يهمني أن هذه العلة لم اُصب بأشد منها من خمس وأربعين سنة ،لقد مرّت عليَّ الليلة الأولى وكأنني بين يدي عزرائيل ،فقد تهدّم جسمي ،ولصق هذا الجسم بالسرير ،فلم أستطع سبيلاً إلى الإنقلاب من اليمين إلى الشمال ،أو من الشمال إلى اليمين ،وإذا حاولت النهوض من السرير قعد بي الجسم عن هذا النهوض ،فلزمت الفراش حتى الصباح ،وأنا كالحطب المكسر ،وفي الصباح أسرعت إلى بلودان لتغيير الهواء فعالجت نفسي بنفسي ، فغطست القدمين في الماء الحار ،وشممت بخار الاوكالبتوس ،وبلعت الكينا والأسبرين ، حتى كانت الليلة الثانية ،في هذه الليلة لان جسمي بعد اليبوسة ،ولكن تمكّن مني سعال كادت الرئة تتمزق منه ،ولما جاءت الليلة الثالثة خفت العلة بعض الشئ  وعاد إلى الجسم بعض قوته “.

وجاء في كتاب ضحى الإسلام لأحمد أمين(ج1 ص198):

“عبد الله بن المقفع دعاه عيسى بن علي على الغذاء فقال له:”أعزّ الله الأمير .لست اليوم للكرام أكيلا.قال: ولم؟ قال: لأني مزكوم والزكمة قبيحة الجوار،مانعة من عشرة الأحرار”.

شوقي :

وما ضَرَّ الورودَ ؟ وما عَليها  ؟            إذا المزكومُ لم يَطعمْ َشذاها

جميل صدقي الزهاوي:

وما كان يدري الروض أن خريفه               قريب وأن الورد آفتهُ البردُ

ابن الرومي في أحدهم اصابته علة البرد:

ما أنت والبردُ يا من كل جارحةٍ                من جسمهِ ذات نيران وأنوار

جارتْ عليلتك المنهاجَ ساريةً                 وهل يضل على بدر الدجى ساري؟

برد اطاف بنار منك موقدةٍ                     ليست تبوخ ولا تذكى بمسعارِ

ما كان يجمع-جلَّ الله-بينكما                 إلا المؤلفُ بين الثلجِ والنارِ

وإنما هو برد والسلامُ لهُ                      شفع وفيك ضاع زنده واري

واللهُ يأسر قوماً ثم يطلقهم                 والهرُ ينسخُ أطواراً بأطوارِ

كأنني بك في سربالِ عافيةٍ               والحال حالان من نقض وإمرار

أبو تمام يتكلم عن أثر البرد في الضلوع والأحشاء والكلي:

من كان يجهل منه جد سورته              في القريتين وأمر الحقّ مكتهل

فما الضلوع ولا الأحشاء جاهلة              ولا الكلى أنه المقدامة البطل

البحتري :

تَمَخَّطُ للزُكام ،وفيك بَرْدٌ                      جُمادِيُّ يُخَبِرُّ عن قُعاسِ(داء في الغنم من كثرة الاكل تموت منه)

صفي الدين الحلي:

لا تأمنَنَّ إلى الخريفِ وإن غدا                      عذبَ الهواءِ يَلّذُ للأجسامِ

واحذر  توصُّلُهُ إليك بلذةٍ                             فالداءُ يحدثُ من ألذِّ طعامِ

ابن سكرة:

أيها النَّزلةُ سيري                                      وانزلي غيرَ لهاتي

واتركي حَلقي بحقيّ                              فهو دهليز حياتي

(من أمثال العرب : النار فاكهة الشتاء والحلق دهليز الحياة)

2 ـ جائحة فيروس كورونا:أو جائحة كوفيد 19:

العامل المسبب:

وهي جائحة عالمية ومازالت مستمرة حالياً لمرض فيروس كورونا 2019(كوفيد 19)،سببها فيروس كورونا2 المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة(سارس ـ كوف 2 ) .

ويعتقد وجود منشأ حيواني للفيروس بسبب ارتباط معظم الحالات المبكرة بسوق ووهان للمأكولات البحرية للبيع بالجملة.

والفيروس يتبع لما يسمى الفيروسات التاجية(Corona virus)والتي تضم :

ـ Reo virus

Adeno virus

Picorna vyrus

Covid virus

وتعد فيروسات الكورونا فيروسات مغلفة مع جينون حمض نووي ريبوزي مفرد السلسلة موجب الاتجاه،ويعتبر فيروس الكورونا الأكبر بين فيروسات RNA.وسميت بالفيروسات التاجية لأنها تحت المجهر الالكتروني تظهر وحواليها هالة شمسية الشكل أو بشكل تاج الملك.

واكتشفت فيروسات الكورونا في عام 1960م،وألول الفيروسات المكتشفة كانت فيروس التهاب القصبات .ومن أشهر أنواع الفيروسات التاجية نذكرك

ـ فيروس كورونا سارس:اكتشف عام 2003وهو يسبب المتلازمة التنفسية الحادة(SARS)وهي تسبب اضظرابات تنفسية حادة وشديدة،واكتشف عام 2003م .

ـ فيروس كورونا البشريNL 63 اكتشف عام 2004

ـ فيروس كورونا الجديد:كوفيد ذ9  اكتشف عام 2019م

والكوفيد فيروس والمسمى كوفيد 19 هو المسبب لجائحة كورونا،وقد تبين أنه قد تحصل عليه بعض الكفرات والتحورات مما يزيد من الإصابات به ومن شدتها،وخاصة ما يسمى المتحور دلتا،والذي اكتشفت سلالته في الهند في تشرين الاول 2020،والذي أدى إلى انتشار إصابات شديدة ومنتشرة في الهند ولاحقاً في بريطانيا.

الإمراضية:

بعد دخول فيروس الكوفيد 19 إلى داخل الخلية،يقوم بنزع قفيصته في المحفظ الخارجية ويحرر جينوم الرنا الخاص به في السيتوبلازما الخلوية.ومن ثم يرتبط مع الريبوزوم داخل الخلية ويعمل على استنساخ نسخ جديدة له معتمداً على استخدام ماكينة الخلية المضيفة.

الوبائيات:

تفشى المرض للمرة الاولى في مدينة ووهان الصينية في أوائل شهر كانون الاول عام 2019.وأعلنت منظمة الصحة العالمية رسمياً في 30 كانون الثاني أن تفشي الفيروس يشكل حالة طوارىء صحية عامة تبعث على القلق الدولي،وأكدت تحول الفاشية إلى جائحة يوم 11 آذار 2020م.وأبلغ عن أكثر من 194 مليون إصابة بكوفيد 19 في أكثر من 188 دولة ومنطقة حتى تاريخ 27 تموز عام 2021م،تتضمن أكثر من أربع مليون حالة وفاة،بالإضافة إلى تعافي أكثر من ملييون مصاب.وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكة أكثر الدول تضرراً من الجائحة،حيث سجلت أكثر من ربع مجموع عدد الإصابات المؤكدة.

طريقة العدوى:

ينتقل الفيروس بالدرجة الاولى عند المخالطة اللصيقة بين الأفراد،وغالباً عبر الرذاذ والقطيرات التنفسية الناجمة عن السعال أو العطاس أو التحدث(الكلام).وعادة ما تسقط القطيرات على الأرض أو على الأسطح دون أن تنتقل عبر الهواء لمسافات طويلة.وفي حالات أقل حدوثا للعدوى تنجم عن لمس العينين أو الفم أو الأنف بعد لمس سطح ملوث بالفيروس.والعدوى بالمرض شديدة وسريعة،وهو أسهل انتشاراً من الانفلونزا،

تبلغ قابلية العدوى ذروتها خلال الأيام الثلاثة الأولى بعد ظهور الاعراض،مع امكانية انتقال المرض قبل ظهور الأعراض عبر المرضى الحاملين للفيروس بدون أن تظهر عليهم الأعراض بعد.

الأعراض:

تتراوح المدة الزمنية الفاصلة بين التعرض للفيروس وبداية الأعراض من 2 ـ 14 يوماً،وبمعدل وسطي خمسة أيام.وقد يكون هناك مصابين بدون أن تظهر لديهم الأعراض أو تكون إصاباتهم خفيفة.

وتتضمن الأعراض الشائعة للمرض ما يلي:الحمى (88%)والسعال الجاف(68%)،والإعياء،وضيق النفس،وفقدان حاستي الشم والذوق.وألم العضلات والمفاصل،التهاب الحلق،والصداع،والإقياء…

التشخيص:

بالاعتماد على الأعراض.

ـ اجراء تفاعل البوليميراز:(PCR Test)ويتم للإفرازات المصابة بأخذ عينة من الحلق والبلعوم،ومن تجويف الأنف.(المسحة الأنفية البلعومية)وهذا الفحص يكشف عن وجود قطع RNA الفيروسي.

ـ الفحوص المصلية للكشف عن وجود الأضداد المفرزة تجاه العامل المرضي

ـ الفحوص الشعاعية وخاصة في حال الاشتباه بالإصابات الرئوية الشديدة كذات الرئة.وخاصة التصوير الطبقي الشعاعي

الاختلاطات:

من المضاعفات والاختلاطات التي قد تحدث بسبب المرض حدوث مايلي:ذات الرئة،ومتلازمة الضيق التنفسي الحاد.والصدمة الانتانية،والقصور الكلوي الحاد.وتشاهد الإصابات الشديدة غالباً عند المسنين والمصابين بالأمراض المزمنة وخاصة داء السكري وأمراض القلب وأمراض الرئة المزمنة وارتفاع ضغط الدم ومرضى التثبط المناعي …

الوقاية:

ـ غسل اليدين:ينصح بغسل اليدين بالماء والصابون لمدة عشرين ثانية على الأقل،وخاصة بعد الذهاب إلى المرحاض،وقبل الأكل،وبعد تنظيف الأنف أو السعال أو العطاس.وقد تبين أنه يمكن قتل الفيروس بواسطة الصابون المنزلي.كما ينصح أيضاً باستعمال المطهرات التي تحتوي على الكحول بنسبة 60% على الاقل.

،وتغطية الفم عند السعال.وتجنب لمس العين أو الأنف بأيدٍ غير مغسولة.

،والمحافظ على مسافة كافية بين الافراد(أكثر من مترين) أي التباعد الاجتماعي.

وارتداء أقنعة الوجه الطبية الجراحية(الكمامات) في الأماكن العامة.إذ تبين أنها تقلل من حجم ومسافة انتقال القطيرات الزفيرية المنتشرة عند التحدث والعطاس.

ـ تعقيم الأسطح بواسطة المطهرات المنزلية التي تقتل الفيروس خارج الجسم البشري أو على اليدين ومنها الصابون العادي.والإيتانولبتركيز 62 ـ 71%،والإيزو بروبانولول50 ـ 100%،وغيرها…وينصح في حال الاشتباه الإصابة في مكان ما بتطهير جميع الأماكن مثل المكاتب والمعدات الالكترونيةالمشتركة،والحمامات…

ـ عزل الأشخاص المصابين(العزل الصحي).حيث يتم عزل المصابين بالمرض أو المشتبه بإصابتهم به(حتى تظهر نتائج الفحوص)

ـ اللقاحات:

لقاح كوفيد 19:هو منتج من منتجات التكنولوجيا الحيوية،يهدف إلى توفير المناعة المكتسبة تجاه مرض فيروس كورونا(كوفيد 19)

هناك مجموعة من اللقاحات التي ينصح بها تجاه الجائحة وأهمها:

1 ـ لقاح بيونتيك ـ فايزر:ويقال أن نسبة فعاليته تصل حتى 95%،ويعطى بشكل حقنتين في فترة زمنية بينهما 2 ـ 3 أسابيع وأحيانا حتى 6 أسابيع،وهناك دراسات تنصح بإعطائه للأطفال بعمر 12 ـ 17 سنة.

2 ـ لقاح مودرنا:فعال بنسبة 94%،وهو يعطى للأشخاص فوق سن ال18،ويعطى حقنتين بفاصل أربع أسابيع وربما حتى 6 أسابيع.

3 ـ لقاح جونسون آند جونسون:يعطى مرة واحدة،ونسبة الوقاية حوالي 85%.

4 ـ لقاح اكسفورد ـ أسترازينكا:هو ناقل فيروسي قردي مُضعف الانتساخ ،وفي آذار عام 2021 أوقفت بعض الدول إعطائه بسبب وجود حالات نادرة من تخثر الدم بعد إعطائه،ولكن بعد بيان وكالة الأدوية الأوروبية استأنفت الدول الأوروبية التلقيح به.

اللقاح الاول والثاني يعتمد في تركيبه على mRNAحيث تبين وجود تركيبات شوكية الشكل في سطح الفيروس وتسمى البروتينs واللقاح يستدعي تشكل أضداداً مناعية تجاه هذا البروتين .

أما اللقاح الثالث(جونسون) فإن العلماء أخذوا المواد الوراثية من الفيروس وأدخلوها في نوع مختلف من الفيروسات الحية الضعيفة،مثل القيروس الغدي،وعندما يدخل هذا الفيروس الضعيف الناقل للعوال الوراثية إلى خلايا الجسم فإنه يستدعي تشكل الاضداد المناعية.

ولكن السؤال ماهو درجة فعالية اللقاحات تجاه المتحورات والطفرات من الفيروس وخاصة المتحور دلتا؟

تبين الدراسات حالياً أن سلالة دلتا أصبحت تنتشر بسرعة في أمريكا،وقدرتها على العدوى والإصابة أشد من الفيروس الام وقد تسبب أمراضاً شديدة الوطأة.وقد تبين أن اللقاحات لا تمنع من الإصابة بهذه السلالة ولكن تكون الإصابات ليست شديدة وخطيرة غالباً.

إن إعطاء هذه اللقاحات قد يترافق مع بعض التأثيرات الجانبية بعد إعطاء الزرقة الأولى أو الثانية ونذكر منها:

الألم والتورم والاحتقان في مكان الزرق،الحمى،الإرهاق،الصداع،الألم العضلي،القشعريرة،ألم المفاصل،الغثيان والإقياء،تورم العقد اللمفية الناحيوية.

ويمكن إعطاء اللقاح للمرضعات والأطفال فوق سن 12 سنة،وأما بالنسبة للحوامل فلا توجد دراسات مؤكدة حول هذا الموضوع،وإن كانت بعض الأبحاث لا تجد خطورة في إعطاء الحوامل اللقاح.حيث أن معظم الدراسات تؤكد أن لقاحات الكوفيد 19 وهي من نوع الحمض الريبي النووي المرسل لا تغير الحمض النووي في الجسم ولا تسبب تغيرات على مستوى المورثات والجينات في خلايا الجسم.وقد أعطي لقاح جونسون للحوامل في فترات الاختبارات السريرية ولم تحدث مضاعفات للحامل أو الجنين.كما أن اللقاح كما تؤكد الدرسات لا يؤثر على الخصوبة الجنسية أو الدورة الشهرية عند النساء.

ويمكن إعطاء اللقاح أيضاً لمن أصيب بالمرض،وينصح حالياً بإعطاء جرعة واحدة على الأقل بعد ستة شهور من الإصابة بالمرض.

النتائج الاقتصادية والاجتماعية للجائحة:

سببت الجائحة أضراراً اجتماعية واقتصادية عالمية بالغة.ومنها حدوث أضخم ركود اقتصادي منذ الكساد الكبير،وتأجيل الأحداث الرياضية والدينية والسياسية والثقافية أو الغائها.مع إغلاق المدارس والجامعات ودور الحضانة في معظم أنحاء العالم.

(نقلا عن الويكيبيديا ومراجع أخرى).

3 ـ متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد(SARS)Severe acute respiratory Syndrome

هو مرض فيروسي تنفسي من أصل حيواني المنشأ،بدأ ظهوره في الصين،وأخذ ينتشر في بلدان العالم ولاسيما في دول جنوب شرقي آسيا،ويسبب التهابات رئوية حادة تسبب غالباً الوفاة.ويعتبر الطبيب الإيطالي كارلو أورياني هو أول من اكتشف الفيروس وتوفي بسببه.

وقد ظهر هذا الداء في آذار عام 2003م وسجلت أول الإصابات في شمالي الصين،وسببه فيروس تابع للفيروسات الإكليليةCorona Virus(مثل الكورونا).وهو فيروس شديد العدوى،وتنتقل العدوى عن طريق الرذاذ،ولذا فإن أكثر الناس إصابة هم أقارب المريض الذين هم بتماس معه مباشرة،وكذلك الجهاز الطبي.وتبلغ فترة الحضانة 4 ـ 7 أيام.ونسبة الوفيات 5 ـ 10%.وهو مرض معدٍ شديد،وترتفع نسبة الخطورة به عند المسنين والمصابين بالأمراض المزمنة.والعدوى تتم بالتماس المباشر وخاصة عن طريق رذاذ المريض(العطاس أو السعال)،ويمكن التخفيق من العدوى باستعمال الكمامات الأنفية والقفازات الجلدية.

ويسبب هذا الفيروس عند المصابين به ذات الرئة اللانموذجية،مع حدوث حمى وسعال شديد وضيق في التنفس وصداع والآلم العضلي والغثيان وربما الإسهال.

4 ـ الالتهابات بالفيروسRSV

هذا الفيروسRespiratory Syncytial Virus،من أهم الأسباب لأمراض القصبات السفى عند الأطفال الرضع والصغار.وهو يسبب التهاباً في القصيبات وذات الرئة وقد يكون مميتاً.وأما عند الكبار فإنه يسبب أعراضاً بسيطة في المجاري التنفسية العليا،ولكنه عند المسنين ومن لديهم أمراض مزمنة في الرئة والقصبات قد يسبب اصابات وخيمة.

والفيروس المسبب للداء ينتمي لمجموعةParamyxovirus، RNA،وقد تم عزله سنة 1956م.وهو الفيروس الوحيد تقريباً الذي يصيب المجاري التنفسية ويسبب إصابات كل عام وبشكل منتظم ويحدث بشكل وافدات وخاصة في المناطق التي يكون بها لاالطقس معتدلاً.وتبدأ الإصابة به عادة في أشهر الشتاء وتختفي غالباً في أشهر الصيف.

وفي حال الوافدات فإن الأطفال الرضع والصغار يصابون به بنسبة حوالي50%،ويقال أن معظم الرضع يصابون به في أول شتاء من حياتهم.وحوالي 40% من الإصابات تسبب ذات الرئة.وعندما يصل الطفل لسن الثلاث سنوات فإن معظم الأطفال يكونون قد أصيبوا به.ومع ذلك يشاهد معاودة الإصابة بهذا الفيروس في كل الأعمار ولكن بشكل إصابات طفيفة.

تحدث العدوى بالتماس المباشر وعن طريق الرذاذ،أي خاصة العطاس والسعال،ودور الحضانة 4 ـ 5 أيام.

والفيروس لا يستطيع العيش لفترة طويلة في المحيط الخارجي ولكنه يعيش فترة أطول في حرارة الغرف.ويمكن أن تحدث العدوى أيضاً إذا لامس الفيروس السطوح الملساء كالبلاستيك والرخام…ومع التماس بهذه السطوح تحدث العدوى أيضاً وهذا مايشاهد غالباً في المشافي وأماكن التجمعات السكنية مثل بيوت العجزة.

إن أشدّ الإصابات تشاهد عند الرضع وخاصة الخدج،أو المصابين بأمراض القلب الولادية.

وتبدأ الأعراض عادة بحمى وأعراض الرشح،وبعد 1 ـ 3 أيام يحدث سعال شديد،ونقص الشهية،وتسرع التنفس،وقد يستمر هذا أسبوعاً إلى عدة أسابيع،وقد يحتاج للمعالجة في المستشفى.وعند بعض الأطفال يشاهد التهاب القصيبات أو التهاب المجاري التنفسية العليا فقط ،ويمكن عند هؤلاء الأطفال أن تتكرر الإصابة ولكن غالباً بشكل التهاب قصبات أو التهاب الأذن الوسطى.وبعد السنة الأولى من العمر تقل الإصابات بهذا الفيروس.

وأما عند الكبار فتحدث بعض الأعراض البسيطة مثل أعراض الرشح ولكن لفترة أطول من الرشح العادي،وربما أحياناً التهاب القصبات.وعند المسنين ومن لديهم الأمراض المزمنة وخاصة القلبية أو الصدرية فإنه قد تحدث لديهم إصابات شديدة.

5 ـ متلازمة Croup

هي متلازمة وليس مرضاً بحد ذاته،يتميز بضيق النفس أثناء الشهيق Insp Stridor والذي يترافق مع سعال نُباحي يشبه مايصدره كلب البحر من أصوات.

يصيب الأطفال الصغار وخاصة مابين سنين الستة شهور والثلاث سنوات،وذلك لوجود تضيق فسيولوجي في الحنجرة وهذا يتأثر بالالتهابات التي تصيب الأغشية المخاطية للحنجرة مما يزيد من هذا التضيق.

وهو داء انتاني أكثر ما تسببه الحمات الراشحة نظير الأنفلونزا وأكثر ما يشاهد في الخريف وحتى أوائل الربيع.

والكلمة Croup كلمة اسكتلندية وتعني البحة.واستخدمت لأول مرة عام 1763م.

الوبائيات:تسبب المتلازمة مجموعة من الفيروسات والجراثيم ونادراً بعض العوامل التحسسية،وأكثرها شيوعاً الفيروسات نظير الانفلونزا ونادراً فيروسات أخرى،وفي حالات نادرة المكوبلاسما والجراثيم محبات الدم للنزلة الوافدة.

وغالباً ما يشاهد هجمات فصلية،في أشهر الخريف وحتى أوائل الربيع،في حالة نظيرات الانفلونزا، وأثناء الشتاء بسبب فيروسات الانفلونزا.

وتحدث العدوى بسبب قطرات الانف والسعال،والفيروسات نظير الانفلونزا عبارة عن فيروسات بقطر 150 ـ 200 نانومتر،تتألف من RNSوحيد السلسلة وتنضم إلى مجموعة Paramyxovirusوتتألف من ألأربعة أنواع كشفت مابين سنوات 1956 ـ 1960.والأنواع الثلاثة الأولى تصيب غالباً الأطفال الصغار،وأما النوع الرابع فيصيب غالباً الكبار،وتسبب التهابات في المجاري التنفسية العليا.

الاعراض لسريرية:يسبق الكروب عادة التهاباً في المجاري التنفسية العليا،ثم يحدث ضباح(ستريدور)شهيقي وغالباً أثناء الليل،مع بحة شديدة،ويستيقظ الطفل على ضيق نفس شديد،ويبدو ليع علامات سحب ضلعي شهيقي،وفي الحالات الشديدة يحدث الزراق والتنفس السطحي،وفي نصف الحالات يشاهد حمى،وغالباً ما تتحسن الأعراض صباحاً لتعاود ثانية أثناء الليل،وتختفي غالباً بعد 3 ـ 4 أيام،والمعالجة في الحالات البسيطة عرضية وفي الحالات الشديدة تحتاج للمعالجة في المشافي.والداء قابل للنكس والمعاودة.

الأمراض التي تنتقل عن طريق جهاز الهضم :

إنّ هناك الكثير من الأمراض المُعدية التي يتم انتشارها عن طريق الجهاز الهضمي وهذا اما ان يكون :

أولاً: بواسطة التماس المبُاشر مع مفرغات المريض أي البراز.

أو غير المباشر عن طريق تلوث الغذاء والشراب بالبراز والتلوث بالبراز يكون غالبا بسبب تلوث اليدين وخاصة عدم الإعتناء بنظافتهما بعد التغوط مثلا.

إذًا أهمُ الأسباب لإنتقال العدوى إلى الجهاز الهضمي هو عن طريق تلوث اليدين.

ثانياً: تلوث الطعام

ثالثاً: تلوث الشراب

رابعاً: عن طريق الحشرات وخاصة الذباب والصراصير.

وجاءت السنة النبوية  المطّهرة قولاً وفعلاً وتقريراً للحدِّ من انتشار هذه العدوى:

أولاً: نظافة اليدين وخاصة في الحالات التالية:

عند  الإستيقاظ من النوم : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:”إذا استيقظَ أحدُكمْ من نومه فلا يغمسُ يدهُ في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً  فإنَّهُ لا يدري أينَ باتتْ يده“. [رواه الشيخان عن ابي هريره رضي الله عنه ].

قبل تناول الطعام وبعده: قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: “بركةُ الطعام الوضوءُ  قبله والوضوءُ بعده. [رواه أحمد وأبو داوود والترمِذي ورمز السيوطي لحسنه ،وسنده ضعيف فيه المعلى بن راشد].

(والوضوء هنا بالمعنى اللغوي أي غسل اليدين)

عند ملامستهما لأي شئ قذر:  وخاصة بعد التّبول والتبرّز  (وسوف نتكلم عن هذا مفصلًا عند الحديث عن الإستنجاء).

وعن عاشة رضي الله عنها قالت:”كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جُنب توضأ،وإذا أراد أن يأكل أو يشرب،قالت:غسل يديه،ثم يأكل أو يشرب“[رواه النسائي وغيره وصححه الألباني].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من بات وفي يده ريح غَمَرٍ فأصابه شىء فلا يلومنّ إلا نفسه“[رواه البخاري والترمذي والحاكم].

(ريح غمر: أي دسم ووسخ وزهومة من اللحم).

فالحكمة الصحية من غسل اليدين قبل الطعام وبعده ومن خلال الأحاديث النبوية والهدي النبوي أن الإنسان ومن خلال ساعات يومه كثيراً ما يصافح بعض الناس ومنهم من يكون حاملاً لبعض الأمراض وإن كان لاتظهر عليه عوارضها، أو يلامس أشياء ملوثة وقذرة وتنتقل من خلالها العدد الكبير من العوامل الممرضة فإذا ما جلس إلى الطعام ولم يغسل يداه انتقلت عن طريق جهاز الهضم وسببت له الكثير من الامراض،كما أنه إذا لم يغسل يديه بعد الطعام وبقي عالقاً عليها بعض آثار الطعام كان هذا مَعيناً للحشرات أن تنقل له بعض الامراض،كما أن بقايا الطعام هذه وخاصة بعد تخمرها تشكل تربة صالحة لنمو بعض الجراثيم والطفيليات..

أما القواعد الصحية  فيما يتعلق بنظافة الطعام والشراب ومصادر المياه:يأمر الإسلام بنظافة إناء الطعام وغسله عدة مرات،وكان العرب لايعرفون الصابون،فيأمرهم باستعمال التراب في دعك الإناء لإزالة بقايا المواد الدهنية من جوانبه،كما يأمر الإسلام بعدم ترك الطعام والشراب مكشوفاً حتى لايتعرض للغبار أو الذباب أو الحشرات،ونذكر من الأحاديث الشريفة هنا:

ـ قال صلى الله عليه وسلم:”خمّروا الآنية،وأجيفوا الأبواب،وأطفئوا المصابيح،فإنّ الفُويسقة ربما جرّتِ الفتيلةَ فأحرقت أهل البيت[صحيح البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه].

ـ وقال صلى الله عليه وسلم:”غطوا الإناء،وأوكُوا السّقاء،وأغلقوا الباب،وأطفئوا السراج،فإنَّ الشيطان لا يَحلُّ سقاءً،ولا يفتحُ باباً،ولا يكشفُ إناءً،فإن لم يجد أحدكم إلا أن يَعرض على إنائهِ عُوداً،ويذكر اسم الله،فليفعل، فإن الفويسقة تُضرم على أهل البيت بيتهم “[صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه].

قال صلى الله عليه وسلم :”غَطُّوا الإناءَ، وأوكُوا السّقاء ،فإنَ في السنة ليلة ينزل فيها وباء،لايمرُ بإناء ليس عليه غماء ،أو سقاء ليس عليه وكاء ،إلا نزل فيه من ذلك الوباء. [رواه مسلم].

إن في هذا الحديث من الإعجاز العلمي في قوله صلى الله  عليه وسلم “إن في السنة ليلة ينزل فيها وباء”وهذا ما نشاهده حالياً حيث تحدث بعض الأوبئة في مواسم معينة من السنة وربما تحدث بعض الأوبئة في دورات معينة من السنين وهذا ما لاحظناه أخيراً في داء الانفلونزا وكذلك ادواء بعض الفيروسات الموسمّية والفصلية.

وحديث “ اوكّوا قربكم واذكروا اسم الله وغطوا آنيتكم  واذكروا اسم الله،وحديث ثالث “ أطفئوا المصابيح إذا رقدتم وغلقوا الأبواب وأوكّوا الأسقية وخمرّوا الطعام والشراب ” [رواه البخاري] .

(وخمروا هنا بمعنى غطوا)

وحديث جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “غطوا الإناء ، وأوكّوا السقاء ، وأغلقوا الأبواب، واطفئوا السراج ، فإنَ الشيطان لا يحل سقاء، ولا يفتح بابا ، ولا يكشف إناء ، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عوداً ويذكر اسم الله فليفعل  فان الفويسقه تضرم على اهل البيت بيتهم  “[رواه مسلم ].

و(الفويسقه الفار)

ويجب بشكل خاص على أصحاب ومحلات بيع اللحوم والبقالة والمطاعم وبيع الخضروات والفواكه أن يستجيبوا بشكل خاص لهذه التوجيهات النبوية الشريفة،ولكن مانشاهده وللأسف أن كثيراً من الباعة يتركون الطعام والشراب مكشوفاً إما جهلاً أو كسلاً معرضين حياة الناس للإصابة بالأمراض والتي قد تكون وخيمة وذات عقابيل مرضية خطيرة وخاصة على الأطفال والمسنين.

وحديث “اتقوا الملاعنَ الثلاثة،قيل :ما الملاعن يا رسول الله؟قال: أن يقعد أحدكم في ظل يُستظل به أو في طريق أو في نقع ماء”(رواه أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما وحسنه الألباني): وفي رواية:”اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد ،وقارعة الطريق، والظِّل ” [رواه ابو داوود عن معاذ بن جبل وهو حديث ضعيف].

(الموارد:جمع مورد:وهو الموضع الذي يأتيه الناس من رأس عين أو نهر للشرب)

وحديث” اتقوا اللاعنين قيل: وما اللاعنان ؟قال: الذي يتخلى في طريق الناس او ظِلّهم“.[ أخرجه مسلم وابو داوود عن ابي  هريرة رضي الله عنه] .

(  ومعنى اللاعنين أي الأمر الذي  يجلب لعنة الناس)

وحديث “لا يُبولّن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري،ثم يغتسل فيه ” [رواه الشيخان عن ابي هريره] .

وحديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم “نهى أن يُبال في الماء الراكد “[رواه مسلم ].

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لايغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب،قالوا كيف يفعل يا ابا هريرة قال يتناوله تناولا. [أخرجه مسلم والنسائي]، وفي حديث آخر:نهى أو نُهي أن يبول الرجل في الماء الدائم أو الراكد ثم يتوضأ منه أو يغتسل منه[أخرجه مسلم والنسائي وأحمد وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه].

فهذه الأحاديث جميعها تُحرِّم التبول والتغوط في الموارد وخاصة الماء الراكد ،الذي هو أنسب بيئة لنمو الجراثيم والطفيليات وخاصة المتعلقة بداء البلهارزيا والذي تنتقل الطفيليات فيه عن طريق الجلد وتسبب داء البلهارزيا الذي ينتشر في كثير من الدول العربية وخاصة مصر،كما نهى عن التبول والتغوط في الظِّل ،وهي أماكن استراحة الناس،وهذه الأماكن ولأنها لاتتعرض لأشعة الشمس فإنه يسهل فيها نمو الجراثيم والطفيليات وتكاثرها.

إن تلوث الماء ببراز الإنسان يكون واسطة للعدوى ببعض الأمراض عن طريق شرب هذا الماء أو تلوث طعام الإنسان وشرابه بهذا الماء الملوث،أو عن طريق السباحة في هذا الماء ودخول العوامل الممرضة عن طريق جلد الإنسان كالبلهارزيا وإحداث الإصابات والأمراض، وأهم الأمراض المنقولة هنا الأنتانات المعوية مثل الحمى التيفية والزحار والهيضة.. وكذلك الإسهالات الطفيلية مثل الزحار الأميبي وداء اللامبليا وأدواء الديدان المعوية مثل حيات البطن وشعرية الرأس والحرقوص..وكذلك فإنه يمكن لبعض الطفيليات كالبلهارزيا أن تدخل عن طريق الجلد ولذا الحذر من السباحة أو الاغتسال في الماء الراكد والنهي عن التبول فيه كما جاء في الأحاديث السابقة.

بعض الأمراض الانتانية الهضمية

1 الهيضة:يمكن الرجوع إلى الموضوع بالتفصيل في مقال:أمراض موصوفة بين الطب والدين ـ الهيضة أو الكوليرا.

2 ـ الحمى التيفية:

انتان شديد حاد،تسببه جراثيم السالمونيللا التيفية،والسالمونيللا هي مجموعة كبيرة من الجراثيم تضم مايزيد عن 1300 نوع من الناحية المصلية،ومعظمها مُمرض للإنسان،وتسبب عنده انتانات مختلفة كالانسمام الغذائي،والتهاب المعدة والأمعاء،والحمى التيفية،وتجرثم الدم.والسالمونيللا هي جراثيم سلبية الغرام،هوائية،غير مبذرة،عصوية الشكل.وأهم الانتانات التي تحدثها هي الحمى التيفية.

الوبائيات:

الناقل لهذا المرض المُصاب أو الحامل لهذه الجراثيم(الذي لا تظهر لديه الأعراض)والذي يطرح العصيات بكميات كبيرة في البراز والبول.ولعل المصدر الرئيسي للعدوى هو الإنسان “الحامل المزمن” الذي يطرح حوالي 10 مليون عصية لكل غرام من البراز.

وتتمكن هذه العصيات من البقاء في الماء،أو الجليد،أو التراب،لعدة أسابيع.ويلعب الذباب دوراً رئيسياً في نقل الجراثيم من البراز إلى الغذاء.

الإمراض والأعراض:

المدخل الرئيسي لهذه الجراثيم عن طريق انبوب الهضم،ويستمر دور الحضانة وسطياً 8 ـ 14 يوم.ثم تحدث الأعراض:

ـ دور البوادر:البدء تدريجي وليس فجائياً:القهم(قلة الشهية)والوعكة،الصداع ،الآلام المتعممة،والحمى.

دور الأعراض :

1 ـ الحمى:تكون في البدء مترددة،ومتكررة وخاصة في الاسبوع الأول،وابتداءً من الاسبوع الثاني تكون ثابتة ومرتفعة حوالي 40درجة.

2 ـ الصداع:وهو من أبرز الأعراض في معظم الحالات.

3 ـ السعال:يشاهد في 70% من ىالحالات ويكون سعالاً جافاً منهكاً.

4 ـ الرعاف:يشاهد بنسبة 10 ـ 20% من الحالات

5 الآلام البطنية:بشكل مضض وعدم الارتياح والثقل في ناحية البطن.

6 ـ الأعراض الهضمية:وخاصة حدوث الإمساك،ونادراً الإسهال

7 ـ اللسان الكتني:حيث يشاهد الكتن والجفاف حول حفافي اللسان

8 ـ الهذيان:ويشاهد في الاسبوع الثاني من المرض إذا لم يعالج المريض.

وتستمر الأعراض في حال عدم معالجة المريض حوالي أربع أسابيع،ثم تتراجع إن لم يحدث اختلاطات.

التشخيص:

1 ـ السريري:وخاصة الصداع والحمى المطبقة ،ومايسمى افتراق النبض ـ الحرارة(حيث يكون هناك بطء النبض بالرغم من الحرارة العالية)

2 ـ الفحوص المخبرية:حيث يبدي فحص الدم نقص الكريات البيض،مع فاقة دم طبيعية الصباغ،وفي نهاية الاسبوع الأول من المرض يكون زرع الدم إيجابياً عند أكثر من 90% من المرضى،وفي الاسبوع الثاني تكون التفاعلات المصلية للمرض إيجابية،وفيما بعد يمكن تحري الجراثيم في البراز أو البول.

الاختلاطات:

1 ـ النزيف الهضمي المعوي

2 ـ انثقاب الأمعاء وخاصة في ناحية الدقاق الانتهائي وهو أخطر الاختلاطات. وقد يشاهد في الاسبوع الثاني أو الثالث من المرض.

3 ـ من الاختلاطات الأخرى:التهاب الوريد الخثري وخاصة الفخذي،ذات الرئة،التهاب المرارة،التهاب العظم والنقي،ذات السحايا،وقد يحدث الإجهاض عند الحوامل.

المعالجة:هناك العديد من مضادات الحيوية التي تسرع في شفاء المرض وخاصة في مراحله الاولى.

الناحية الأدبية:

محمد محمود الزبيري يصف وباء التيفوس الذي اجتاح اليمن عام 1362هجري وتوفي به القاضي يحيي بن محمد الأرياني(شعراء عرب معاصرون البعيني ص335):

شمسٌ طواها بليلِ القبر مقدورٌ                  فالنور مُفتقَدٌ والصبحُ مقبورُ

وأقبلَ العيدُ أعمى غارَ ناظرُهُ                     كأنَّما اللحدُ في عينيهِ محفورُ

يسعى ويعثرُ بالأكباد مضرمةً                   كأنَّها الجمر في مسعاهُ منثورُ

رأى الثرى أدمعاً حمراً فرَّقَ له                 كأنَّما الأرضَ جُرْحٌ وهو دكتور

والموتُ يفتحُ أفواه القبورِ له                    على الطريقِ فيمشي وهو مذعورُ

يفتّرُ مبتسماً من قُبحِ طلعته                    كما تَبَسَّمَ للأهوالِ سكّيرُ

ويقول الأستاذ محمد سعيد العريان رحمه الله(الرسالة العدد 213):

“وفي السنة التي نال فيها مصطفى صادق الرافعي الشهادة الابتدائية أصابه مرض مشف أثبته في فراشه أشهراً ـ وأحسبه كان التيفوئيد ـ فما نجا منه إلا وقد ترك في أعصابه أثراً كان حبسة في صوته ووقراً في أذنيه من بعد.

وأحس الرافعي آثار هذا الداء يوقر أذنيه، فأهمّه ذلك هماً كبيراً،ومضى يلتمس العلاج لنفسه في كل مستشفى وعند كل طبيب،ولكن العلة كانت في أعصابه فما أجدى العلاج عليه شيئاً،وأخذت الأصوات تتضاءل في مسمعيه عاماً بعد عام كأنها صادرة من مكان بعيد،أو كأن متحدثاً يتحدث وهو منطلق يعدو…حتى فقدت إحدى أذنيه السمع،ثم تبعتها الأخرى،فما أتم الثلاثين حتى صار أصم لا يسمع شيئاً مما حواليه،وانقطع عن دنيا الناس.

وامتد الداء إلى صدره فعقدة عقدة في حبال الصوت كانت تذهب بقدرته على الكلام،ولكن القدر أشفق عليه أن يفقد السمع والكلام في وقت معاً،فوقف الداء عند ذلك،ولكن ظلت في حلقه حبسة،تجعل في صوته رنيناً أشبه بصراخ الطفل،فيه عذوبة الضحكة المحبوسة استحيت أن تكون قهقهة”.

ويقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(كلمات صغيرة ـ مقال بعنوان:مسؤولية الجميع ):

مررت أمس بصيدلية كبيرة أشتري دواء،فوجدت صفاً طويلاً من المنتظرين والصيدلي يقول لهم:”إنه على الطريق،لقد طلبناه من حلب”،فسألت،فإذا هم يطلبون”الكلورمستين”لأن في دار كل واحد منهم مصاباً بالتيفوئيد،ولما وصل تهافتوا عليه كتهافت الناس على سكر الإعاشة أيام الحرب،وأخذوا كل حبة منه بليرتين!

وأنا أعرف من أصحابي وأقربائي عدداً ما منهم إلا مصاب بحمى التيفوئيد،ويقول الأطباء إن من أقوى الأسباب في ذلك هذا السم الذي اسمه”الأسكيمو”(وقد سمّوه الآن “ألاسكا”،وأنه فوق ذلك يضرب الكليتين بما فيه من “السّكارين” ويؤذي الأمعاء.وقد كلّت الأقلام وملّت الألسنة من مطالبة”الصحة” بمنعه،و”الصحة” مريضة بداء الصمم لا تسمع.

فلم يبق إلا أن نحذر الناس منه ونطلب منهم أن يمنعوا منه أنفسهم وأولادهم،وأن يحموهم من أكله كما يحمونهم من لدغ العقرب وعضة الثعبان،وأن يتصوروا أبداً حمى التيفوئيد أمامهم وكم تكلفهم من الألم والسهر والمال،وأن يحسبوا:هل تساوي اللذة العارضة التي يلقونها عند مص”ألاسكا” هذا الثمن الفاحش؟”.

بعض الأمراض الإنتانية التناسلية

يراجع الموضوع بالتفصيل في الصحة الجنسية بين الطب والإسلام في الموقع.

بعض الانتانات المعدية عن طريق الجلد

1 ـ داء الجُدري(Smallpox):

هو مرض شديد العدوى ،سببه فيروس من الفيروسات كبيرة الحجم،وينتشر بين الناس عن طريق الملامسة المباشرة،أو عن طريق الأشياء الملوثة.

تاريخياً:

يرجع أقدم دليل على وجود المرض إلى القرن الثالث قبل الميلاد في المومياء المصرية(يقال أن رمسيس الخامس أصيب به)،ويقال أن الجدري هو ما كان يسمى الوباء الأنطوني والذي تفشى ما بين عامي 165 ـ 180م وقتل أكثر من 5 مليون شخص بما فيهم الامبراطور ماركوس أوريليوس،وسرع من تراجع الامبراطورية الرومانية.ويقال أن الجدري ساهم في محو امبراطورية الأزتك(المكسيك حالياً)بعد وصول الوباء إلى البلاد مع الغزاة الاسبان في عام 1915.حيث قضى على ما يقلرب 3 مليون شخص من السكان الأصليين.ويقال نفس الشىء عن انقراض امبراطورية الأنكا في أمريكا الجنوبية.

وقد تفشى المرض في قارة أوروبا في القرن الثامن عشر الميلادي،ويقدر عدد الأشخاص الذين توفوا سنوياً بحوالي 400ألف،وفي ثلث الحالات حدث العمى للمصابين،وشملت وفيات الجدري ستة ملوك،ويقدر أن عدد الوفيات بالجدري في القرن العشرين بلغت 300 مليون شخص.استخدم مصطلح الجدري لأول مرة في بريطانيا في أوائل القرن السادس عشر الميلادي لتمييز المرض عن داء الزهري(الإفرنجي)والذي كان يعرف أنذاك باسم “الجدري الكبير”.

ومن أهم الملوك والمشاهير الذين قضى عليهم الداء نذكر:

جوزيف الأول امبراطور آل هابسبورغ من حكام النمسا،والملكة ماري الثانية في انكلترا،والملك لويس الخامس عشر في فرنسا،وبيتر الثاني قيصر روسيا،والامبراطور شونزي ثالث أباطرة أسرة كينغ التي حكمت الصين.

لعل من أهم الانجازات العلمية في عصرنا الحالي هو اكتشاف اللقاح المضاد للجدري والذي اكتشفه طالب الطب Jenner وذلك عام 1796م.

ويعتبر الجدري أول مرض ينتصر عليه البشر.حيث تم الإبلاغ عن الحالة الأخيرة للجدري عام 1977م،وفي عام 1980 أعلنت منظمة الصحة العالمية أنه تم القضاء على المرض تماماً.

وأول من وصف داء الجدري وعرف به هو العالم المسلم أبو بكر الرازي.

العامل الممرض:هو فيروس يعتبر من أكبر الفيروسات من حيث الحجم،وهو فيروس مقاوم للجفاف،ويستطيع أن يبقى مدة 3 سنوات في حرارة الغرفة وهو معدي بشكل كبير.

الوبائيات:الإنسان هو المستودع الرئيسي لنقل المرض،والعدوى مباشرة أو غير مباشرة،ولا يكون المرض معدياً حتى اليوم الثالث من الإصابة. أي قبل يوم واحد من ظهور الندفاعات الجلدية .وتتم العدوى من خلال استنشاق الهواء المحمل بالفيروس ومن خلال قطرات من الغشاء المخاطي للأنف،فيحدث الانتقال مع التماس المباشر مع المصابين بالمرض.ويمكن أن ينتقل مع سوائل جسم المصاب.وكذلك من خلال أدوات المصاب مثل الفراش أو الملابس.

الأعراض:دور الحضانة حوالي 12 يوم،تتكاثر فيه الفيروسات في العقد اللمفية ثم تحدث الأعراض:

1 ـ دور الصولة:ومن أهم الأعراض هنا:الحمى المرتفعة التي تدوم 4 ـ 6 أيام،مع انهاك ووعكة شديدة،وصداع شديد،والخوف من الضياء،والإقياء.

2 ـ دور الاندفاعات الجلدية:وتبدو في اليوم الرابع من المرض والتي تترافق مع تراجع الحرارة وتتميز الاندفاعات بما يلي:

ـ تبدأ أول ما تبدأ في مخاطية الفم،والبلعوم،والوجه،ومن ثم تنتشر للجذع والساقين.

ـ تكون الاندفاعات في منطقة واحدة من المناطق في نفس العمر والتطور على العكس من اندفاعات الحماق(جدري الماء)التي تكون بأعمار مختلفة.

ـ يكون تطور الاندفاعات من مرحلة إلى أخرى بشكل بطيء من الشكل الحطاطي إلى الحويصلي إلى البثرات،وهذه تخلف ندبات دائمة في أماكن وجودها.(وبالتالي حدوث العمى في حالة إصابة العين).

ـ تكون الاندفاعات شديدة في الوجه ونهاية الأطراف وقد لا تشاهد في الناحية البطنية أو المغبنية.

الاختلاطات:قد يسبب الاجهاض عند الحوامل،ويمكن أن يصاب الوليد بالجدري إذا أصيبت به الأم الحامل،وقد يموت المرضى بسبب ذات الرئة أو قصور القلب .وإن إصابة العين بالاندفاعات تسبب العمى.

اللقاح:

في أواخر القرن الثامن عشر قام طالب الطب ادوارد جينر ببعض الأبحاث والتي خرج منها باكتشاف لقاح الجدري،والذي تم تطبيقه وأحرز النتائج الباهرة التي أدت إلى استئصال المرض بشكل نهائي عام 1980م.

بدأ تلقيح الجدري في الصين حوالي القرن التاسع عشر،

ملاحظة:

أبو العلاء المعري(363ـ449 هجري) اصيب بالجدري وعمره أربع سنوات،  فغشّى يُمنى عينيه بياض وذهبت اليسرى جملة.

الشاعر اليمني عبد الله البردوني وهو من أكبر شعراء اليمن في العصر الحديث ،أصيب بالجدري ونشا عن ذلك اصابته بالعمى في سن الرابعة من العمر.

الخليفة العباسي أبو العباس  السفاح وتوفي بسببه عام 754م.

2 ـ داء الجرب:

من الأدواء الانتانية شديدة العدوى تسببه ما يسمى القارمة الجربية،ويتميز بحدوث الحكة الجلدية الشديدة،وظهور الاندفاعات الجلدية .

العامل المسبب:هي انثى العت المسماة القارمة الجربية،وهي تحفر أثلاماً وأنفاقاً صغيرة في الجلد،وتضع فيها بيوضها،وتحدث الأعراض بسبب التحسس تجاهها.ويمكن لحوالي 10 ـ 15 من العامل الممرض أن تحدث الداء.

الأعراض:

دور الحضانة قد يستغرق من 2 ـ 6 أسابيع،ويتظاهر بالحكة الشديدة وخاصة في الليل،مع حدوث الاندفاعات الجلدية في مختلف أنحاء الجسم،ومن العلامات المميزة للداء وجود الأثلام في الأفوات(مابين الأصابع) وهي مميزة ومشخصة للمرض.

وتحدث العدوى من خلال التماس المباشر مه جلد المصاب،وبالتالي يشاهد في أماكن التجمعات الكبيرة كالسجون والمدارس ودور الحضانة…

المعالجة:هناك مركبات دوائية كثيرة فعالة في معالجة الداء،وينصح بمعالجة أهل بيت المريض وإن كانت لاتظهر عندهم الأعراض،مع تعقيم وتطهير حوائج المريض وخاصة الملابس والفراش…

الناحية الأدبية:

تقول العرب: أنا جُذَيْلُها المحكّك. قال الأصمعي : الجُذَيل: تصغير الجِذل،وهو عود يُنصب للإبل الجرباء لتحتك به من الجرب ،فأراد أن يشفى برأيه (العقد الفريد ج3 ص25)

وتقول العرب: أبغَضُ من الطلياء: الناقة الجرباء المطلية بالهناء . ذلك أنه ليس شئ أبغض الى العرب من الجرب لأنه يُعدي (مجمع الأمثال للميداني ص116)

وجاء في مجمع الأمثال للعسكري ج2 ص152-153″

يقولون: كذي العُرِّ يكوى غيره وهو راتع: العُرّ: قَرْح يصيب الإبل في مشافرها فتزعم العرب أنَّ الصحيح منها إذا كُوي برئ السقيم الذي به العر . وقال الكميت:

ولا أكوي الصِّحاحَ براتعاتٍ                  بهنَّ العُرُّ قبلي ما كوينا

وتقول العرب: يَضعُ الهِناءَ مواضعَ النُّقبِ: أي يضع القطران في النقب وهي أول ما يبدو من الجرب ،أي انه لا يتكلم إلا فيما يجب فيه الكلام.

وجاء في الكشكول للعاملي ج3 ص13:إن الإبل إذا فشا فيها العُرّ أخذ بعير صحيح وكوي بين يدي الإبل بحيث ينظر إليها فتبرأ كلها بإذن الله تعالى

بشار بن برد:

إنّا وإن لم تكن منا مساعفةً                      بما هويت وكنا عنك في أشبِ

نهوى الحديثَ ونستبقي مناصبنا             إن الصحيحةَ لا تبقى مع الجربِ

امرؤ القيس:

ايقتلني وقد شَغفتُ فؤادَها                   كما شَغفَ المهنوءةَ الرجل الطالي

(لان المهنوءة تجد للِهناء لذةً مع حرقة. والشغف : حرقة يجدها الرجل مع لذة في قلبه)

النابغة الذبياني:

فحمَلَّتني ذنبَ امرئٍ وتركتهُ                كذي العَرِّ يكوى غيرهُ وهو راتِعُ(رواية :أكلفتني)

النابغة الذبياني:

فلا تتركني يالوعيد كأنني                    إلى الناس مطليٌّ به القار أجرب(القار : القطران)

طرفة بن العبد :

والإثمُ داءٌ لا يُرَجَّى بُرؤهُ                       والبرُّ برؤٌ ليسَ فيهِ معطبُ

وقِرافُ  من لا يستفيقُ دَعارةً             يُعدي كما يُعدي الصحيحَ الأجربُ(رواية: وقراب)

طرفة بن العبد:

إلى أن تحامتني العشيرةُ كُلَّها         وأفردتُ إفرادَ البعير المُعَبَّدِ(تجنبتني العشيرة كما يتجنب البعير المطلي بالقطران)

لبيد :

ذهبَ الذينَ يُعاشُ في اكنافهم         وبقيتُ في خَلْفٍ كجلدِ الأجربِ

دريد بن الصّمة:

ما إن رأيتُ ولا سمعتُ بهِ                كاليومِ هانئَ أنيقٌ جُرْبِ

متبدلاً تبدو محاسنهُ                      يضعُ الهناءَ مواضعَ النُّقْبِ(النقب: مواضع الجرب. يقول العسكري في مجمع الأمثال ج2 ص188:وهذا مثل يضرب لكل من يضع الشئ موضعه)

الحطيئة :

ولكن سهماً أفسدت دار غالب                  كما أعدتِ الجربُ الصّحاح فعرّت

وجرثومةٍ لا يبلغُ السيلُ أصلها                   رسا وسط عَبس عِزّها واستقرت

جرير:

داويتَ بالقَطران عَرَّ جُلودهمْ                     حتى برأنَ، وكُنَّ غير براءِ

جرير:

وداويتُ مِنْ عَرِّ الفرزدقِ نُقْبةً                     بِنفْطٍ فأمستْ لا يُخافُ نشوزُها

وأنهلتُهُ بالسمِّ ثم اعللّتهُ                            بكأسٍ من الذَّيفانِ مُرّ عَصيرُها

(نقبة:بقعة الجرب تكون على الأنف)

الفرزدق:

أنا القَطِرانُ والشعراءُ جَربَى                    وفي القَطِرانِ للجربى شِفاءُ

الفرزدق:

يا غطفانُ دَعي مرعى مُهنأةٍ                    تعدي الصحاحَ إذا ما عَرُّها انتشرا

لا يبرئُ القطِرانُ المحضُ نا شِرَها           إذا تَصَّعدّا في الأعناقِ واستعرا

الفرزدق:

يمشون في حَلَقِ الحديدِ كما مشتْ      جُرْبُ الجمالِ بها الكُحيلُ المُشْعَلُ(الكحيل: القطران. المشعل: المطلي بالقطران)

الأخطل:

إنَّ الضغينة تلقاها وإن قَدُمتْ                    كالعُرِّ يكمن حيناً ثم ينتشر

أبو تمام:

لاقاهُ بالكاوي العنيفِ بدائهِ                    لما رآهُ لم يُفَقْ بالطالي

(داواه بالكي وهو اخر الدواء كما يداوى الأجرب بعد أن أعيا الطالين علاجه)

كُثير ويقال جميل بثينة :

كلانا به عَرٌ فمن يرنا يَقُلْ                                 على حُسنها جرباءُ تُعدي وأجَربُ

إذا ما وردنا مَنهلاً صاحَ أهلهُ                           علينا ، فلا ننفكُ نُرمى ونُضرَبُ

ذؤيب بن كعب بن عامر:

جانيكَ من يجني عليكَ وقدْ                        تُعدي الصِّحاحَ فتَجربُ الجُرْبُ

والحربُ قد تضطرُ جانيها إلى                    سُوءِ المضيقِ ودُو نها الرُّحُبُ

البحتري :

عندي مُمِضٌ من الهِناءِ إذا                        عِرِّيضُ قومٍ أحَكَّهُ جَرَبهْ

ابن الرومي:

وإذا ما بدا لكَ العَرُّ يوماً                         فَتتَبعْ نِقَابه بالهِناء

ابن الرومي:

معشر قربهم من الناس عَرٌّ                     لصحيحٍ وقذُرة لنظيف

ابن الرومي:

يا من يرى الأجربَ الصحيحَ فلا                 يلقاهُ إلا مُبينَّاً نَكَبُهْ

ما جَرَبُ المرءِ داءُ جِلدتهِ                          بل إنما داءُ عِرضهِ جَرَبهْ

ابن الخياط:

وما كانَ إلا العرَّ دبَّ دبيبهُ                      فأمنتَ أن تُعدي الصحاحُ بِجربهِ

صالح بن عبد القدوس :

واحذرْ مؤاخاةَ اللئيمِ فإنّهُ                      يُعدي كما يُعدي الصحيحَ الأجربُ

الشريف الرضي:

ولا تُدنِ الحَسُودَ فذاك عُرٌ                    مضضٌ لا يُعالجُ بالهِناءِ(العر: الجرب، الهناء : القطران)

مهيار الديلمي:

توقَّ الناسَ إنَّ الدَّاءَ يُعدي                    وإن قَرُبوا فَحظُّكَ في البِعادِ

الكميت:

ولا أكوي الصِحاحَ براتعاتٍ                      بهنّ العرّث قبلي ما كُوينا

أبو الحسن علي بن أحمد الجوهري الجرجاني يشكو تأخر إخوانه عن عيادته لاصابته بالجرب(يتيمة الدهر للثعالبي ج4 ص47):

قلت لمّا تأخرّ العُوادُ                                      أيُّ سُقمٍ عليله لا يُعادُ

ما لكم إخوةَ الرجاءِ ومالي                            كُلّ أيامكم نوىً وبعاد

قد صددتم عني صدود التعالي                   لسقامي كأنَّ سقمي وداد

إن تجنبتم العدوى فَلِمْ لم                          أعدكم بالهوى وسقمي سهاد

مَلّني مضجعي وعاف نديمي                 مجلسي وتجتوى جفوني الرقاد(فارق)

طرَّز السقم ما كسانيه بالعُرِّ                    فهذا حتفُ وهذا حداد

لي وشاحٌ من الضنا ونجادٌ                     ووسادٌ من الأسى ومهاد

قلمي يتقي بناني وسيفي                   وعناني ، ويتقيني الجواد

وتناست يدي مناولة الكأ                      سِ وسمعي ما ينفر العُوّاد

لو سوى العرِّ نالني مَرَّضتني              خدمةٌ دونها الشباب المفاد

قد لواني عن جنة العرِّ سقمي            ويح نفسي كأنَّ سقمي ارتداد

سقم مُجحفٌ وعُرٌّ كريه                        واختصاصٌ بكربةٍ وانفراد

كلُّ عضوٍ مني له حسراتٌ                   واشتياقٌ كأنَّ كليِّ فؤاد

المقنع الكندي:

وصاحبُ السوءِ كالداءِ العياء إذا                  ما ارفضَّ في الجلدِ يجري ها هنا وهنا

يبدي ويخبر عن عورات صاحبهِ                  وما يرى عنده من صالحٍ دفنا

أحدهم:

قالوا: بهِ جربٌ فقلت لهم:قفوا                  تلك الندوبُ مواقعُ الأبصارِ

هو روضةٌ والقدُّ غصنٌ ناعمٌ                      أرأيتم غصناً بلا نوّارِ

عرقل بن جابر الطائي:

وضغنُ ابن عم المرءِ فاعلم دواؤه              كذي الُعرِّ يرجى برؤه ثم ينشرُ

شاس بن أسود الطهوي:

أغَرَّكَ يوماً أن يقال ابن دارمٍ                   وتُقصى كما يُقصى من البَرْك أجرب

الصنوبري:

الشيبُ عندي والإفلاسُ والجَرَبُ                    هذا هلاكٌ وذا شؤمٌ وذا عَطَبُ

إن دام ذا الحال لا ظُفرٌ يدومُ ولا                     جِلدٌ يدومُ ولا لحمٌ ولا عَصَبُ

أحدهم:

الحربُ يلحق فيها الكارهون كما               تدنو الصحاحُ إلى الجربى فتعديها

أحدهم :

جانيكَ من يجني عليكَ وقدْ                   تُعدي الصّحاحَ مباركَ الجربِ

ولَرُبَّ مأخوذٍ بذنبِ عشيرةٍ                     ونجا المقارِفُ صاحبَ الذَّنبِ

أحدهم :

وما ينفعُ الجرباءُ قُرْبُ صحيحةٍ             إليها ولكنَّ الصحيحةَ تجَربُ

بعض الإنتانات المنقولة عن طريق الحيوانات:

1 ـ عن طريق الخنزير:يراجع الموضوع بالتفصيل في مقال:الصحة الغذائية بين الطب والإسلام وأضرار لحم الخنزير.

2 ـ عن طريق الكلاب:

الأحاديث النبوية المتعلقة بمنع اقتناء الكلاب :

ذكرنا أنَ الكلاب قد تكون مصدراً لنقل الكثير من الأمراض الخطيرة وخاصة داء السُّعار أي داء الكَلَب وأدواء الكيسة المائيه التي تنتشر في الرئة  والكبد والدماغ، وغيرها من الأمراض الأخرى .

وهناك كثير من الاحاديث التي  تنهي عن اقتناء الكلاب ولعلَّ من أشهرها ،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لاتصحب الملائكةُ رُفقةً فيها  كلبٌ ولاجَرس “[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه] .

(أي أن الملائكة لا تصحب جماعة وفيهم كلاب ولكن ليس للصيد أو الحراسة،والجرس:يعلق في عنق البعير والدواب مما له صلصلة،وفي ذلك النهي عن اتخاذ الأجراس في الأسفار)

والحديث الاخر المشهور” إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات ” وفي رواية”إحداهن بالتراب”[أخرجه الشيخان وأهل السنن بألفاظ عن أبي هريرة رضي الله عنه]

إن الأحاديث النبوية توضح تحريم اقتناء الكلاب لغير حاجة، وإنما يجوز ذلك في حالات خاصة كالصيد ،أو الحراسة للمواشي والزرع والبيوت اذا لزم الامر ،وإن اقتناء الكلاب لغير حاجه  ينقص الثواب ويعُرِّض للعقاب .

وفيما يتعلق بحديث”إذا ولغ الكلب في إناء احدكم يقول الإمام الأكبر الدكتور محمود شلتوت أحد أئمة الأزهر الشريف رحمه الله :

“فهم كثير من العلماء أن العدد في الغسل مع الترتيب مقصودان لذاتهما فاوجبوا غسل الإناء سبع مرات،كما أوجبوا أن تكون احداهنّ بالتراب، ويتابع: ” ولكن الذي نفهمه هو الذي فهمه غيرهم من العلماء وهو أن المقصود من العدد مجرد الكّثرة التي يتطلبها الإطمئنان من زوال أثر لعاب الكلب من الأنية،وأن المقصود من التراب استعمال ماده مع الماء من شأنها تقوية الماء في ازالة ذلك الإثر، وإنما ذُكرَ التراب في الحديث لانه الميسور لعامة الناس،ولأنه كان هو المعروف في ذلك الوقت كمادة قويّة في التطهير واقتلاع ما عساه يتركه لعاب الكلب في الإناء،ومن هنا  نستطيع أن نقرّر الاكتفاء في التطهير المطلوب بما عرفه العلماء بخواص الأشياء من المطهرات القوية وإن لم تكن ترابا”. انتهى كلام الشيخ رحمه الله .

جاء في صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”خمسٌ فواسق يقتلن في  الحِلِ و الحَرم : الفأرة، والعقرب، والحُدَيا، والغراب، والكلب العقور .

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في نجاسة الكلب:

“نجاسة الكلب فيها خلاف : الشافعي :نجس كله شعره وريقه، مالك :طاهر كله شعره وريقه ، أبو حنيفة :ريقه نجس وشعره طاهر ، ابن تيمية : وافق أبو حنيفة .

ويقول أيضا رحمه الله :

“الحيوان المؤذي يجوز قتله ، فإذا كانت الكلاب تؤذي بنباحها في الليل وتخويف الأطفال، ونشرها الأمراض، أي تحقق الضرر منها جاز قتلها . ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا إذا قتلنا الحيوان أن لا نعذبه ،فقال إذا قتلتم فأحسنوا القتلة “. والرسول صلى الله عليه وسلم ، لما ورد المدينة أمر بقتل الكلاب ثم نهى عنه ،ولعل الأمر الأول كان لعلّة ، فلما زالت زال الأمر بالقتل ، والله أعلم” .

ولا باس من أن نعرِّجَ قليلاً على أهمّ ماتُسببه الكلاب من أمراض :

اولًا : داء السُّعار ويُسّمى أيضاً داء الكَلَب:

هو داءٌ تُسبّبه حُمّى راشحة أي فيروس يُصيب بشكل خاص الحيوانات ذات الدم الحار وخاصة  الكلاب،والثعالب ،والخفاش .

وهو ينتقل للإنسان عن طريق عضّ هذه الحيوانات له او عن طريق لعاب هذه  الحيوانات ،اذا لامس جلداً مَسحوجاً او مرضوضاً،وهولا ينتقل عن طريق الغذاء أوجهاز الهضم .وذلك بانتشار الفيروس من الأعصاب المحيطية إلى الجملة العصبية المركزية.

يكون الفيروس مستقراً عند الحيوان في الغُدد اللعابية وبالتالي يكون اللعاب مُلوثًا به ويكون الحيوان المصاب بالمرض عُدّوانيا  مَسعوراً يميل لمهاجمة الناس والحيوانات الأخرى.

ومن أهّم الأعراض عند الإنسان المصاب :

تحدث الأعراض بعد 2 ـ 10 أسابيع من الإصابة،ودور الحضانة له علاقة مع مكان العضة،فهو أسرع إن كانت في الرأس أو الأطراف العليا من الجسم،

الخوف من الماء بسبب تشنج عضلات البلعوم والمري عند ملامسة الماء لها .والصداع والحمى وحدوث حالات تهيج واختلاجات ،وحدوث نوبات من الجنون والسبات والسبب الرئيسي للوفاة غالباً القصور التنفسي لإصابة مراكز التنفس في الدماغ.

والمرض إن لم يعالج سريعا ينتهي بالوفاة.وذلك لأن الفيروس يصيب الجهاز العصبي المركزي.ويقدر عدد الوفيات بالداء حوالي 55 ألف حالة وفاة على مستوى العالم سنوياً.منهم 95% في آسيا وأفريقيا.

الناحية الأدبية:

الفرزدق:

وما قام منّا قائِمٌ في نَدِينا                              فينطِقَ إلا بالتي هي أعرَفُ

ولو تشربُ الكَلبى المِراضُ دماءَنا                  شَفتها ،وذو الخَبْلِ الذي هو أدْنَفُ

(الكَلبى : الذين عضّهم الكلبُ الكَلِب فاصيبوا بداء الكَلَبْ)

رواية: ولو تشرب الكلبى…………………..شفتها، وذو الداءِ……

الفرزدق:

من الدارميين الذين دماؤهم                   شفاءٌ من الداء المَجَنَّةِ والخَبل(المجنة: الكلب)

(تقول العرب: دماء الملوك شفاء من عضة الكَلب الكَلِبْ، ومن الجنون والخبل نقلا عن عيون الأخبار ابن قتيبة  كتاب الطبائع ص78)

وقال الشاعر الأموي عبد الله بن الزبير يمدح احدهم ويصفه انه من أولاد الملوك الذين تبرأ بسُقيا دماءهم أمراض الكلب والجنون _اختيارات الاغاني ج3 ص242 :

من خيرِ بيتٍ علمناه  وأكرمه                    كانت دماؤهم تشفي من الكَلَبِ

الكميت :

أحلامُكُمْ لَسقَامِ الجهلِ شافيةٌ                   كما دماؤكُمُ تشفي من الكَلبِ(رواية:يشفى بها الكَلِبُ)

قال صاحب اللسان :قال اللحياني: الرجل الكلب يعض إنساناً فيأتون رجلاً شريفاً فيقطر لهم من دم اصبعه فيسقون الكَلِبْ فيبرأ

وقال ابن الاعرابي: كانت العرب تقول أن من أصابه الكلب أو الجنون لا يبرأ منه إلا أن يُسقى من دم ملك.وقد ذكر التبريزي في شرحه نحوا مما حكاه ابن الأعرابي ثم قال: وقيل في دوائه ان تشرط الإصبع الوسطى من يسرى رجل شريف ويؤخذ من دمه قطرة على تمرة فيطعم المعضوض فيبرأ وقيل انه يسعط به .

وجاء في البيان والتبيين للجاحظ :”كان عتيبة بن مرداس(ابن فَسوة)الشاعر عضه كلبٌ كَلِب فاصابه ما يصيب صاحب الكلب الكَلِب فداواه ابن المُحِلِّ بن قدامة بن الاسود فأباله مثل الكلاب والنمل فبرأ فقاتل فيه الشاعر :

ولولا دواءُ ابن المحِلِّ وطبُّهُ                    هرَرت إذا مالناسُ هرَّ كليبها

وأخرجَ بعد الله أولادَ زارعٍ                      مُولعةٌ أكنافها وجنوفها وجنوبتها

وكان الأسود جد المحل أتى النجاشي فعلمه هذا الدواء فهو في ولده الى اليوم .

المثقب العبدي:

با حرىُّ الدّم ، مُرٌّ طعمهُ                            يبرئُ الكلبَ إذا عّضَّ وهَرْ

النابغة الجعدي:

وقومٍ يهينونَ أعراضَهُمْ                                    كَويتُهُم كَيةَ المُكْلِبِ

عبد الله بن الزَبِير الاسدي في عبد الله بن زياد:

من خير بيت علمناه وأكرمه                        كانت دماؤهم تشفي من الكلب

عبد الله بن قيس الرقيات:

عاودني النكس فاشتفيت كما                             تشفي  دماءُ الملوك من كلب

ابن عباس الكندي لبني اسد في قتلهم حجر بن عمرو:

عبيد العصا جئتم بقتل رئيسكم                     تريقون تاموراً شفاءً من الكلب

عاصم بن فرية الجاهلي:

وداويته مما به من مجنة                             دام ابن كهال والنطاسي واقف

وقلدته دهراً تميمة جده                              وليس لشئ كاده الله صادف(أي صارف)

البحتري:

ليهنك البرءُ مما كنت تامله                              وليهنك الأجر عقبى صائب الوصب

لئن فَصَدْتَ ابتغاءَ البُرءِ من سَقَمٍ                     فقد أَرَقتَ دماً يشفي من الكَلَبِ

القاسم بن حنبل من شعراء الحماسة:

بنات مكارم وأساة كلم                                  دماؤهم من الكلب الشفاءُ

وقال أحدهم:

إذا قيلَ أينَ المستشفى بدمائهم                      وأين الرّوابي والفروع المعاقل

أُشير إلينا أو رأى الناسُ إننا                           لهم جُنَّةٌ إن قال بالحق قائل

(المستشفى بدمائهم: الملوك والاشراف يزعمون ان دمائهم تشفي من الكَلَب والخبل)

سأل الحجاج ليلى الأخيلية صاحبة توبة بن الحمير عن حالها ، وما اتى بها ، فقالت : إخلاف النجوم ، وقلة الغيوم، وكَلَبْ البُرْد، وشدَّة الجهد . يقول صاحب الأمالي أبو علي القالي ص89:”وكَلَب البُرد :شدته، لأن الكَلَب السُّعَارَ الذي يصيب الكلاب والذئاب .

أقول : ومن الناحية الطبيّة فإن كل ماذكر من كتب الأدب لاقيمة له علمياً فلا دماء الأشراف ولا غير الأشراف تشفي من داء الكَلَب أو غيره فكل هذا لاقيمة له من الناحية الطبية ، وإنّما ذكرته للناحية الأدبية وللقيمة الأدبية لهذه المراجع .

ثانياً: داء الكيسة الشوكية وتُسمى أيضًا الكيسات المائية:

تُسببُه دودةٌ من نوع الشريطيات تُسمى الشوكاء الحُبيبية،تعيش عادة في أمعاء الكلاب والذئاب،وعن طريق البراز الملوث لهذه الحيوانات وخاصه في الحقول والخضار فاذا تناول الإنسان أوالحيوان هذه الأطعمة الملوثة فإنَ أجنة هذه الديدان تجتاز جدار الأمعاء لتتوضع في الكبد أو والرئة والدماغ والعظام، أو أي مكان آخر في البدن ،وهذه الكيسات تسبب اعراضا موضعية حسب مكان توضعها ولا بد من استئصال هذه الكيسات جراحياً .

أضِفْ إلى ذلك ماتُسببهُ الكلاب من أمراض جلدية فطرية، وكذلك تسبب الكلاب امراضاً تحسسية وخاصه داءالربو التحسّسي والتهابات الأنف التحسسية…

أضف إلى ذلك إصابة الآلاف وخاصة في اوروبا وامريكا من عضَّات الكلاب وتذكر بعض التقارير اصابة مالا يقل عن نصف مليون فرنسي بعضّات الكلاب سنويا وثلث هذا العدد من الأطفال الصغار وقد تكون اصابات خطيرة،وخاصة اذا كانت في ناحية الوجه،أضف إلى ذلك ماتسُببه هذه الكلاب من الأوساخ حيث تقول مثلاً احدى الصحف الالمانيه أن عدد الكلاب في برلين يتجاوز المائه الف وهي تترك من البراز والفضلات مايزيد وزنه عن ستة عشر طنا يوميا!!!

3 ـ بعض الأدواء الإنتانية عن طريق القطط:

ـ داء المصورات القوسية:Toxoplasmosis

العامل الممرض:طفيليات من الأوالي،وتعتبر من الطفليات الخلوية الجوانية المجبرة،وهي سريعة العطب لا تقاوم المحيط الخارجي وتتلف سريعاً بالجفاف والحرارة والمطهرات.

الوبائيات:

وجدت المقوسات في كثير من الحيوانات اللبونة والطيور والزواحف ولم تشاهد في الحيوانات المائية،وأهم مستودع لها هي:الكلاب والقطط والخنازير والقواضم،وإذا أصيبت الحامل بها أثناء الحمل،فإنها تنتقل إلى الجنين عبر المشيمة،وإذا كانت العدوى في الثلث الأول من الحمل قد تسبب الإجاض وموت الجنينـوأما إذا كانت الإصابة أواخر الحمل فإنها تسبب لدى الوليد والجنين داء المصورات القوسية.ويتم الإصابة به غالباً عن طريق انتقال العامل الممرض بواسطة براز القطط إلى الطعام الملوث بها..

ويقدر الإصابة بالمرض في أمريكا من 400 ـ 4000 حالة سنوياً.ولذا من المهم التعامل مع فضلات القطط  وخاصة عند النساء الحوامل.والغسيل الجيد للفواكه والخضروات  وغسل الأدوات المستعملة في تقطيع اللحوم.

الأعراض في داء المصورات القوسية عند الوليد:

يتصف المرض بعرض أو أكثر من الأعراض الثلاثة التالية:

1 ـ استسقاء الرأس أو الصعل(صغر الرأس)

2 ـ التهاب المشيمة والشبكية:وهو ثنائي الجانب غالباً

3 ـ الاضطرابات العصبية المركزية :ومنها يبوسة الرقبة،والاختلاجات،والشلل التشنجي،وشلل عضلات العين،
وتشاهد الأعراض منذ الولادة على الوليد،

الأعراض عند الكهل:يكون المرض غالباً لاعرضياً،أو يشكل أعراضاً بسيطة،وقد يشبه في أعراضه خمج وحيدات النوىوقد يسبب التهاب المشيمة والشبكية والعمى.

التشخيص:

1 ـ المخبري:بالكشف عن الأضداد تجاه المقوسات في الدم.

2 ـ والفحص الشعاعي عند الوليد مميز للإصابة:وجود تكلسات دماغية نقطية،منتشرة،ومنتظمة في الدماغ.

بعض الأمراض الإنتانية عن طريق الحشرات:

1 ـ داء البرداء(الملاريا):

هو مرض حاد،شديد،تسببه إحدى الاوالي(Protozoa)،من زمرة المصورات الدموية(Plasmodium)،وقد اكتشف هذا الطفيلي العالم لافران سنة 1880م،

الوبائيات:

البرداء هي أهم أمراض الطفيليات على الإطلاق.وهي مستوطنة في الأماكن الحارة من القارة الارضية.وللبرداء ثلاثة أشكال:

1 ـ البرداء الفردية:حيث توجد إصابات قليلة،ومتناثرة.

2 ـ البرداء الوبائية:حيث تحدث بشكل هجمات فصلية،وتصيب مجموعة كبيرة من السكان.

3 ـ البرداء المستوطنة:حيث تكون الإصابة مستمرة وعلى مدار السنة.

ولقد تبين أن وجود بعض أنواع خضاب الدم الشاذ في بعض المناطق من العالم يساعد على استيطان الداء.وخاصة بالمصورات المنجلية.

العامل الممرض:هناك أربع أنواع من المصورات الدموية تصيب الإنسان:

1 ـ المصورات النشيطة:P vivax:وتسبب حمّى الغب أو الثلاثية.

2 ـ المصورات البيضاوية:P ovale:وتشبه السابقة

3 ـ المصورات الوبائية:P malariae:وتسبب حمى الربع

4 ـ المصورات المنجلية:P flaciprum:وتسبب الحمى الثلاثية الخبيثة.

وقد تم اكتشاف الطفيلي المسبب للبرداء عام 1880م.في المستشفى العسكري بقسنطينة في الجزائر من طرف طبيب في الجيش الفرنسي يدعى الفونس لافيران والذي حاز جائزةنوبل في الطب عام 1907م.

تاريخياً:

الملاريا:Malariaأصلها لاتيني magus aria،أي الهواء الفاسد إشارة إلى توالد البعوض في المستنقعات والمياه الراكدة.وكان الإنجليز يسمونها حمى المستنقعات،والعرب تطلق عليها البرداء لأنها تسبب الرعشة الشديدة.

الإمراض:

حين تلدغ برغشة أنثى بعوض الأنوفيل مريضاً  بالبرداء،تبتلع الكريات المصابة،بالمصورات الدموية،وتصل بذيراتها إلى الغدد اللعابية لأنثى البعوض.وتبقى معدية حتى ثلاثة شحور على الأقل. فإذا لدغت أنثى البعوض انساناً سليماً أدخلت بذيرات المصورات الدموية إلى الدم ومنه إلى كبد الإنسان ومنه تتحول لعوامل ممرضة نشيطة في خلايا جسم الإنسان من الكريات الحمراء.

وكما ذكرنا فإن أنثى البعوض هي من ينقل المرض إلى الإنسان،وفي حالات نادرة يتم نقل المرض عن طريق نقل الدم الملوث،أو المحاقن الملوثة،ويمكن للمصورات الدموية أن تعبر المشيمة إلى الجنين.وتحدث الأعراض بسبب تخريب الكريات الحمراء ودرجة اصبتها،وحسب نوع العامل الممرض من المصورات.

الأعراض:

يختلف دور الحضانة حسب الأنواع،فهو 14 يوماً في المصورات النشيطة والبضاوية،وحوالي الشهر في الوبائية،و11 يوماً في المنجلية.

ونوب البرداء الوصفية تمتاز بثلاثة أدوار ترتفع فيها الحرارة ويعقبها فترة إقلاع غير حرارية،وهي:

1 ـ دور العرواء:Chill:ترافع حرارة المريض ارتفاعاً مفاجئاً،مع الشعور ببرودة الأطراف،ويأخذه نافض شديد،وتصطك أسنانه،ويحاول أن يلتحف بكل ما تصل إليه يده،ويتسرع النبض،وقد يصاب بالصداع والغثيان ويستمر هذا الدور 1 ـ 2 ساعة.

2 ـ دور السخونة:تزول العرواء،ويشعر المريض بسخونة تعم جسمه فيطرح أغطيته ويحتقن وجهه،وتحمر عيناه،ويكون مصاباً بالصداع وربما الغثيان والإقياء،مع آلام مفصلية وعضلية،وقد تبدو لديه اندفاعات شروية.ويمتد دور السخونة حوالي 1 ـ 5 ساعات وقد تصل الحرارة إلى 40.

3 ـ دور التعرق:يحصل تعرق غزير،مع هبوط حرارة وينتعش المريض،ويمتد الدور 2 ـ 5 ساعات.

الأشكال السريرية:

1 ـ البرداء الحميدة:لها الوصف النموذجي السابق،لايحدث بها اختلاطات,وتسببها المصورات النشيطة أو البيضاوية،أو الوبائية.

2 ـ البرداء الخبيثة:أحد الأشكال الشديدة للبرداء،تسببها المصورات المنجلية،وتسبب احتشاءات مختلفة في الجسم بسبب الخثرات الدموية المرافقة لها،وقد ينجم عنها احتشاءات دماغية،أو معدية ـ معوية،وقد تسبب النزوف،ونسبة الوفيات بها عالية.

التشخيص:من خلال الفحص السريري وفحوص الدم.

المعالجة: هناك أدوية عديدة وفعالة في معالجة المرض.

الناحية الادبية:

يقال في المثل : أثبتُ من قُرادٍ(لأنه يلازم جسد البعير فلا يفارقه) مجمع الأمثال –الميداني ص157

ابن شهيد يصف برغوثاً-يتيمة الدهر للثعالبي-ج2 ص53-54:

“أسود زنجي،وأهلي وحشي ،ليس بوان ولا زميل ،وكأنه جزء لا يتجزأ من ليل، أو نقطة مداد ، أو سويداء قلب فؤاد، شربه عب، ومشيه وثب،يكمن نهاره، ويسير ليله ،يدارك بطعن مؤلم ، ويستحل دم كل كافر ومسلم ،مساور للأساورة ، ومجرد له على الجبابرة ،يتكفن بأرفع الثياب، ويهتك كل حجاب ،ولا يحفل ببواب ،يرد مناهل العيش العذبة ،ويصل إلى الأحراج الرطبة ،لا يمنع منه أمير ،ولا ينفع فيه غيرة غيور .وهو أحقر حقير ،شره مبثوث ،وعهده منكوث، وكذلك كل برغوث. كفى بهذا نقصاناً للإنسان ، ودلالة على قدرة الرحمن”.

ويقول الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله(الأعمال الكاملة ـ المجلد الأول ـ مقال البعوض والإنسان):

“لم أكد أفرغ من التفكير في الموضوع حتى شعرت بطنين البعوض في أذني،ثم أحسست بلذعاته في يدي،فتفرق من ذهني ما كان مجتمعاً وتجمع من همّي ما كان مفترقاً،ولم أرَ بداً من إلقاء القلم وإعداد العدة لمقاومة هذا الزائر الثقيل.

طاردته بالمذبة فما أجدى ذلك نفعاً لأنه على الطيران أقوى مني على المطاردة،وفتحت النوافذ لأخرج ما كان داخلاً،فدخل ما كان خارجاً،وحاولت قتله فوجدته مبعثراً،ولو كان مجتمعاً في دائرة واحدة لهلك بضربة واحدة،ولم أرَ في حياتي أمة ينفعها تفرقها ويؤذيها تجمعها غير أمة البعوض،فما أضعف هذا الإنسان،وما أضل عقله في اغتراره بقوته واعتداده بنفسه،واعتقاده أن في يده زمام الكائنات يصرفها كيف يشاء ويسيرها كما يريد!وأنه لو أراد أن يذهب بنظام هذا الوجود،ويأتي له بنظام جديد لما كان بينه وبين ذلك إلا أن يرسل أشعة عقله دفعة واحدة،ويشحذ سيف ذكائه،ويبتعث عزيمته ويقتدح فكرته.

علمت أني عييت بأمر هذا الحيوان،فلذت بجانب الصبر،والصبر ـ كما يعلم معشر الصابرين ـ حجة العاجز،وحيلة الضعيف وأيسر ما يستطيع أن يدفع به دافع عن نفسه ملامة اللائمين،وفضول المتطفلين،وقلت في نفسي:لو كان البعوض يفهم ما أقول لقصصت عليه قصتي،وشرحت له عذري،وسألته أن يمنحني ساعة واحدة أقوم فيها بكتابة رسالتي هذه،ثم هو بعد ذلك في حلّ من جسمي ودمي،ينزل منهما حيث يشاء،ويمتص منهما ما يشاء،ولكنه ـ ويا للاسف ـ لا يسمع شكاتي،ولا يرحم ضراعتي ولا يفهم قيمة المروءة ،لأنه ليس بإنسان.

أحسب أن لذعات البعوض قد أخذت مأخذها من عقلي وفهمي،وأني قد بدأت أهذي هذيان المحموم،فمن أين لي أن لو كان البعوض إنساناً كان يسمع شكاتي،ويكشف ظلامتي،أو أنه يفهم معنى الرحمة ويعرف قيمة المروءة،ومتى كان الإنسان أحسن حالاً من البعوض وأرحم منه قلباً وأشرف غاية،فأتمنى لو كان مكانه؟بل،ومن أين لي أن هذا الذي أحسبه بعوضاً ليس بإنسان قد تقمص جسم البعوض وتمثل لي في صورته الضئيلة وجناحه الرقيق؟وأي غرابة في أن أتخيل ذلك مادام الإنسان والبعوض سواء في حب الشر والميل إلى الاذى،ومادامت الصورة الجثمانية لاقيمة لها في جانب الجواهر الذاتية،والأجزاء المقومة للماهية؟

أي قيمة لما يمتصه البعوض من جسم الإنسان مجتمعاً في جانب ما يمتصه القاتل من جسم المقتول منفرداً؟

البعوض يمتص من الدم فوق ما يستطيع احتماله،فلا يزال يشرب حتى يمتلىء فينفجر،فهو يطلب الحياة من طريق الموت،ويفتش عن النجاة في مكامن الهلاك،وهو أشبه شىء بشارب الخمر:يتناول الكأس الأولىمنها،لأنه يرى فيها وجه سروره وصورة سعادته،فتطمعه الأولى في الثانية،والثانية في الثالثة،ثم لا يزال يلح بالشراب على نفسه حتى يتلفها ويؤدي بها،من حيث يظن أنه ينعشها،ويجلب إليها سرورها وهناءتها.

البعوض سىء التصرف في شؤون حياته،لأنه لا يسقط على الجسم إلا بعد أن يدل على نفسه بطنينه وضوضائه.فيأخذ الجالس منه حذره ويدفعه عن مطلبه،أو يفتك به قبل بلوغه إليه،فمثله في ذلك كمثل بعض الجهلة من أصحاب المطالب السياسية:يطلبون المآرب النافعة المفيدة لأنفسهم ولأمتهم غير أنهم لا يكتمونها،ولا يحسنون الاحتفاظ بها في صدورهم،ولا يبتغون الوسيلة إليها إلا بين الصراخ والضجيج،ولا يمسكون بالحلقة الأولى من سلسلتها حتى يملأوا الخافقين بذكرها،ويشهدوا الملأ الأعلى والأدنى عليها،وهنالك يدرك عدوهم مقصدهم،فيعد له عدته ويتلمس وجه الحيلة في إفساده عليهم هادئاً ساكناً من حيث لا يشعرون.

البعوض خفيف في وطأته،ثقيل في لذعته،فهو كذلك الصاحب الذي يسرك منظره،ويسوءك مخبره! يلقاك بابتسامة هي العذب الزلال رقة وصفاء،والسحر الحلال جمالاً وبهاء،وبين جنبيه في مكان القلب صخرة لا تنفذها أشعة الحب،ولا يتسرب إليها سلسبيل الوفاء،يقول لك:إني أحبك ليغلبك على قلبك،ويملك عليك نفسك،فإن تم له ما أرد سلبك مالك إن كنت من ذوي المال،وجاهك إن كنت من ذوي الجاه،فإن لم تكن هذا أو ذاك أغراك بالسير في طريق يسقط مروءتك،ويثلم شرفك،فإن فاته ما يشفي به داء بطنته،لا يفوته ما يطفىء به نار حقده وموجدته”.

ويقول الدكتور أحمد زكي رحمه الله(الرسالة العدد التاسع):

“لا يلذ لكم معشر البشر أن نتحدث إليكم نحن معشر القمل،لأننا في أعينكم شارة الاقذار وظل الاوساخ،وتلك قذيفة لا تقوم على حجة ولا يدعمها برهان،فنحن لا نتغذى إلا من دمائكم،ولا نرتوي إلا من ثغور نثقبها في جلودكم،وسواء لدينا الجسم القذر والجسم النظيف،وربما كان الجسم النظيف أحب إلينا،لأن مثاقب القوت عندئذ أقرب إلينا ولكن صاحب الجسم النظيف لا يعطينا المهلة للحياة فهو يغير ملابسه المرة تعقبها المرة،فيحول بذلك بيننا وبين موارد أرزاقنا فنموت جوعاً في يومين وقد نحيى إلى سبع،لاننا في طيات هذه الملابس نتخذ منازلنا ولا نخرج عنها إلى الجسم إلا طلباً للقوت،فإذا أصبناه عكفنا راجعين إليها.

وقلتم إن القمل سبب لأمراض قاتلة كالتيفوس،والحق أننا لانخلق المرض ولا نبتدع الشر،فأصول هذه الأوبئة فيكم وعنكم نأخذها في الدم الذي نستقيه منكم،وبالرغم حبنا لمساقط رؤوسنا وإلفتنا للجسم الذي نشأنا عليه وترعرعنا،تضل منا أحياناً أفراد فتنتقل غير واعية من رجل مريض إلى رجل سليم لا سيما في الزحمة حيث تتلاقى المناكب وتتلاصق الثياب،فإذا هي وردت منهله العذب لوثته،بما حملت من المنهل الأكدر،فترون من هذا أنا لا نخلق السوء وإنما نسوي بينكم في الأسواء.

وأسميتمونا المتطفلة لأننا لا نستطيع هضم كل طعام كما تستطيعون،وليس لنا جهاز هاضم راق مالذي به تهضمون،فأنتم تهضمون لنا الغذاء،فنمتصه منكم مهضوماً في الدماء،وليت شعري أي سبّة في هذا أو عار ؟أفلستم تتطفلون على الشاة والبقر وصنوف الطير والنبات الحي فتزدرونها كلها ازدرار،أفترون الشعرة في أعين الناس ولا ترون الخشبة في عيونكم،على أنه مقدار حقير ذلك الذي نمتصه في الوجبة الواحدة ولسنا نطعم غير وجبتين في اليوم،لنا في الطعام ذوق الأعزة الكرام،فنحن نعاف دم المريض ونتقز من أجسام الموتى فنفارقها مع الحياة”.

خليل مطران :

قد تقتل الحشرات من                                 هانت عليه فلا يحاذر

ابراهيم الدباغ يصف البراغيث التي كانت تهاجمه وتحرمه النوم (أعلام فلسطين ج1 ص80):

تألبَ فوجُ البراغيث يجلدُ                               جسمي ولا بُدَ من جلده

يحاربني في ثنايا الثياب                             ويشرفُ منها على لحده

رماني بسهم القضاء الخفي                      وفرَ وما نمتُ عن رده

يمزقُ جلدي فإن أدرك                              ته يدي عادياً مات في جلده

أحمد شوقي في براغيث الدكتور محجوب-مجلة الرسالة العدد عشرين-:

براغيثُ محجوبَ لم أنَسها                           ولم أنسَ ما طعِمتْ من دمي

تشقُّ خراطيمُها جَوربي                              وتنفذُ في اللحم والأعظُمِ

وكنتُ إذا الصّيفُ راح احتجم                        تُ فجاءَ الخريفُ فلم أحجَمِ

تُرحِّبُ بالضّيف فوقَ الطريقِ                      فبابِ العيادةِ ، فالسُّلم

قد انتشرت جوقةًجوقةً                             كما رُشَّتِ الأرضُ بالسِّمِسم

وترقصُ رقصَ المَواسي الحِدادِ               على الجلدِ ، والعَلقِ الأسحم

بواكيرُ تطلعُ قبل الشتاءِ                          وترفعُ ألويةَ الموسمِ

إذا ما “ابن سينا “رمى بَلغماً                    رأيتَ البراغيثَ في البَلغم

وتُبصِرُها حول (بيبا) الرئيس                   وفي شاربيهِ وحولَ الفم(البيبا:التدخين)

وبين حفائرِ أسنانهِ                                 مع السُّوسِ في طلبِ المَطعم

محمود غنيم :

ماضرَّ أهل الريف ألا يحفلوا                        بالطب أو لا يعرفوا (الميكروبا)

ضمنت سلامتهم سهولة عيشهم              وصفا هواؤهمو فكان طبيبا

رضعوا رحيق السائمات وما دروا               غيرَ النمير وغيره مشروبا

وسرى شعاع الشمس في أبدانهم         فجرى بأوجههم دماً مشبوبا

شمسُ القرى كستِ الوجوهَ نضارةً         أرأيتَ وجهاً في القرى مخضوبا؟

سِرْ في الحقولِ ترَ الرياضة عندهم         فناً… وخطاً عندنا مكتوبا

معروف الرصافي:

يدلّ على لؤم الغزالة أنها                                إذا طلعت هاج الذباب طلوعها

فكم راع نومي عند كل صبيحة                           طنين ذبابات توالى وقوعها

لقد غاظني عند الشروق هياجها                       كما سرّني عند الغروب هجوعها

إذا وقعت فوق الجبين أذبَّها                               فيزعجني نحو الجبين رجوعها

بواحدة منها يطول تضجري                               فكيف إذا انهالت عليّ جموعها

تهاوى على الأقذار مولعةً بها                           وما ضرّها لكن سواها ولوعها

تحوم علينا بالجراثيم فالردى                           إذا هي حامت تلوها وتبيعها

فيزعجنا بالخاز باز طنينها                               وتقذف أوساخاً علينا فروعها

بها شره نحو المقاذر قادها                        وما قادها نحو المقاذر جوعها

وفيها على ضعف الجوارح جرأة                    يزيد بها فوق الوجوه طلوعها

فما وجه حرّ بالبياض يخيفها                       ولا وجه عبد بالسواد يروعها

كذاك رعاع الناس بادٍ عوارها                     كثير أذاها مستمرٌ قنوعها

أحمد صافي النجفي-الرسالة العدد 539-:

أكافح البرد في سراج                               يكاد من ضعفه يموت

في غرفة ملؤها ثقوبٌ                              أو شئت قل ملؤها بيوت

يسكن فيها بلا كراء                                   فأرٌ وبقٌ وعنكبوت

للفأر من مأكلي غذاءٌ                              والبقُّ جسمي لديه قوت

واعتزل العنكبوت أمري                            وفي بقاه معي رضيت

يوقظني الفأر حين اغفى                        بالقرض إن طاب لي المبيت

والبق بالقرض رام مزحي                        لكنه مازحٌ صموت

يشرب ما راق من دمائي                        والسمَّ في لذعه سُقيت

عليه لا يسمعون شكوى                         فيا لخصم به بليت

ضيفٌ ولا يبتغي طعاماً                          إلا دماً منه قد حَييت

أغرفة للمنام هذي                                أم هي منفى له نفيت؟

ابن المعتز:

بِتُّ بجهدٍ لا أذوقُ الغَمضا                    مُسَهّداً يضربُ بعضي بعضا

قد قطع القِرْقِسُ جِلدي عضّاً              منتهى يغرس أو منقضا(القرقس:البعوض)

كشرر القَدْح إذا ما ارفضَّا                   يُدمنُ إسخاطَكَ حتى ترضى

ابن المقري:

شرُّ الورى بمساوي الناسِ مُنشَغِلٌ                           مثلُ الذبابِ يُراعي مَوضعَ العِللِ

ابن الشمقمق:

يا طول يومي وطول ليلتهِ                               فَليهنَ برغوثهُ بجذلته

قد عقدت بندَها على جسدي                        واجتهدت في اقتسام جملته

ابن حمديس يصف البق والبعوض:

نومي على ظهرِ الفراشِ مُنَغَصٌّ                     والليلُ فيه زيادةٌ لا تنقصُ

من عادياتِ كالذئابِ تذاءبتْ                             وسرتْ على عجلٍ فما تتربصُّ

جعلت دمي خمراً تُداومُ شُربها                       مُسترخصاتٍ منه مالا يُرخصُ

فترى البعوضَ مُغنيّاً بربابهِ                             والقُ تشربُ والبراغثُ ترقصُ

أبو القاسم الالبيري في بعوض غرناطة :

بعوضٌ جعلنَ دمي قهوةً                              وغَنيّنني بضروبِ الأغاني

كأنّ عروقي أوتارُها                                   وجسميَ ربابٌ وهنَّ القِيانِ

أبو اسحق الصابي في البق(معجم الادباء –ياقوت –ج1 ص214-215):

وليلةٍ لم أذُقْ من حَرِّها وسناً                        كأنّ في جَوِّها النيرانُ تشتعلُ

أحاطَ بي عَسكرٌ للبقِّ ذو لَجَبٍ                     ما فيه إلا شجاعٌ فاتِكٌ بطلُ(اللجب : الصوتوالجلبة)

من كُلِّ شائكةِ الخرطومِ طاعنةٍ                   لا تَحجُبُ السَّجْفُ مسراها ولا الكِللُ

طافوا علينا ، وحَرُّ الشمسِ يطبخنا                       حتى إذا أُنضجتْ أجسادُنا اكلوا

أمية بن عبد العزيز الأندلسي في البراغيث-تاريخ الادب العربي د عمر فروخ –ج5 ص184-185:

وليلةٍ دائمةِ الغُسوقِ                                  بعيدةُ الممسى من الشروقِ

كليلةِ المُتّيمِ المشوقِ                                  أطالَ في ظلمائها تأريقي

أخبثُ خلقٍ للأذى مخلوقِ                           يرى دمي أشهى من الرّحيقِ

يَعُبُّ فيهِ غيرَ مُستفيقِ                                لا يتركُ الصَبوحَ للغبوقِ

لو بتّ فوقَ قِمةِ العَيوقِ                             ما عاقه ذلك عن طُروقِ(العيوق: نجم)

كعاشقٍ أسرى إلى معشوقِ                       أعلمُ من بُقراطَ بالعروقِ

من أكحلٍ منها وبا سِليقِ                            يفصدها بمبضعٍ رقيق(عروق دموية)

من خطمه المُذَرَّبِ الذليق                           فصْدَ الطبيبِ الحاذقِ الرفيق

أبوالحسن المقدسي :

ثلاث باءات بلينا بها                              البق والبرغوث والبرغش

ثلاثةٌ أوحش ما في الورى                   ولستُ أدري أيها أوحش

أحدهم :

ليلُ البراغيثِ أعياني وأنصبني                   لا باركَ الله في ليلِ البراغيثِ

كأنهنَّ وجلدي إذا خَلونَ بهِ                        قضاة سوء أعاثوا في المواريثِ

أحمد بن يوسف-كتاب الأوراق للصولي-:

قد مُنينا بهناتٍ                                   هنَّ من شَر الهناتِ

نافراتٍ آمراتٍ                                    قلقاتٍ مقلقاتِ

سافكاتٍ لدماءِ الناس                       منها شاربات

معنا في الفُرش                            والقمص علينا واثبات

باسطاتٍ باحثاتٍ                            صائداتِ قاتلات

تخضب الاصبعَ والثوبَ                   دماً من داميات

وقال عن البرغش:

ومنينا بهناتٍ                                    واقعاتٍ طائرات

جارحاتٍ داخلاتٍ                              مُسهراتٍ ساهرات

زامراتٍ لك بالتسهيدِ                        في وقتِ السباتِ

من لحوم في دماء                           وارداتٍ شاربات

بخراطيمٍ مدلاةٍ                                طوالٍ جارحات

طعنها أنفذُ في الأبدانِ                   من طعن الكماةِ

وقال في البراغيث:

ومنينا بصغارٍ                                  لابساتٍ آثراتِ

بجلودٍ لا صقاتٍ                               عن قلوبٍ ثاقباتِ

بالغاتٍ حيث لا تبلغ                         أيدي اللامسات

لا ولا يدركها لحظُ                            عيونُ الناظرات

أحدهم :

بتنا عذُوباً، وباتَ البَقُّ يلسعنا                        نشوي القَراحَ ، كأن لا حيَّ بالوادي

بهجة المجالس ج2 ص434:

فإن تشتمونا على لؤمكمْ                               فقد تقرِضُ العُثُّ مُلسَ الأُدُمِ

(العث: دويبة صغيرة ليس بها قوة إلا أنها تقرض كل شئ )

 

العزل الصحّي والحِجر الصِحّي

العزل الصحيّ:

ونعني به عزل المريض المُصاب بمرض معدي عن غيره من الأصّحاء ،أي منع كل اتصال بين المريض المُصاب بمرضٍ سارٍ مُعدي وبين المحيط الذي يعيش به حتى يزول خطر العدوى.

ويجب أن يكونَ العزلُ صارمًا شاملًا للمريض،وكل مايمكن أن يكونَ وسيلةً للعدوى،كحاجيات المريض وملابسه وفراشه وأدواته .

وجاء في الويكيبيديا:يعرف العزل على أنه الانفصال أو الحجر الطوعي أو الإجباري لمن يُعرف أو يشتبه بإصابتهم بعامل الأمراض المعدية(سواء كانوا مرضى أم لا)لمنع حدوث عدوى جديدة.

الحجر الصحيّ:

تحديد حرية الأنتقال لكُلِّ حيٍّ حيوان أو إنسان تَعرّضَ للعدوى بمرضٍ سارٍ، وحجره مدّة من الزمان تُعادِل أطول حدٍّ لمدّة حضانة ذلك المرض، فإذا ثَبتت سلامته رُفِعَ عنه الحِجر، وإلّا عُزِل في حال تأكد إصابته . وقد يكون الحجر بريّاً أو بحريّاً ،والغاية منه على كل حال دفع خطر العدوى بمنع دخول عوامل المرض الساري ،والحدّ من انتشارها على الأقل في البلاد المتعرضة لذلك بالوسائل التي لا تعرقل السياحة والتجارة .

ولقد جاءت السّنة النبوية الطاهره بأحاديثَ هي بمثابة الإعجاز في زمنٍ لم تُكنْ المعلومات الطبية لتعرف أدنى شيء من هذا فيما يتعلق بالعزل والحجر الصحّي.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الطاعون بقية رجز أو عذاب أُرسل على طائفة من بني إسرائيل ،فإذاوقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فراراً، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها “. [أخرجه الشيخان والترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنه]، وقال صلى الله عليه وسلم: “الطاعون كانَ عذاباً يبعثه الله على من يشاء ، وإن الله جعله رحمة للمؤمنين ،فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً ويعلم أنه لا يصيبه إلا ماكتب الله له ، إلا كان له مثل أجر شهيد“. [أخرجه البخاري عن عائشة وأحمد في مسنده].

وقال صلى الله عليه وسلم : الطاعون غُدّة كغُدّة البعير، المقيم بها كالشهيد ، والفار منها كالفار من الزحف “. [أخرجه أحمد في مسنده عن عائشة رضي الله عنها وصححه الألباني] .

وقال صلى الله عليه وسلم “لا يُورِدُ مُمرِضٌ على مُصِّح” [اخرجه الشيخان عن ابي هُريرة رضي الله عنه ].وفي رواية البخاري:”:لا يوردنَّ مُمرضٌ على مصح”.وقد ذكر الحديث كما قال الإمام النووي رضي الله عنه بأن الممرض هنا هو المجذوم.ولكن المُمرض سواء كان إنساناً أو حيواناً هو من ينقل العدوى لغيره.

وقد عرّفَ الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله(فتح الباري ـ كتاب الطب) لفظ الممرض فقال:المُمرض هو الذي له إبل مرضى،ثم ذكر أن أهل اللغة قد قالوا إن المُمرض هو اسم فاعل من أمرضَ الرجل،إذا أصاب ماشيته مرض ،والمُصح اسم فاعل من أصح إذا أصاب ماشيته عاهة ثم ذهب عنها وصحت.

وهذا الحديث وإن قيل في معرض الحديث عن البعير المريضة الجرباء والبعير الصحيحة إلا أنه ينطبق أيضاً على الإنسان،فالإنسان المريض بمرضٍ معدي عليه أن يتجنب التماس مع الناس غير المرضى ،وخاصة إذا كان مصاباً بأحد الأمراض شديدة العدوى مثل التهاب السحايا أو ذات الرئة، أو الكوليرا، أو الحمى التيفية، أو مرض السل، أو الدفتريا، وغيرها من الأمراض شديدة العدوى .

ويأمر الرسول صلى الله عليه وسلم الأصّحاء بعدم مخالطة المرضى بمرض معدي يقول صلى الله عليه وسلم””إنَّ من القَرفِ التلف،(والقرف هو مقارفة المريض: أي مُلامسته، والتلف: الهلاك، ولذا يقال في الأمثال  “أخشى عليه  القَرف” أي مداناة المريض).

والحديث الكامل:عن يحيى بن عبد الله بن بحير قال :أخبرني من سمع فروة بن مسيك قال: قلت: يا رسول الله إن أرضاً عندنا يقال لها أبين ،هي أرض ريفنا وميرتنا،وهي وبئة أو قال: وباؤها شديد.فقال النبي صلى الله عليه وسلم:”دعها عنك،فإن نت القرف التلف”[رواه أبو داود وقال الألباني حديث ضعيف]

وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عمرو بن الشريد الثقفي عن أبيه أنه قال كان في وفد ثقيف رجلٌ مجذوم  فأرسل اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم “إنّا قد بايعناك فارجع “.

وقد ذكر الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله أن الفقهاء نصُّوا على انّه لايجوز للمجذوم ومن به مرض معدي أن يدخل المسجد.

هذا ويوصي الاسلام أن  تكون زيارةُ المريض بعد ثلاثة أيام من مرضه، ولقد بيّنَ العلم الحديث أنَّ الكثير من الأمراض الشائعة،وخاصةً الانفلونزا ونَزلات البرد تكون شديدة العدوى في بداية المرض ولذا فانه ينُصح أن تكونَ عِيادة المرضى في تلك الأمراض بعد هذه الايام الثلاثه مالم  يكن هناك حالات خاصة تستدعي الزياره قبل ذلك .

وفي بعض الامراض المُعدية لابد أحيانا لبعض أهل المريض من أن يكونوا جانبه وهذا ممكن  مع تطبيق بعض التعاليم الوقائية الصّحيه والرجوع الى أهل العلم في ذلك .

هذا وإن كان يفوت بعض الدول مراقبة عزل بعض المرضى بأمراض معدية وتهّربِ بعض المصابين من الإِعلام عن إِصابتهم حتى لايتعرضوا للعزل أو الحجر الصحي فإنَّ الاسلام جعل من المسلم مُحاسباً ورقيباً على نفسه،وأرادَ منه أن يتبّعَ الاُصول الصّحية ورغَّبهُ بالطاعة وحذّرهُ من العصيان.

لقد منحَ الإسلام ثوابَ المُرابط لمن التزم بالحِجر الصّحي فأقام والتزم ،ومنحهُ ثوابَ الشّهادة إن ماتَ متُمسكاً بتعاليم الاسلام الصّحية،وجعل عقوبة المتُهرِّبِ منها  كعقوبة الفار من الزحف عن عائشه رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لا تفنى اُمتّي إلا بالطّعنِ والطاعون، قلُتُ: يارسولَ الله إنَّ هذا الطّعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال  غُدّةٌ  كُغُدّةِ البعير،المُقيمُ فيها كالشهيد ، والفار منها كالفار من الزحف “[رواه احمد وابو يعلى والطبراني في الاوسط قال في مجمع الزوائد ورجال احمد ثقات وبقيه الأسانيد حسان] .

إنَّ الحِجرَ الصّحي من أهم وسائل مقاومة انتشار الأمراض الوبائية،وكما ذكرنا فإن الأحاديث النبوية السابقة قد حددت مبادئ الحجر الصحي بشكل يدعو إلى الإعجاز في زمن لم يكن الطب ولا علماء الغرب يُدركون أبسط المعاني فيما يتعلق بمعنى العدوى ولم يكن عندهم أبسط وأدنى المعلومات عن الأمراض المُعدية ولم يُعرف مبدأ العزل الصحي ومبدأ الحجر الصحي إلا في السنوات الماضية .

وقد يسأل البعض إنَ منع السليم من الدخول إلى أرض الوباء قد يبدو أمراً مفهوماً ولكن ماهي الحكمة من منع الأصحاء من سكان البلدة الموبوءة من الخروج منها ؟.

إن الطبَّ والعلم الحديث يبُينان أنَ الشخص السليم الذي يعيش في منطقة الوباء قد لا يبدو عليه ظاهرياً أنه مصاب بالمرض ولكنه قد يكون حاملاً للعامل الممرض للمرض ويمكن أن ينقل العدوى إلى الأخرين بدون إصابته بأعراض المرض وهم مايُسّمون طبياً “بحملة المرض” أو أنه قد تظهر عليه أعراض المرض بعد انتهاء فترة الحضانة والتي تختلف من مرض لأخر ولهذا عندما يطبق مبدأ الحجر الصحي فإنه يتم احتجاز الناس الأسوياء الذين لا يَظهر عليهم أعراض المرض عدة أيام حتى انتهاء فترة الحضانة للمرض .

مشيئة الله شرط في العدوى

اذا اجتمعت كلُّ العوامل والشروط لحدوث العدوى كوجود العامل الممرض ووجود الثوي سواء الإنسان أو الحيوان ووجود واسطة انتقال العامل الممرض الى السليم واستعداد البدن للإصابة فهل تحدث العدوى دائما مع توفر كل هذه الشروط؟

إنَّ النصوص الشرعية تدّل على انَ المشيئة الّربانية هي ركن أصيل في نجاح أي سبب للوصول الى المُسبب وقد جَرت سُنّة الله تعالى في خلقه أن تؤدي الأسباب إلى مُسبباتها ولكنَّ مشيئه الله قد تمنع انساناً من الإصابة رغمَّ توفر كلِّ الشروط العلمية لإصابته بالعدوى، فالقاعدة أن تحدث الإصابة مع توفر شروط العدوى، ولكن في بعض الحالات ولحكمة ربانية قد لا يتم هذا الأمر.

نعم إنَّ الله خلق الأسباب ويعلم المُسببات،وأنَّ الكون محكوم وفقَ سُننٍ مُعينة ثابتة وهذه هي القاعدة،ولكنّهُ قد يُسلَبُ السبب خاصيته ،وهذا هو الاستثناء، كسلب النار خاصّيةِ الإِحراق كما حدث لسيدنا ابراهيم عليه السلام.

معنى لا عدوى:

هناك أحاديثٌ نبويةٌ شريفةٌ وصحيحة قد ينفي ظَاهرُها العدوى نذكر منها : لاعدوى، ولا هَامة ، ولا صَفر، ولا نوء “[رواه مسلم].

عن أبي هريره رضي الله عنه “لا عدوى، ولا طِيرة، ولا هَامة ، ولا صَفر ” [رواه البخاري عن ابي هريره رضي الله عنه] “لا عدوى، ولا صفر، ولا غول [رواه مسلم].

عن جابر رضي الله عنه وعن أبي هريره رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : لا عدوى، ولا صَفر، ولا هَامة . فقال أعرابي يارسول الله فما بال إبلي تكون في الرمل كأنهّا الظباء فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها ؟ فقال: فمن أعدى الاول؟ [رواه الشيخان].

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لا عدوى، ولا طِيرة، ويعجبني الفال . قالوا : وما الفال ؟ قال كلمة طيبة [متفق عليه]

(والمعنى بالفال ان تسمع كلاما حسنا فتستبشر كأن يكون مريضا يسمع كلاما طيَّبا فيقوِّي من معنوياته)

وهناك أحاديث في نصِّها نفي العدوى وإثباتها في نفس الوقت ومنها حديث “لاعدوى ولا طيره ولا هامة ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد [رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه].

وأما وجهُ الجمعِ والتوفيقِ بين الأحاديث السالفه فقد عرّجَ عليها الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتاب فتح الباري عند شرحه لحديث لا عدوى في باب الجذام ونلخصها في ثلاث أمور، وهي تتوافق مع ماتوصل اليه العلم الحديث:

أولاً:  انَّ المُراد بنفي العدوى انَّ الشئ لا يُعدي بطبعه ،نفياً لما كانت الجاهليه تعتقده بأن الأمراض تعُدي بطبعها من غير إضافه لله تعالى فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم اعتقادهم هذا وبينَّ أنَّ الامور والمُسببات لا تفعل إلا  بمشيئةِ الله عز وجل وإرادته .

ثانياً: أنَّ المُراد بذلك نفي كون العدوى في كل الأمراض فنفيه صلى الله عليه وسلم بقوله: “لا عدوى” عام، وامّا قوله” فر من المجذوم ” فإنّهُ يثبتُ العدوى لبعضِ الأمراض كالجذام والطاعون،فإنّهُ تخصيص ذلك العام ،والمعُتمد عند علماء الاُصول ان العام قطعي ولكنه يصير بالتخصص حجه ظنيه. وبالتالي فإن هذا المسلك يبين خطأ الاعتقاد بعدوى كل الأمراض الذي يؤؤل الى الوسوسة وتجنّب كافة المرضى.

ويذكر الدكتور محمود ناظم النسيمي قولاً سمعه من أحد العلماء فيقول أنَّ النفي بقوله صلى الله عليه وسلم لا عدوى هو نفي بمعنى النهي على غرار قوله لا ضرر ولا ضرار

فإنَّ الضرر بين الناس أمر واقع ،وليس هذا المقصود هنا ، وإنَّما المرُاد النهي عن ايقاع الاذى  بالناس، وأن ايراد النهي بطبيعة النفي يدل على المبالغة في النهي ،فقولك لا ضرر أبلغ من قول لا تضر ، فمعنى لا عدوى هنا النهي عن مباشره الأسباب التي تؤدي الى سِراية المرض الى الاخرين ،فعلى المصاب بالجرب مثلاً أن لا يلمس الآخرين  وأن لا ينام في فراش غيره وأن يعالج نفسه.

وأما معاني المفردات التي جاءت في الأحاديث :

الطِيرَة: التفاؤل بالطير والتشاؤم بها ،كانوا يجعلون العبرة في ذلك بالأسماء وتارة بالأصوات وتارة بالسنوح والبروج أما السانح فهو الصيد الذي يمر من مياسرك إلى ميامنك والبارح عكس ذلك نقلاً عن أدب الدين والدنيا للماوردي ص303

الهامة : هي خرافة اعتقدها عرب الجاهلية وهي أن القتيل إذا لم يُؤخذ بثاره تدور حول قبره هامة أي بوم.

الصَفَر: فهو كالحيّة يكون في الجوف ويصيب الماشية والناس وهو أعدى عندهم من الجرب. قال الشاعر:

لا  يمسك الساق من أَيْنٍ ولاوَصَبٍ                ولا يَعَضّ على شرسوفه الصَفَرْ

وقال ابو خراش الهذلي:

ارد شجاع البطن قد تعلمينه                وأوثر غيري من عيالك بالطعم

أي أصبر على أذى الجوع وأحمل مضضه ،وشجاع البطن  كناية عن الجوع  لأن أذاه يشبه بحّية الصفر كما كانوا يزعمون .

وجاء في لسان العرب: الصَفَرْ: داء في البطن يصّفر منه الوجه. والصَفر: حية تلزق بالضلوع فتعضّها، وقيل دابة تعضّ الضلوع والشراسيف قال أعشى باهلة يرثي أخاه:

لا يتأرَّى  لما في القِدِر يرقبه         ولا يَعَضّ على شرسوفه الصَفَرْ

وقيل الصفر هنا الجوع

النوء: هو تكذيب المعتقد الجاهلي حيث كانوا يقولون مُطرنا بنوء كذا فأبطله صلى الله عليه وسلم لأن المطر يقع بإذن الله تعالى لا بفعل الكواكب

الغول : هو زعمهم أن الغول من الشياطين وقد يتراءى للناس ويتغّول لهم أي يتلون لهم ليضلهم عن الطريق ليهلكهم وقد كثر في كلامهم غالتهُ الغُول أي أهلكته أو أضلته فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك .

الوقاية والتوعية الصحية:

إن الوقاية من حدوث الأمراض بمختلف أشكالها من الفروع الهامة التي تطرق إليها أطباء العرب والمسلمين،وكانوا على قدر كبير مما يسمى في المصطلح الطبي”الطب الوقائي“،وقد قالوا:”إن درهماً من الوقاية خير من قنطار من العلاج.وقد توصلوا بالتجربة ومن خلال تعاليم الدين الحنيف والإرشادات النبوية المشرفة إلى كثير من الأمور سبقوا فيها علماء الغرب وأطباؤه،وخاصة فيما يتعلق بتأثير النظافة في الوقاية والشفاء من بعض الأمراض،وعرفوا العدوى وانتقالها،واهتموا بحفظ الصحة والدعوة إلى الحركة وممارسة الرياضة وخاصة السباحة وركوب الخيل والفروسية،وتجنب البدانة،…..

وقد قال الإمام العظيم ابن القيم رحمه الله:”ومن تأمل هدي النبي صلى الله عليه وسلم وجده أفضل هدي يمكن حفظ الصحة به،فإن حفظها موقوفٌ على حسن تدبير المطعم والمشرب،والملبس والمسكن،والهواء والنوم،واليقظة والحركة والسكون،والمنكح والاستفراغ والاحتباس،فإذا حصلتهذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن والبلد والسن والعادة،كان أقرب إلى دوام الصحة أو غلبتها إلى انقضاء الأجل”.

ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(موقع الشيخ):

“إن من أكبر آفات الإسلام في عصرنا ما يتمثل في أولئك الحشوية من أنصاف الجهلة أو أنصاف المتعلمين،الذين يتزيون بزي الدين ويتحدثون بإسمه وعاظاً أو خطباء أو مدرسين وهم لا يعرفون منه إلا قشوراً تافهة،أو نقولاً رديئة أو معلومات مشوشة،أو أحاديث موضوعة أو ضعيفة،أو حتى صحيحة ولكنهم يضعونها في غير موضعها،ويفهمونها على غير وجهها فيضلون ويُضلون.

ويزيد الطين بلة أن هؤلاء كثيراً ما يجدون منزلة في قلوب العوام الذين لا يميزون بين الغث والسمين،فهم يستميلون عواطفهم،ويشبعون أخيلتهم بالمبالغات في الترغيب والترهيب،والقصص والحكايات.والحقيقة أن موقف الإسلام من الصحة والوقاية وسلامة الأبدان موقف لا نظير له في أي دين من الأديان،فالنظافة فيه عبادة وقربة،بل فريضة من فرائضه.

ويتابع الشيخ حفظه الله:”كما رغب الإسلام في العمل والنشاط والحركة والبكور،وحذر من التباطؤ والتكاسل والترهل،ودعل إلى رياضة الأجسام بالسباحة والرماية وركوب الخيل،وما شابهها من ألوان الفروسية وجعل من حق الأولاد على آبائهم أن يدربوهم على ذلك،وشرع التنافس والمسابقات تشجيعاً على ذلك،وإغراء به،وسبق النبي صلى الله عليه وسلم بين الخيل،وأعطى السابق،كما شرع المسابقة على الأقدام ونحوها.

ومن عناية الإسلام بصحة الأجسام:تحريمه المسكرات والمفترات(المخدرات)مهما اتخذت لها من أسماء وعناوين،وتشديده في ذلك غاية التشديد،وإيجابه العقوبة الشرعية على من تناولها،وتأثيمه كل من شارك فيها بجهد ما،يساعد على تناولها،حتى أنه لعن في الخمر عشرة.

كما أنه حرم إرهاق البدن بالعمل وطول السهر والجوع،وإن كان ذلك في صورة عبادة الله تعالى،فقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على رهط من أصحابه أراد أحدهم أن يقوم الليل فلا ينام،والثاني أن يصوم الدهر فلا يفطر،والثالث أن يعتزل النساء فلا يتزوج،وقال لهم:”أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له،ولكني أقوم وأنام،وأصوم وأفطر،وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني“،كما أنه أنكر على عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو وغيرهما الغلو في التعبد،مذكراً بحق أبدانهم وأسرهم ومجتمعهم.

ومن عناية الإسلام بحق الأجسام ما شرعه من رخص في أداء الفرائض،إذا كان العمل بالعزائم يؤذي الجسم،كأن يسبب له مرضاً،أو يزيد في مرض قائم،أو يؤخر الشفاء منه،أو يؤدي إلى مشقة زائدة،فهناك يدع الوضوء إلى التيمم،والصلاة قائماً إلى الصلاة قاعداً أو مضطجعاً،وله الفطر في رمضان،إلى غير ذلك من أنواع التخفيف إلى بدل أو إلى غير بدل،حتى أصبح مقرراً عند عامة المسلمين:إن صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان.

والإسلام كما عنى بالصحة،عني بالطب سواء كان طباً علاجياً أم وقائياً،وإن كانت عنايته بالوقائي أكثر،لما هو معلوم:أن درهم وقاية خير من قنطار علاج،وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم جملة أحاديث تصف بعض الأدوية لبعض الأمراض.

على أن هناك جانباً هاماً يتعلق بالطب،يغفله الكثيرون ممن يروق لهم الحديث عن الطب النبوي أو الطب في الإسلام،ذلك هو الجانب التوجيهي الذي يتصل بمهمة الدين ووظيفة الرسول،فقد أدخلت الأديان الوثنية والمحرفة أفكاراً فاسدة،وخرافات باطلة،عوقت نمو الطب الصحيح،وأفسدت الانتفاع به،فجاء نبي الإسلام،فطارد تلك الأوهام،وصحح تلك الأغلاط،ووضع جملة من المبادىء الخالدة تعد بحق حجر الأساس لقيام صرح مشيد لطب إنساني علمي سليم.

ومن هذه المبادىء المحمدية:

1 ـ قرر قيمة البدن،وحقه على صاحبه،وسمع الناس لأول مرة في جو الدين”إن لبدنك عليك حقاً”،ومن حقه عليه أن يطعمه إذا جاع،ويريحع إذا تعب،وينظفه إذا اتسخ،وكذلك يداويه إذا مرض،هو حق واجب لا يجوز في نظر الإسلام أن ينسى ويهمل لحساب الحقوق الأخرى،ولو كان منها حق الله عز وجل.

2 ـحل مشكلة الإيمان بالقدر،الذي كان يعتقده المتدينون معارضاً للتداوي وطلب العلاج،ظانين أن عليهم الصبر على البلاء،والرضا بالقضاء.روى الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي عن أبي خزامة قال: قلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها،ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها،فهل ترد من قدر الله شيئاً؟ قال: هي من قدر الله“.وفي المسند:جاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله،أنتداوى؟قال: نعم،فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء”.

وهذا هو الجواب الحاسم فإن الله قدر الأسباب والمسببات،وجعل من سننه في خلقه دفع قدر بقدر،فيدفع قدر الجوع بقدر الغذاء،ويدفع قدر العطش بقدر الشرب،والداء بالدواء،وكل من الدافع والمدفوع قدر الله،فإنه عليه السلام كان يفعل التداوي في نفسه،ويأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه،وفي الصحيح من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي بن كعب طبيباً فقطع له عرقاً وكواه عليه.

وحينما ذهب عمر إلى الشام وعلم قبل دخولها أن هناك طاعوناً شاور أصحابه في الرجوع واستقر الرأي على العودة بمن معه بعداً بهم عن مواطن الخطر،فقال أبو عبيدة:أتفر من قدر الله يا أمير المؤمنين؟قال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة.نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله.أرأيت لو كان لك واديان أحدهما مخصب والآخر مجدب،أليس إن رعيت المخصب رعيته بقدر الله؟

3 ـ أقر سنة الله في العدوى وأمر بالاحتراز والوقاية والعزل الصحي في الأوبئة العامة كالطاعون ونحوه،بل وسع دائرة الوقاية حتى شملت الحيوان الاعجم،وقال:”لايُوردن مُمر ض على مُصح“[رواه البخاري عن أبي هريرة]والممرض: الذي إبله مراض،والمصح: الذي إبله صحاح. ومعنى لا يورد عليه: لا يخلط المريضة الجرباء بالصحيحة أثناء ورود الماء.

أما حديث “لا عدوى فهو صحيح رواه البخاري،ولكن معناه:أن الأمراض لا تعدي بطبعها وذاتها،كما يعتقد أهل الجاهلية،بل بتقدير الله تعالى،وبناء على سننه الكونية.

4 ـ قاوم ما يسمة”الطب الروحاني” واحترم الطب القائم على الملاحظة والتجربة والأسباب والمسببات،وأبطل ما أشاعته الوثنية الجاهلية عند العرب وغيرهم حتى أهل الكتاب من اطراح الأسباب الظاهرة والسنن الكونية والاعتماد على الأسباب الخفية والقوى المجهولة من عزائم ورقى غير مفهومة،وشعوذة يروجها السحرة والدجالون.

5 ـ فتح باب الأمل على مصراعيه أمام الأطباء والمرضى معاً،في الشفاء من كل مرض،مهما طال واتصل وقضى على اليأس المحطم،وعلى ما يسمى بالأمراض المستعصية،روى البخاري عن أبي هريرة:”ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء” وروى مسلم وأحمد عن جابر:لكل داء دواء،فإذا أصاب دواء الداء برىء بإذن الله تعالى“وروى أحمد :”إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله”.

6 ـ عنى الإسلام بالصحة النفسية عناية فائقة”فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان” ولا ريب أن بين الناحية النفسية والناحية الجسمية تبادلا في التأثير،كلاهما يؤثر في الآخر قوة وضعفاً،وصحة وسقماً،واعتدالاً وانحرافاً،وقد أثبت علماء النفس وأطباء الجسم من قديم.

وقديماً قالوا: العقل السليم في الجسم السليم،وعلق على ذلك برناردشو فقال: بل الجسم السليم في العقل السليم.وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوة الروح وأثرها في قوة البدن حين كانوا يبنون المسجد،والصحابة يحملن حجراً حجراً،وعمار يحمل حجرين حجرين،فقال:”إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه”وأشار إليها مرة أخرى حين نهاهم عن الوصال في الصيام،فقالوا له:تنهانا عن الوصال وتواصل؟قال: وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني“[رواه البخاري]ومن مثله في قوة الروح حتى يحتمل ما يحتمله عليه السلام؟

هذه هي المبادىء الخالدة التي أرسى الإسلام قواعدهأ،وحرص النبي صلى الله عليه وسلم على تثبيتها،وهي جديرة إذا روعيت وطبقت أن تنشىء أجيالاً من الأصحاء الأقوياء الذين لا ينتصر الدين ولا ترقى الدنيا إلا بهم.وبالله التوفيق.

وأخيراً:روى ابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء أن عضد الدولة عندما دخل بغداد كان أول من لقيه من الأطباء اثنان هما سنان بن ثابت وأبو الحسن الحراني،وهما طبيبان فاضلان،فلما دخلا عليه في مجلسه قال:من هؤلاء؟قالوا هؤلاء الأطباء.قال نحن في عافية وما بنا حاجة إليهم.فانصرف الطبيبان خجلين.فلما خرجا إلى دهليز القصر قال سنان لأبي الحسن:هل يجمل بنا أن ندخل إلى الملك فيردّنا ونحن شيخا بغداد؟فقال أبو الحسن:فما الحيلة؟قال نرجع إليه وأنا أقول ما عندي وننظر ماذا يكون الجواب.قال افعل.فاستأذنا ودخلا ثانية إليه فقال سنان:أطال الله بقاء مولانا الملك إن موضوع صناعتنا حفظ الصحة لا مداواة الأمراض.والملك أحوج الناس إليه.فقال له عضد الدولة:صدقت.وقرر لهما راتباً وصارا ينوبان مع أطبائه.

وقد تطرقنا في الموقع إلى سبل الوقاية والتوعية في كل موضوع على حدة وبالتفصيل ويمكن الرجوع إليها.والحمد لله رب العالمين.

لا تعليق

Schreibe einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind mit * markiert